الإطار القانوني لتنظيم أنشطة المؤثرين الأجانب في المغرب: رهانات السيادة الرقمية وحماية النظامين العام والجبائي

تقنين المؤثرين الأجانب في المغرب

عالـم القانون26 فبراير 2026
مشهد يوضح تنظيم المؤثرين الأجانب في المغرب عبر التراخيص والضرائب والقوانين الرقمية مع مؤثر يصور محتوى وخلفية لمعالم مغربية ورموز العدالة والتنظيم

مقدمة

 

أضحى الفضاء الرقمي مجالاً عابراً للحدود تتقاطع فيه حرية التعبير مع المصالح الاقتصادية والسيادية للدول. ومع صعود “اقتصاد المؤثرين” وانتقال صناعة المحتوى من الهواية إلى نشاط ربحي منظَّم، برزت تحديات قانونية غير مسبوقة أمام الأنظمة التشريعية الوطنية، خاصة حين يتعلق الأمر بمؤثرين أجانب يدخلون دولة معينة لتصوير محتويات رقمية موجَّهة لجمهور عالمي، وتدرّ أرباحاً عبر منصات رقمية وإعلانات وشراكات تجارية. في هذا السياق، يتجه المشرّع المغربي إلى التفكير في إطار قانوني ينظم دخول المؤثرين الأجانب ومزاولتهم لنشاط صناعة المحتوى داخل التراب الوطني، بما يشمل اشتراط التراخيص والامتثال للالتزامات الجبائية واحترام القوانين الوطنية ذات الصلة بالنظام العام والخصوصية وحماية الصورة والمعطيات الشخصية.
تنبع أهمية الموضوع من تداخُل اعتبارات متعددة: سيادة الدولة على مجالها الترابي والرقمي، حماية الاقتصاد الوطني من المنافسة غير المنظمة والتهرب الضريبي، صون القيم المجتمعية والرمزية الثقافية، وضمان حقوق المتعاملين المحليين من شركات إنتاج وسياحة وعمالة مؤقتة. وعليه، يروم هذا المقال تقديم معالجة أكاديمية للإطار القانوني المرتقب، عبر ستة محاور تتناول الأسس النظرية، الإشكالات العملية، الآليات التنظيمية، الأبعاد الجبائية، المقارنة المعيارية، ثم الآفاق والتوصيات.

المحور الأول: الإطار المفاهيمي والقانوني لاقتصاد المؤثرين

يشير مفهوم “اقتصاد المؤثرين” إلى منظومة أنشطة إنتاج المحتوى الرقمي والتسويق عبر الشبكات الاجتماعية، حيث يتحول “التأثير” إلى قيمة اقتصادية قابلة للتثمين عبر الإعلانات، الرعايات، الروابط التسويقية، وبيع الخدمات والمنتجات. يتميز هذا الاقتصاد بثلاث خصائص رئيسة:
1. الطابع العابر للحدود: المحتوى يُنتج محلياً لكنه يُستهلك عالمياً، ما يطرح إشكالية الاختصاص القضائي وتنازع القوانين.
2. الهشاشة التنظيمية: كثير من الأنشطة تتم دون تراخيص أو تصنيف مهني واضح، فتقع في منطقة رمادية بين التعبير الحر والنشاط التجاري المنظَّم.
3. الرقمنة الجبائية: تتحقق الأرباح عبر منصات عالمية (مثل YouTube) ما يصعّب تتبع الوعاء الضريبي وإسناد الأرباح إلى الإقليم الضريبي الصحيح.
قانونياً، يقتضي التمييز بين المحتوى ذي الطابع التعبيري المحض، والمحتوى ذي الطابع التجاري/الإعلاني الذي يستدعي ترخيصاً ومراقبة. كما يفرض التمييز بين المؤثر المقيم والمؤثر الأجنبي المؤقت، لما لذلك من آثار على نظام الدخول والإقامة والتشغيل المؤقت، والالتزامات الجبائية والضمانات المهنية.

المحور الثاني: مبررات تدخل المشرّع لتنظيم أنشطة المؤثرين الأجانب

تستند مشروعية التدخل التشريعي إلى جملة اعتبارات:
أولاً – السيادة والتنظيم العام: للدولة سلطة تنظيم الأنشطة التي تُزاول على إقليمها، متى تجاوزت حدود التعبير الحر إلى نشاط ربحي منظَّم يؤثر في المجال العام والصورة الدولية للدولة.
ثانياً – العدالة الجبائية وتكافؤ المنافسة: المؤثر الأجنبي الذي يحقق أرباحاً داخل الإقليم دون امتثال ضريبي يخلق منافسة غير عادلة مع الفاعلين المحليين الملتزمين بالضرائب والرسوم.
ثالثاً – حماية المستهلك والصورة: المحتوى الإعلاني قد يروّج لمنتجات أو ممارسات تمس بالصحة العامة أو القيم المجتمعية، ما يستوجب إخضاعه لقواعد الإعلان التجاري وحماية المستهلك وحماية الصورة والخصوصية.
رابعاً – الأمن القانوني: وضوح القواعد يوفر يقيناً قانونياً للمؤثرين الأجانب وشركائهم المحليين، ويحدّ من المنازعات الإدارية والجبائية.
هذه المبررات لا تعني التضييق على حرية التعبير، بل تهدف إلى ترشيد النشاط التجاري الرقمي بما ينسجم مع النظام العام والاقتصادي للدولة.

