التبليغ القضائي والرقمنة في المغرب: عنوان البطاقة الوطنية وحقوق الدفاع

التبليغ القضائي بين الرقمنة واعتماد عنوان البطاقة الوطنية: هل نربح السرعة دون أن نخسر ضمانات الدفاع؟

عالـم القانون3 يناير 2026
صورة توضيحية عن التبليغ القضائي بعد الرقمنة في المغرب، تُظهر رمز محكمة وعناصر رقمية مع عنوان باللغة الإنجليزية داخل الصورة.

مقدمة

لم يعد سؤال المتقاضي اليوم هو: “متى ستصدر المحكمة حكمها؟” فقط، بل صار يسبقه سؤال أكثر بساطة وأكثر قلقًا: “كيفاش غادي يوصلني الاستدعاء؟”؛ لأن التبليغ هو بوابة العلم بالإجراء، ومن دونه تُصاب العدالة بالبطء، ويُصاب الحق في الدفاع بالهشاشة.
الإشكالية الرئيسية التي يطرحها هذا التحول هي: إلى أي حد يمكن لرقمنة التبليغ واعتماد عنوان البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كمرجع قانوني أن يحقق النجاعة والسرعة، دون أن يتحول إلى عبء غير عادل على المواطنين أو مدخل للمساس بحقوق الدفاع؟
وتتفرع عنها إشكالات فرعية، أهمها:
1. ما المقصود عمليًا بـ“صعوبة التبليغ” ولماذا كانت سببًا في تعطيل الملفات؟
2. ما الجديد الذي جاءت به مقتضيات قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 في هذا الباب، وما حدود تطبيقه؟
3. كيف تتكامل “الرقمنة” مع التبليغ: منصات التتبع، التبادل الإلكتروني، ودور المفوض القضائي؟
4. أين يقف الحق في الدفاع عندما يُعتَبر التبليغ صحيحًا رغم عدم العلم الفعلي بسبب عنوان غير مُحَيَّن؟
5. ما الذي تعلمناه من النقاش الدستوري حول التبليغ في المسطرة المدنية (وخاصة موقف المحكمة الدستورية من “التبليغ المبني على التخمين”)؟
6. ما الخطوات الواقعية التي ينبغي للمواطن/الشركة القيام بها لتفادي مفاجآت الاستدعاءات والأحكام؟

المحور الأول: لماذا تحوّل التبليغ إلى “عنق زجاجة” في التقاضي؟

التبليغ ليس إجراءً شكليًا، بل هو أداة لضمان العلم وتمكين الأطراف من ممارسة حقوقهم: حضور الجلسة، إعداد الدفاع، تقديم الطعون، وتتبع التنفيذ. لذلك فإن أي خلل فيه ينعكس فورًا على زمن الدعوى وعلى الثقة في عدالتها.
عمليًا، كان التعطيل يتغذى من مشاكل متكررة: عناوين ناقصة أو غير معيارية، تنقلات سريعة بين المدن، رفض الاستلام أو التواري، وأحيانًا سوء فهمٍ بسيط بين “الموطن” و“محل الإقامة”. والنتيجة: جلسات تُؤجَّل فقط لأن ورقة الاستدعاء لم تصل، أو لأن محضر التبليغ عاد بعبارة “غير معروف/انتقل/العنوان ناقص”.
وهنا ظهر منطق الدولة واضحًا: إذا كانت بعض القضايا “تتوقف” بسبب عناوين مضللة أو غير مُحَيَّنة، فلابد من مرجع رسمي يمكن الرجوع إليه بسرعة وبأقل هامش للتلاعب. ومن هنا جاءت فكرة الاستناد إلى العنوان الوارد في البطاقة الوطنية كحل عملي لتجاوز المتاهة.

المحور الثاني: ما الجديد في المسطرة الجنائية؟ اعتماد عنوان البطاقة الوطنية كمرجع للتبليغ

وفق بلاغ وزارة العدل، دخل القانون رقم 03.23 بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية حيز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025، مع الإشارة إلى نشره بالجريدة الرسمية عدد 7437 بتاريخ 8 شتنبر 2025.
الجديد الذي أثار النقاش الشعبي والمهني هو ما راج حول “ربط التبليغ بعنوان البطاقة الوطنية”. في التصريحات المتداولة إعلاميًا، تم توضيح منطق الإجراء هكذا:
• يبدأ التبليغ بالعنوان المقدم في إطار الشكاية/المسطرة.
• إذا تعذر العثور على المعني بالأمر في ذلك العنوان، يتم الرجوع إلى العنوان الوارد في البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية باعتباره عنوانًا رسميًا.
• وإذا كان الشخص قد غيّر عنوانه دون تحيين بيانات البطاقة، يُعتبَر التبليغ قانونيًا، وتترتب آثار إجرائية مشددة على ذلك (وقد صيغت في بعض التصريحات بعبارات من قبيل اعتبار الحكم “بمثابة حضوري” بعد أجل معيّن).
هنا ينبغي الانتباه إلى نقطتين مهمتين حتى لا تختلط الصورة:
1. نحن نتحدث أساسًا عن منطق جديد داخل المسطرة الجنائية مرتبطة بإشكالات التبليغ في القضايا الزجرية، لا عن “قاعدة عامة” تُسقَط آليًا على كل فروع القضاء.
2. الغاية المعلنة هي مكافحة “التلاعب بالعناوين” وتسريع القضايا، لكن الثمن العملي قد يكون باهظًا لمن لا يُحَيِّن عنوانه لأسباب اجتماعية/إدارية/اقتصادية.
هذا التحول يحمل رسالة واضحة: الدولة تُحوّل جزءًا من مسؤولية انتظام المسطرة إلى المواطن عبر إلزامٍ غير مباشر بتحديث العنوان الرسمي. وهذا، من زاوية النجاعة، مفهوم… لكنه من زاوية العدالة الاجتماعية يحتاج ضمانات مصاحبة.

المحور الثالث: الرقمنة ليست “تطبيقًا” فقط… بل منظومة خدمات ومسارات

حين نقول “رقمنة العدالة”، فالأمر لا يقتصر على التبليغ، بل يمتد إلى تتبع الملفات والاطلاع على الجلسات وبعض الخدمات الإدارية القضائية. وزارة العدل تتيح مثلًا خدمة تتبع ملفات القضايا للاطلاع على تاريخ الجلسات والجهة القضائية المعنية عبر بوابتها/محاكم المغرب.
وتظهر رقمنة مسار التبليغ كذلك عبر أدوات مهنية موازية، من بينها:
• منصة التبادل الإلكتروني مع المفوضين القضائيين (eHuissier) التي تعكس اتجاهًا نحو تنظيم تبادل الوثائق والإجراءات في إطار رقمي مؤسساتي.
• منصة المحامي وما يرتبط بها من خدمات رقمية في علاقة بالمحاكم (في إطار رقمنة التقاضي وتسهيل بعض المساطر للممارسين).
• المغزى هنا: التبليغ لم يعد “رحلة ورقة” فقط، بل جزء من سلسلة رقمية: ملف يُتَابع، جلسة تُحدَّد، تبليغ يُنجَز، ثم آثار إجرائية تُرتَّب. ومع كل حلقة رقمية جديدة، يكبر سؤال: هل يصل الأثر القانوني إلى المعني فعليًا أم يظل “على الشاشة” فقط؟

المحور الرابع: الإشكالات العملية التي ستظهر بقوة… حتى لو كان النص واضحًا

على الورق يبدو الحل بسيطًا: “حدّث عنوان بطاقتك وانتهى الأمر”. لكن الواقع المغربي أكثر تعقيدًا، ومن هنا يأتي الجدل:

1) العنوان الرسمي لا يساوي دائمًا العنوان الواقعي

قد يعيش شخص في كراء غير مصرح به، أو ينتقل بين مدن للعمل، أو يقيم مؤقتًا عند عائلة، بينما عنوان البطاقة بقي قديمًا سنوات. في هذه الحالات، يصبح التبليغ “صحيحًا قانونًا” لكنه “مفقود أثرًا” في الواقع. وهذا أخطر ما في الموضوع: أن تُرتَّب آثار ثقيلة على شخص لم يعلم أصلًا.

2) تفاوت القدرة على التحيين

تحيين العنوان إجراء إداري يحتاج وقتًا ووثائق ووعيًا بأهمية المسألة. ليس الجميع يملك نفس القدرة على ذلك، خصوصًا في الهشاشة الاجتماعية أو لدى من يغيرون سكنهم باستمرار.

3) خطر تحويل التبليغ إلى “عقوبة جانبية”

حين يُقال للمواطن: “إذا لم تحيّن عنوانك ستتحمل العواقب”، فنحن عمليًا نخلق قاعدة جزائية/إجرائية غير مكتوبة مضمونها: “الجهل الإداري يُكلفك حقك في الدفاع.” وهذا يحتاج لمعادلة دقيقة بين الردع والإنصاف.

4) حماية المعطيات والربط البيني

ربط الإجراءات القضائية بقواعد هوية رسمية يفتح أيضًا نقاشًا حول حماية المعطيات وضمان أمن تبادلها، وهو ما يزداد حساسية كلما توسعت منظومة الرقمنة. (هذه النقطة تُذكر هنا كمجال نقاش عام، لا كحكم قطعي على نظام بعينه).

المحور الخامس: ماذا يقول “المنطق الدستوري” عن التبليغ؟ درس المسطرة المدنية

لنفهم عمق النقاش، يكفي أن نستحضر كيف تعاملت المحكمة الدستورية مع بعض مقتضيات التبليغ في مشروع المسطرة المدنية (قانون 23.02). في قرار 255/25 بتاريخ 4 غشت 2025، ناقشت المحكمة الفقرة الرابعة من المادة 84، واعتبرت أن جزءًا منها يُفضي إلى التبليغ بناءً على “الشك والتخمين” لا على “الجزم واليقين”، بما قد يمس حقوق الدفاع ومبدأ الأمن القانوني.
هذا المعيار الدستوري مهم جدًا لأنه يرسم قاعدة ذهبية:
التبليغ ينبغي أن يقوم على وضوح ويقين وضمانة، لا على افتراضات مرنة قد تضيع معها الثقة المشروعة.
والسؤال الذكي هنا:
• إذا كانت المحكمة الدستورية تتحفظ من تبليغٍ يقوم على “تقدير ظاهر السن” أو “تصريح شخص بأنه وكيل”… فكيف نضمن في المقابل ألا يتحول “عنوان البطاقة الوطنية” إلى قرينة قاسية حين يكون غير مُحيَّن لسبب خارج إرادة الشخص؟
في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن “عنوان البطاقة الوطنية” يُعد أكثر “يقينًا” من عناوين شفوية أو ناقصة؛ لذلك فالتحدي ليس في الفكرة وحدها، بل في الضمانات المصاحبة: الإخبار، التوعية، تبسيط تحيين العنوان، وإتاحة وسائل تتبع للمواطن حتى لا يفاجأ.

المحور السادس: حلول واقعية للمتقاضي… وكيف نخفض “مفاجآت الاستدعاء”؟

إذا أخذنا الموضوع بعقلٍ قانوني قريب من الناس، فالمطلوب ليس التخويف ولا التهوين، بل “قائمة وقاية” عملية:
1. حيّن عنوان البطاقة الوطنية فور تغيير السكن: لأن الاتجاه التشريعي/الإجرائي يتحرك نحو جعل العنوان الرسمي مرجعًا حاسمًا.
2. لا تكتفِ بانتظار ساعي البريد: استعمل خدمة تتبع ملفات القضايا لمعرفة الجلسات وتطور الملف، خصوصًا إذا كنت تعلم بوجود شكاية/نزاع محتمل.
3. في المنازعات المدنية والتجارية: احرص على تعيين موطن مختار واضح عند الاقتضاء (عبر محاميك/عقدك/وثائقك)، وتأكد أن عنوانك في المعاملات الرسمية ثابت ومُحدَّث.
4. بالنسبة للشركات: راجع العناوين المعتمدة في السجل التجاري وفي الوثائق التعاقدية؛ لأن النزاعات التجارية تتأثر كثيرًا بالتبليغات والعناوين.
5. إذا شككت أنك موضوع مسطرة: لا تنتظر المفاجأة؛ استشارة محام أو مراجعة كتابة الضبط وفق الطرق القانونية قد توفر عليك آثارًا يصعب تداركها لاحقًا.
6. طالب بتقوية قنوات الإخبار المساندة (رسائل قصيرة/إشعار إلكتروني) كلما كانت متاحة: لا كبديل عن التبليغ القانوني، بل كطبقة أمان تقلل المفاجآت.

خاتمة

اتجاه الإصلاح واضح: عدالة أسرع، أقل تعطيلًا، وأكثر رقمنة. ودخول قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 حيز التنفيذ يوم 8 دجنبر 2025 هو محطة بارزة في هذا المسار. لكن “السرعة” وحدها لا تكفي إن لم تُرافقها ضمانات تُشعر المواطن أن حقه في الدفاع لم يصبح رهين “تفصيل إداري” كعنوان لم يُحَيَّن.
الرهان الحقيقي، في نظري، ليس أن نختار بين “النجاعة” و“الضمانات”، بل أن نبني تبليغًا ذكيًا: مرجعيته الرسمية واضحة، ومساراته الرقمية فعالة، لكن معه سياسة تيسير وتحسيس وتدرج… حتى لا تتحول الرقمنة من حلٍّ لمشكلة التلاعب إلى مشكلة جديدة عنوانها: “حُكم صدر… لأن العنوان نسي أن يتحرك مع صاحبه.”

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق