مقدمة
لم يكن الشيك في المغرب مجرد أداة وفاءٍ تجارية، بل تحوّل ــ بفعل الممارسة اليومية واتساع التعامل به خارج منطق “الوفاء الفوري” ــ إلى بؤرةٍ دائمة للنزاع: شيكات تُستعمل كضمان، أو تُحرَّر تحت ضغط ظرف اقتصادي، أو تُقدَّم دون مؤونة كافية، فتتداخل المسؤولية الجنائية مع آثار مدنية وتجارية تُربك الأفراد والمقاولات، وتستنزف زمن القضاء والشرطة القضائية والنيابات العامة. لذلك جاء القانون رقم 71.24 بتغيير وتتميم القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، في سياقٍ تشريعي واضح: إعادة ضبط فلسفة التجريم في “شيك بدون مؤونة”، وإعطاء التسوية موقعًا مركزيًا قبل تحريك الدعوى العمومية أو أثناءها، وتوحيد التطبيق العملي عبر دورية لرئاسة النيابة العامة. وقد نُشر هذا القانون بالجريدة الرسمية عدد 7478 بتاريخ 29 يناير 2026، ونُفّذ بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.26.03 (22 يناير 2026).
ضمن هذا الإطار، لا قيمة للقراءة “الانطباعية” التي تلتقط عناوين مثل “الغرامة 2%” أو “السوار الإلكتروني” دون فهم البناء القانوني الجديد. فالمستجد ليس رقمًا معزولًا، بل منظومة: تعريفٌ أدق للجنحة، مسطرةُ إعذارٍ قبل المتابعة، آلياتٌ تُشجّع الوفاء والتنازل والصلح، وعقوباتٌ أعيد ترتيبها وفق درجات الخطورة، ثم توجيهٌ عملي من رئاسة النيابة العامة لضمان تنزيلٍ موحّد ومنضبط.
المحور الأول: الإطار التشريعي للتعديل ومجالُه داخل مدونة التجارة
يُميَّز القانون 71.24 بكونه لم يأتِ على شكل “قانون مستقل للشيكات”، بل كقانونٍ يُغيِّر ويتمِّم مدونة التجارة (القانون 15.95)، عبر مراجعة مواد متعدّدة تمسّ الشكل، والتداول، والتقادم، والمنع البنكي، والغرامات المالية المرتبطة بالإنذارات، ثم الجرائم والعقوبات المرتبطة بالشيك. وقد نصّ القانون صراحة على تغيير وتتميم مواد من قبيل 240 و242 و295 و306 و310 و311 و312 و313 و314 و317 و318 و319 و320، ثم نسخ وتعويض المادتين 316 و325 بنصّ جديد.
ويُفهم من هذا الاختيار التشريعي أن المشرّع تعامل مع الشيك باعتباره جزءًا من منظومة أوراق تجارية وآليات أداء، لا كجزيرة منفصلة. لذلك سنجد ــ مثلًا ــ مستجدات ذات صلة بإطار بنك المغرب في ضبط النماذج والشكل، أو بآليات “التجميد الإلكتروني عن بعد”، بما ينسجم مع التحول الرقمي وتطور وسائل الأداء.
ملاحظة منهجية: قراءة القانون الجديد تستلزم فصلًا بين:
1. مقتضيات شكلية/بنكية تنظّم إصدار الشيك والتعامل البنكي معه،
2. مقتضيات زجرية/مسطرية تنظّم التجريم والمتابعة والصلح وآثار الأداء.
المحور الثاني: إعادة بناء “الشيك الصحيح” وتعزيز أدوار بنك المغرب في ضبط الصيغ والآليات
من أهم رسائل التعديل التشريعي أنه يضيّق هامش الفوضى الشكلية: فالنص المعدّل أكّد أن أي شيك غير مطابق للصيغ المسلمة من طرف المؤسسة البنكية أو ينقصه أحد البيانات الإلزامية يعد غير صحيح كشيك، وإن كان قد يُعتبر “سندًا عاديًا لإثبات الدين” إذا توفرت شروطه. وفي الوقت ذاته، جعل تحديد نماذج صيغ الشيك مرتبطًا بمنشور يصدره والي بنك المغرب.
وإلى جانب ذلك، أضاف المشرّع إمكانية تجميد مبلغ الشيك بطريقة إلكترونية عن بعد بطلب من حامل الشيك أو المستفيد وبأمر من الساحب، مع إحالة كيفية تطبيق هذه الآلية إلى دورية تصدر عن والي بنك المغرب.
وهذه الإضافة ليست تقنية فقط؛ فهي تُلمّح إلى توجهٍ يرمي إلى تقليل النزاع قبل انفجاره: “تأمين” المؤونة أو جزء منها في لحظةٍ مبكرة، بدل انتظار مسار نزاعٍ طويل قد ينتهي بعقوبةٍ سالبة للحرية دون استرداد فعلي للمبالغ.
المحور الثالث: قيدٌ مسطري جوهري قبل المتابعة: “الإعذار” ومهلة 30 يومًا وإمكانية المراقبة القضائية
هنا تبرز أهم نقطة جعلت الموضوع ينتشر بقوة: لم تعد المتابعة في جنحة عدم توفير مؤونة شيك عند تقديمه للوفاء تُباشَر كما كانت تُباشَر عمليًا في كثير من الحالات. فقد نصت المادة 325 بصيغتها الجديدة على أنه “يجب أن يسبق المتابعة إعذار ساحب الشيك بأن يقوم بتسوية وضعيته خلال أجل ثلاثين (30) يوما من تاريخ هذا الإعذار”، وأن هذا الإعذار يتم في شكل استجواب يقوم به أحد ضباط الشرطة القضائية بناء على تعليمات النيابة العامة، مع إمكانية إخضاع المعني لتدبير أو أكثر من تدابير المراقبة القضائية بما فيها السوار الإلكتروني.
ولأن الواقع أعقد من قاعدةٍ زمنية ثابتة، فتح القانون الباب أمام النيابة العامة لتمديد الأجل لمدة مماثلة أو أكثر بعد موافقة المستفيد، مع استمرار تدبير المراقبة القضائية.
وفي الدورية الصادرة في الموضوع، أعادت رئاسة النيابة العامة إبراز هذا القيد واعتبرته “قيدًا قانونيًا” يجب أن يسبق المتابعة، مؤكدة مهلة 30 يومًا، وإمكانية التمديد 30 يومًا إضافية بموافقة المستفيد، مع الإحالة على تدابير المراقبة القضائية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية.
الدلالة العملية: المشرع يُعلن ــ دون تصريح مباشر ــ أن الهدف ليس “سجن الساحب” بقدر ما هو دفعه إلى التسوية وضمان الوصول إلى المال أو إلى حدّ أدنى من الجدية، قبل فتح باب الدعوى العمومية.
المحور الرابع: التسوية قبل المتابعة وأثناءها وبعد الحكم: سقوط الدعوى ووقف تنفيذ العقوبة و”الغرامة 2%”
إذا كان “الإعذار” هو بوابة المسطرة، فإن التسوية هي جوهر الفلسفة الجديدة. فقد رتبت المادة 325 آثارًا واضحة للأداء أو التنازل عن الشكاية بالنسبة لجنحة “إغفال الحفاظ على المؤونة أو تكوينها قصد الوفاء بالشيك عند تقديمه”:
• قبل تحريك الدعوى أو أثناءها: يترتب عن الأداء أو التنازل عدم تحريك الدعوى العمومية أو سقوطها (حسب الحالة)، وذلك بعد أداء غرامة تحدد في 2% من مبلغ الشيك أو الخصاص.
• بعد صدور مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به: إذا وقع الوفاء أو التنازل بعد الحكم النهائي، فإنه يضع حدًا لتنفيذ العقوبة السالبة للحرية ويمحو آثارها بعد أداء الغرامة وفق المقتضيات المحددة.
ودورية رئاسة النيابة العامة جاءت لتُحوِّل هذه القاعدة من “نص” إلى “تعليمات تطبيق”: إذ أكدت أن أداء قيمة الشيك أو التنازل عن الشكاية يصبحان مانعًا قانونيًا من المتابعة، شريطة أداء الغرامة 2%، مع التنبيه إلى ما يلزم تضمينه في المحاضر عند رفض الساحب الأداء أو تعذر أداء الغرامة.
ويُسجل القانون أيضًا حالة بالغة الدلالة: إذا أودع الساحب قيمة الشيك بصندوق المحكمة ولم يكن هناك صلح أو تنازل، فيجوز للمستفيد المطالبة بالتعويض المدني ـ عند الاقتضاء ـ أمام القضاء المدني.
وهذه الإضافة تُعيد ترتيب الأدوار: الجنائي يُستعمل لدفع التسوية وحماية الثقة العامة، بينما يظل باب التعويض المدني مفتوحًا وفق قواعده.
المحور الخامس: هندسة العقوبات الجديدة: تمييز درجات الخطورة وتجريم استعمال الشيك كضمان
أعاد القانون ترتيب العقوبات بما ينسجم مع خطورة الأفعال:
1. الجنحة “الأصل” (عدم توفير المؤونة/التعرض غير الصحيح):
نصت المادة 316 الجديدة على عقوبة حبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة بين 5000 و20000 درهم في حالات محددة، من بينها ساحب الشيك الذي “أغفل الحفاظ على المؤونة أو تكوينها” قصد الأداء عند تقديم الشيك، وكذا الساحب المتعرض بصفة غير صحيحة لدى المسحوب عليه.
2. تزوير الشيك واستعماله أو قبوله عن علم:
العقوبات هنا أشد (حبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 20000 إلى 50000 درهم) بالنسبة للتزوير أو القبول عن علم لشيك مزيف أو مزور أو استعماله.
3. قبول الشيك على سبيل الضمان (الجدل الأكثر شيوعًا في التداول):
هذه النقطة كانت سببًا رئيسيًا في “الضجة” لأنها تمس سلوكًا شائعًا في المعاملات. فالنص الجديد قرر أن كل شخص قام عن علم بقبول تسلم أو تظهير شيك بشرط ألا يستخلص فورًا وأن يحتفظ به على سبيل الضمان، يعاقب بغرامة قيمتها 2% من قيمة الشيك، مع ترتيب أثر جوهري إذا تم أداء الغرامة قبل حكم نهائي: عدم تحريك الدعوى أو سقوطها.
ودورية رئاسة النيابة العامة لخّصت ذلك صراحة باعتباره إلغاءً للعقوبة الحبسية في جنحة “قبول الشيك على سبيل الضمان” والاكتفاء بغرامة مالية (2%).
4. إصدار شيكات رغم المنع أو خلافًا للمقتضيات (مواد 318 وما يليها):
أبقى المشرع على تجريم السلوك الذي يضرب في قلب الثقة البنكية، ومنه إصدار شيكات في إطار المنع، بعقوبة حبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وغرامة من 5000 إلى 20000 درهم.
5. التنبيه إلى عدم قابلية العقوبات البديلة في بعض الحالات:
نص القانون على أنه لا يحكم بالعقوبات البديلة في الجنح المنصوص عليها في المادة 316.
وهذه نقطة ينبغي الانتباه لها عند من يراهن على منطق “بدائل الحبس” بشكل تلقائي في ملف الشيكات.
المحور السادس: الدورية وتوحيد التطبيق: قواعد انتقالية وإجرائية لتفادي الارتباك
قد يُنتج النص التشريعي وحده تفاوتًا في التأويل والتطبيق بين النيابات العامة وبين الضابطة القضائية وبين المحاكم. لذلك جاءت الدورية كوثيقةٍ وظيفتها الأساسية توحيد الفهم والتطبيق، ويمكن تلخيص أهم مضامينها العملية في ثلاث دوائر:
1. التأكيد على الطابع “المسطرِي” للإعذار قبل المتابعة:
الدورية اعتبرت الإعذار شرطًا جوهريًا يسبق المتابعة، وبَيَّنت طريقة توجيهه وآجاله وإمكانية التمديد بموافقة المستفيد، مع الإشارة لإخضاع الساحب لتدابير مراقبة قضائية قد تشمل السوار الإلكتروني.
2. تدبير آثار الصلح/التنازل/الأداء على الدعوى العمومية وعلى تنفيذ العقوبة:
الدورية أوضحت أن أداء قيمة الشيك أو التنازل عن الشكاية يترتب عنه سقوط الدعوى أو وقف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية (عند وجود حكم نهائي)، شريطة أداء الغرامات المقررة؛ كما نبهت إلى ضرورة توجيه التعليمات للجهات المعنية (ومنها المؤسسة السجنية عند الاقتضاء) فور تحقق الشروط.
3. قواعد انتقالية مهمّة لتحديد ما يطبق فورًا وما لا يطبق:
نصت الدورية على أن التعديلات نُشرت بالجريدة الرسمية يوم 29 يناير 2026 ودخلت حيز التنفيذ من تاريخ النشر، وأن تنزيلها يقتضي مراعاة الآثار القانونية المترتبة. كما أشارت إلى أن الشكايات الجديدة بعد هذا التاريخ تخضع لشكليات الإعذار، في حين تُثار مسائل تطبيقية بالنسبة للملفات الجارية وما إذا كانت خاضعة للشكلية الجديدة أو تستفيد من الآثار الموضوعية للصلح والتنازل.
الخلاصة التطبيقية لهذا المحور: الدورية ليست “رأيًا”، بل أداة تدبيرية لإدارة السياسة الجنائية في هذا المجال؛ قيمتها أنها تمنع التفاوت، وتقلل من النزاع الإجرائي حول “متى تفتح المتابعة؟ وكيف يوثق رفض الأداء؟ وما أثر التنازل؟”.
خاتمة
يمكن القول إن القانون 71.24 لم يأتِ ليُخفف الضغط فقط، ولا ليُشدد الزجر فقط، بل ليعيد ترتيب العلاقة بين الشيك والثقة والمعاملة والقضاء. فمن جهة، شدّد على أن الشيك أداة وفاء لها شكلها وصرامتها، وربط نماذجها وإجراءاتها بدور بنك المغرب، وفتح أفق حلول تقنية كالتجميد الإلكتروني.
ومن جهة ثانية، أعاد هندسة التجريم: جعل “الإعذار” شرطًا قبل المتابعة، ومنح التسوية أثرًا حاسمًا على الدعوى العمومية وعلى تنفيذ العقوبة، وربط ذلك بغرامة 2% في حالات محددة، وميّز بين من يسيء استعمال الشيك كضمان وبين من يزور أو يستعمل مزورًا، وبين من يكرر السلوك رغم المنع البنكي.
أما الدورية، فقد جاءت لتضع “خط السير” العملي: كيف تُفعل مهلة 30 يومًا؟ كيف يُدار التمديد بموافقة المستفيد؟ كيف تُرتب آثار الأداء والتنازل؟ وكيف تُفهم بعض الإشكالات الانتقالية؟
وبذلك، فالعنوان الذي يتداوله الناس (“قانون الشيكات الجديد”) يختزل واقعًا أعقد: نحن أمام انتقالٍ تدريجي من منطق الردع المجرد إلى منطقٍ يوازن بين الردع والتسوية وحماية المعاملة؛ انتقالٍ لا ينجح إلا إذا فهمه المتقاضون، والتزم به الفاعلون، وجرى تنزيله بصرامةٍ عقلانية لا تُفرِّط في الحقوق ولا تُبالغ في العقاب.