المحور الثالث: آليات الترخيص والتنظيم الإداري المقترحة

يُنتظر أن يتضمن الإطار القانوني آليات عملية توازن بين المرونة والصرامة التنظيمية، من قبيل:
1. نظام تصريح/ترخيص مسبق للمؤثرين الأجانب الراغبين في تصوير محتوى ربحي داخل التراب الوطني، مع تحديد مدة النشاط ونطاقه الجغرافي وطبيعته التجارية.
2. التصنيف المهني: إدراج المؤثرين ضمن خانة “أنشطة سمعية-بصرية/إعلانية رقمية” بما يترتب عنه واجبات مهنية (تأمين المسؤولية المدنية، احترام شروط السلامة عند التصوير في الفضاءات العمومية، الحصول على موافقات عند تصوير مواقع حساسة).
3. الشراكات المحلية: تشجيع التعاقد مع شركات إنتاج محلية أو مرشدين معتمدين لضمان الامتثال للقواعد التقنية والقانونية، ونقل الخبرة وتشغيل اليد العاملة المحلية.
4. الجزاءات الإدارية: وضع نظام جزاءات تدريجي (إنذار، غرامة، تعليق الترخيص، المنع المؤقت) مع ضمانات المسطرة العادلة وحق الطعن.
هذه الآليات تُسهم في تحويل النشاط من ممارسة عفوية إلى نشاط منظَّم قابل للمساءلة.

المحور الرابع: الأبعاد الجبائية والمالية لتنظيم النشاط

يشكّل البعد الجبائي حجر الزاوية في التنظيم المرتقب، إذ يُنتظر:
• تحديد الواقعة المنشئة للضريبة: تحقيق ربح مرتبط بنشاط تم داخل الإقليم الوطني، سواء عبر رعايات محلية أو تصوير محتوى مموَّل يخدم مصالح تجارية داخلية.
• آليات التتبع والتحصيل: إقرار واجب التصريح المسبق بمصادر الدخل المتوقعة، وإمكانية الاقتطاع عند المنبع في حالة التعاقد مع مُعلنين محليين.
• تجنّب الازدواج الضريبي: التنسيق مع الاتفاقيات الدولية لتفادي ازدواج فرض الضريبة على نفس الدخل، مع اعتماد معيار “المصدر” في الدخل المتولد محلياً.
• محاربة التهرّب الضريبي الرقمي: تطوير أدوات رقابية رقمية والتعاون مع المنصات الإعلانية لتبادل المعطيات في حدود ما يسمح به القانون وحماية المعطيات الشخصية.
يحقق هذا التوجه العدالة الجبائية ويُدرج الاقتصاد الرقمي ضمن الوعاء الضريبي دون المساس بجاذبية الاستثمار الإعلامي والسياحي.

المحور الخامس: المقاربة المقارنة والمعايير الدولية ذات الصلة

تُظهر التجارب المقارنة توجهاً عاماً نحو تنظيم أنشطة المؤثرين عبر:
• قواعد الشفافية الإعلانية: إلزام الإفصاح عن المحتوى المدفوع أو المموَّل حمايةً للمستهلك.
• ترخيص التصوير في الفضاءات العمومية: خاصة في المواقع التراثية والطبيعية الحساسة.
• تنظيم الضرائب الرقمية: إدراج الدخل الإعلاني ضمن الوعاء الضريبي الوطني متى تحققت علاقة إقليمية جوهرية.
على المستوى المعياري الدولي، تتقاطع هذه التنظيمات مع مبادئ حرية التعبير، حماية الخصوصية، حماية المستهلك، وتفادي التمييز بين الفاعلين الوطنيين والأجانب. ويُستحسن استلهام أفضل الممارسات مع مواءمتها للخصوصية القانونية والثقافية الوطنية.

المحور السادس: التحديات التطبيقية وآفاق التطوير

تواجه عملية التقنين تحديات عملية من أبرزها:
1. صعوبة التمييز بين المحتوى التعبيري والمحتوى التجاري في بيئة رقمية هجينة.
2. تعقيد تتبع الأرباح الرقمية المولَّدة عبر منصات عالمية وبعملات مختلفة.
3. مخاطر الإفراط التنظيمي الذي قد ينفّر صناع المحتوى والسياحة الرقمية.
4. حماية الحقوق والحريات بما يمنع تحوّل التنظيم إلى أداة تقييد غير متناسب.
ولمواجهة هذه التحديات، يُقترح اعتماد مقاربة تنظيمية ذكية: قواعد واضحة، مساطر مبسطة عبر منصات إلكترونية، آجال قصيرة للترخيص، تحفيزات للشراكات المحلية، ومراجعة دورية للإطار القانوني وفق تطور المنصات والنماذج الاقتصادية.

خاتمة

يمثل تنظيم أنشطة المؤثرين الأجانب خطوة ضرورية لتحديث المنظومة القانونية في مواجهة تحولات الاقتصاد الرقمي العابر للحدود. فالغاية ليست تقييد حرية التعبير أو إغلاق الفضاء الإبداعي، بل إدراج النشاط الربحي الرقمي ضمن قواعد النظام العام والجبائي وحماية المستهلك والخصوصية، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الفاعلين المحليين والأجانب، ويصون السيادة القانونية والثقافية للدولة. إن نجاح الإطار المرتقب رهين بتوازن دقيق بين الجاذبية والانضباط، وبين المرونة التنظيمية والصرامة الجبائية، مع إشراك المهنيين والمنصات الرقمية في بلورة نصوص عملية قابلة للتطبيق. بذلك يتحول تنظيم المؤثرين من عبء إداري إلى رافعة لتنمية الاقتصاد الإبداعي والسياحة الرقمية بصورة مستدامة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق