ذ/الزكراوي يكتب:مدى إمكانية الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي في المسؤولية الإدارية و آثره على التعويض.

من الفصل إلى التداخل: كيف أعاد القضاء المغربي بناء قواعد التعويض عند اشتراك خطأ الموظف وخطأ المرفق؟

عالـم القانون12 فبراير 2026
الزكراوي محمد، باحث قانوني وقضائي، نائب رئيس المركز الوطني للأبحاث القانونية والقضائية.

مقـــــدمة:

تعد مسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها من المواضيع الجوهرية في القانون الإداري، لما تنطوي عليه من تقاطع دقيق بين اعتبارات حماية الحقوق الفردية ومتطلبات ضمان السير المنتظم والمستمر للمرافق العمومية، وقد ظل هذا الموضوع لسنوات طويلة محكوما بتصور تقليدي يقوم على الفصل الصارم بين الخطأ الشخصي المنسوب للموظف والخطأ المرفقي المنسوب للإدارة، الأمر الذي كان يفضي في كثير من الأحيان إلى إضعاف الحماية القانونية المقررة للمتضررين.
غير أن تطور الوظيفة الإدارية وتعقد آليات اشتغال المرافق العامة أفرزا واقعا جديدا، تتداخل فيه الأفعال الشخصية بالوسائل الوظيفية، وتتقاطع فيه المسؤوليات الفردية مع الاختلالات التنظيمية للمرفق العام، وهو ما جعل التمييز الكلاسيكي بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي غير كافٍ لوحده للإحاطة بجميع صور الضرر الإداري، خاصة في الحالات التي يكون فيها الفعل الضار ثمرة تفاعل بين سلوك الموظف وتقصير الإدارة في المراقبة أو التنظيم.
وأمام هذا الواقع، اضطلع القضاء الإداري بدور محوري في إعادة صياغة نظرية المسؤولية الإدارية، من خلال إرساء اجتهادات قضائية، كرست مبدأ جواز الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي باعتباره آلية قانونية مرنة، تسمح بتحميل الإدارة مسؤولية التعويض متى ثبت أن للمرفق العام دورًا في إحداث الضرر، دون أن يحول ذلك دون مساءلة الموظف عن خطئه الشخصي. وقد شكل هذا التوجه تحولًا نوعيًا في فلسفة المسؤولية الإدارية، حيث انتقل التركيز من طبيعة الخطأ في ذاته إلى طبيعة العلاقة بين الخطأ وسير المرفق العام.

وانطلاقًا من ذلك، نطرح من خلال هذا المقال إشكالية مركزية، تتمثل في مدى نجاح القضاء الإداري في تكريس مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، لتحقيق التوازن بين حماية المتضرر وضمان استمرارية المرفق العام، في حدود هذا المبدأ وآثاره على نظام المسؤولية الإدارية، كما نسعى في ضوء هذه الدراسة إلى معالجة هذه الإشكالية من خلال تحليل النصوص القانونية المؤطرة للمسؤولية، واستقراء الاجتهاد القضائي المغربي في ضوء التجربة المقارنة، مع إبراز الأسس القانونية والقضائية التي يقوم عليها هذا المبدأ وانعكاساته العملية.

 

الفقرة الأولى: الإطار القانوني للمسؤولية المرفقية و الشخصية

 

تعتبر المسؤولية الإدارية إحدى الركائز الأساسية في القانون الإداري المغربي، لما تمثله من آلية لحماية الحقوق الفردية وضمان سير المرافق العامة، وتستند المسؤولية الإدارية إلى قاعدة قانونية عامة نص عليها قانون الالتزامات والعقود المغربي، وخاصة الفصول 77 و79 و80، حيث ينص الفصل 79 على أن الإدارة تتحمل مسؤولية التعويض عن الضرر الناتج مباشرة عن تسييرها، بينما يوضح الفصل 80 نطاق مسؤولية الموظف عن أخطائه الشخصية، مع عدم الإخلال بمسؤولية الإدارة، باعتبار أن هذه النصوص القانونية ترسخ مبدأ أساسيا مفاده أن الإدارة مسؤولة عن الأضرار الناتجة عن عمل موظفيها ضمن نطاق الوظيفة أو بسبب استخدام وسائل المرفق العام، وأن الخطأ الشخصي للموظف لا يلغي المسؤولية الإدارية إذا ارتبط الضرر بأداء الوظيفة أو تنظيم المرفق.
ويظهر ذلك جليا في الاجتهاد القضائي المغربي، حيث دأبت محكمة النقض من خلال قراراتها ، أن تحميل الإدارة مسؤولية التعويض لا يتنافى مع إمكانية مساءلة الموظف عن الخطأ الشخصي عند وجود نية أو جسامة في الفعل الصادر عنه.
ففي البداية، كانت النظرية الكلاسيكية للمسؤولية الإدارية تقوم على فصل صارم بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، فالخطأ الشخصي يتحمله الموظف وحده، ويعتبر خارج نطاق الوظيفة إذا ارتكب بدافع شخصي أو جسامة، بينما الخطأ المرفقي ينسب إلى الإدارة، لأنه ينشأ عن تقصير أو قصور في تنظيم المرفق العام أو في مراقبته.
غير أن الواقع العملي أظهر تعقيدات لا يمكن فصلهما فيها بسهولة، خاصة عند تداخل الأخطاء، مثل حالات سوء استخدام الموظف للوسائل الإدارية أو تقصير الإدارة في المراقبة، وقد انعكس هذا الواقع على تطور النظرية القانونية، بحيث صار القضاء يعتمد مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وهو تحول نوعي في القانون المغربي يعكس مرونة النظام الإداري واستجابته لتعقيدات الواقع،

وهو ما كرسته محكمة النقض في قرارها رقم 528 الصادر عن الغرفة الإدارية بتاريخ 16 يوليوز 2020، بقولها أن الخطأ الشخصي يتمثل في الفعل الصادر عن الموظف خارج نطاق الوظيفة، سواء بسبب الانحراف الجسيم عن المهام أو وجود دافع شخصي للإضرار، ويترتب عنه مسؤولية الموظف مباشرة، وقد يتحمل المسؤولية المدنية أو التأديبية بحسب جسامة الخطأ، أما الخطأ المرفقي فهو إخلال الإدارة بالتزامات المرفق العام، سواء بسوء التنظيم، أو انعدام الرقابة، أو التقصير في تسيير الموارد، ويترتب عنه مسؤولية الإدارة.

ويبرز ذلك بوضوح في الاجتهاد القضائي المغربي ، الذي أعتبر أن معيار التفرقة بين الخطأين ليس مجرد النية، بل يشمل مدى ارتباط الفعل بالوظيفة ووسائل المرفق، وهو ما أظهره قرار محكمة النقض رقم 1278، الذي قرر أن الخطأ المرفقي قائم بذاته حتى لو كان الموظف قد ارتكب خطأ شخصيا، بحيث يعتمد مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي على قاعدة قانونية مفادها أن الضرر الناتج عن فعل الموظف، حتى لو كان ناتجا عن فعله الشخصي، لا يعفي الإدارة من المسؤولية إذا كان مرتبطًا بأداء الوظيفة أو بوسائل المرفق، وقد أكد القضاء في كثير من أحكامه، أن تقصير الإدارة في الإشراف أو التنظيم يمثل خطأً مرفقيًا مستقلا يضاف إلى الخطأ الشخصي، ويبرر تحميل الدولة التعويض للمتضرر، دون الإخلال بحقها في الرجوع على الموظف، وتستند هذه القاعدة إلى الفصول 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، وإلى الاجتهاد القضائي المتواتر، ولا سيما قرارات محكمة النقض والتي تشكل مرجعا أساسيا في دراسة المسؤولية الإدارية المغربية، ويبرز هذا الأساس القانوني أهمية تكامل النصوص القانونية مع الاجتهاد القضائي لإرساء مبدأ يحمي المتضررين ويضمن استمرارية المرفق العام.

الفقرة الثانية: الاجتهاد القضائي المغربي في مسؤولية الإدارة

لقد شكل التمييز بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي محورًا أساسيا في الاجتهاد القضائي المغربي، إذ اعتمدت محكمة النقض معيار ارتباط الفعل بالوظيفة لتحديد مسؤولية الإدارة، دون الاقتصار على نية الموظف أو جسامة الخطأ فقط، حيث يظهر الخطأ المصلحي بإرتكاب الموظف خطأ أثناء ممارسته لنشاطاته الوظيفية ويقوم هذا الخطأ على اساس أن المرفق الإداري هو مصدر الضرر بسبب إهمال مسيريه القيام بالخدمة أو عدم القيام بها
و يعتبر الخطأ الشخصي خطأ شخصيا إذا كان العمل الضار متصفا بطابع شخصي ، يكشف عن الإنسان بضعفه وعدم تبصره وإذا لم يكن كذلك فهو خطأ مصلحي، فالمرفق الإداري يعتبر في مثل هذه الأحوال صلة وصل بين رجل الإدارة والشخص المتضرر ،

و نشير في هذا الصدد إلى الأمر الاستعجالي رقم 175 بتاريخ 2-3-09 في الملف رقم 1190-08-6 الصادر عن رئيس المحكمة الإبتدائية بالرباط حيث جاء فيه “حيث إن البث في طلب تحديد الغرامة التهديدية يبقى من إختصاص المحكمة المفتوح لديها ملف التنفيذ ، سواء كان المنفذ عليه شخصا طبيعيا أم مرفقا عموميا ، وفضلا عن ذلك فإن المدعية قد تقدمت بمقال إصلاحي إلتمست من خلاله تصحيح مقالها الإفتتاحي وجعل الدعوى موجهة ضد المحافظ على الأملاك العقارية بصفته الشخصية أي في إطار المسؤولية المدنية الشخصية للموظف العمومي، وفي هذا السياق، أكدت محكمة النقض في قرار لها أن الخطأ الشخصي للموظف لا يبرئ الإدارة من المسؤولية إذا ارتبط الضرر بأداء الوظيفة أو بسوء تنظيم المرفق، حيث يبرز القرار أن المعايير التقليدية للتمييز بين الخطأين تعتمد على ارتباط الفعل بالمهام الموكلة للموظف، ومدى مساهمة الإدارة في وقوع الضرر، سواء عبر ضعف التنظيم أو نقص المراقبة، ويظهر هذا التمييز أيضًا في قرار محكمة النقض رقم 1278 الذي تناول قضية موظف ارتكب خطأ شخصيًا أثناء أداء مهامه وتسبب في ضرر للمتضرر، فااعتبرت محكمة النقض أن الإدارة تتحمل المسؤولية لأن الخطأ وقع أثناء استخدام الموظف لوسائل المرفق العام، وأن هناك قصورا إداريا ساهم في وقوع الضرر، ويؤكد هذا القرار أن الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي أصبح قاعدة عملية في المسؤولية الإدارية المغربية، إذ يمكن تحميل الإدارة مسؤولية التعويض، حتى لو ارتكب الموظف خطأ شخصيا، بشرط وجود تقصير إداري أو إخلال بالمرفق العام، وقد تم التقعيد لهذه القاعدة وتطبيقاتها في القرار رقم 528 الصادر عن الغرفة الإدارية بتاريخ 16 يوليوز 2020، حيث ارتكب موظف خطأ أدى إلى تلف ممتلكات عامة، ورغم أن الخطأ كان شخصيًا، فقد حملت المحكمة الإدارة المسؤولية بسبب نقص المراقبة وسوء تنظيم المرفق، ما أثبت فعالية مبدأ الجمع في حماية المتضرر، ومن هذا المنطلق كرس الاجتهاد القضائي المغربي قاعدة تؤكد أن النصوص القانونية وحدها، مثل الفصول 79 و80 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، لا تكفي وحدها في رسم الحدود الفاصلة بين حالة قيام الخطأ المرفقي والخطأ الشخصي والتعويض عنهما دون تفسير قضائي يوضح نطاق المسؤولية ويضبط العلاقة بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، وقد أظهرت المحكمة في عدة أحكام أن الجمع بين الخطأين يتطلب تحقيق السبب المباشر للضرر وتحديد مدى مساهمة الإدارة في هذا الضرر، وهو ما يرسخ قاعدة حماية المتضرر ويضمن فعالية المرفق العام،

 

ويلاحظ أن هذا التفاعل بين النصوص القانونية والاجتهاد القضائي المغربي مستمد أيضًا من التجربة الفرنسية، حيث ركز مجلس الدولة الفرنسي على الجمع بين الخطأين في حالات مماثلة، مما يعزز التوجه المغربي نحو المقاربة العملية والواقعية.

 

الفقرة الثالثة: أثر مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي على المسؤولية والتعويض

أدى تبني مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي في القانون الإداري المغربي إلى توسع نطاق المسؤولية الإدارية بشكل ملحوظ، حيث أصبحت الإدارة مسؤولة عن التعويض، حتى في الحالات التي يرتكب فيها الموظف خطأ شخصيًا مرتبطًا بأداء الوظيفة أو باستخدام وسائل المرفق العام، وهو المبدأ الذي أكده اجتهاد محكمة النقض في قرارها رقم 528 الصادر عن الغرفة الإدارية بتاريخ 16 يوليوز 2020، حيث تم تحميل الإدارة مسؤولية التعويض عن الضرر الناتج عن فعل موظف ارتكب خطأ شخصيًا، في حين ثبت أن المرفق العام لم يكن منظّمًا بشكل كافٍ، ما ساهم في وقوع الضرر، مع الإشارة إلى الفصل 80 من قانون الالتزامات والعقود المغربي، الذي يسمح بالإمكانية لاحقة للرجوع على الموظف. ويظهر أثر هذا المبدأ بوضوح على حماية حقوق المتضررين، إذ يمكن للمتضرر المطالبة بالتعويض دون الحاجة لإثبات نية الموظف أو جسامة الخطأ، طالما كان الضرر مرتبطًا بسير المرفق العام، وقد برهنت المحاكم الإدارية المغربية على فعالية المبدأ في قضايا متعددة، منها حالات الإهمال في الصيانة التي تسببت في تلف ممتلكات الإدارة، وحالات التأخر في اتخاذ القرارات الإدارية، التي ألحق فيها الموظف ضررًا بالمتضررين نتيجة تقصير المرفق العام في المتابعة والإشراف، وهو ما يوضح قدرة هذا المبدأ على تحقيق العدالة الواقعية وضمان التعويض العادل، ورغم اتساع نطاق المسؤولية، فقد وضع القضاء المغربي حدودًا لهذه المسؤولية، إذ لا تتحمل الإدارة التعويض إذا كان الخطأ الصادر عن الموظف جسيما أو شخصيًا خارج نطاق الوظيفة، ولا يسري المبدأ إذا لم يكن هناك ارتباط بين الفعل والوظيفة أو المرفق، ويطبق القانون المغربي قاعدة التقادم لضمان استقرار العلاقات القانونية ومنع النزاعات الطويلة الأمد، وتبرز التجربة الفرنسية في مجلس الدولة أن مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي معتمد أيضًا هناك، مع التأكيد على إمكانية الرجوع على الموظف إذا كان الخطأ جسيما أو شخصيًا، وهو ما انعكس على مسار الاجتهاد القضائي المغربي، الذي اعتمد مقاربة واقعية ومرنة توازن بين حماية المتضررين وضمان استمرارية المرافق العامة، وانعكست إيجابًا على تحسين جودة الإدارة من خلال تطوير نظم رقابية فعالة، وقللت من النزاعات القانونية، عن طريق تعزيز ثقة المواطنين في الأجهزة الإدارية، بما هو كفيل بتحقيق العدالة الواقعية بشكل ملموس، وإن دراسة مسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها من خلال مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي أظهرت الأهمية البالغة لهذا المبدأ في تطوير النظرية العامة للمسؤولية الإدارية المغربية، حيث لم تعد المسؤولية تقتصر على الفصل التقليدي بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، بل أصبحت تشمل الحالات التي يتداخل فيها فعل الموظف مع قصور الإدارة في التنظيم أو المراقبة، وهو ما يضمن حماية الحقوق الفردية وتحقيق التعويض العادل للمتضررين، على اعتبار أن الأسس القانونية، المتمثلة في الفصول 77 و79 و80 من قانون الالتزامات والعقود، توفر إطارًا قانونيًا واضحًا لمسؤولية الإدارة يتيح للقضاء تفسير العلاقة بين الخطأ والمرفق، بينما أبرز الاجتهاد القضائي المغربي، اهمية ترسيخ مبدأ الجمع بين الخطأين، من خلال تحميله الإدارة المسؤولية، حتى في حال وجود فعل شخصي للموظف إذا ثبت تقصير المرفق العام، وهو ما يعكس وعي القضاء بمتطلبات العدالة الواقعية ومراعاة الواقع العملي للمرافق العامة، كما أن تبني هذا المبدأ سيؤدي لا محالة إلى توسيع نطاق المسؤولية الإدارية وتعزيز حماية المتضررين، إذ أصبح من الممكن التعويض عن الأضرار، حتى عند وقوع خطأ شخصي للموظف مرتبط بسير المرفق، مع وضع حدود واضحة للمسؤولية لتجنب إساءة التطبيق، ويظهر ذلك في حدود تطبيق المبدأ عند الأخطاء الجسيمة أو عدم ارتباط الفعل بالوظيفة أو المرفق، إضافة إلى الالتزام بقاعدة التقادم لضمان استقرار العلاقات القانونية، حيث أن مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي أصبح أداة فعالة لتحقيق العدالة الواقعية وحماية حقوق المتضررين، كما أنه يعزز جودة الإدارة من خلال تشجيع تطوير نظم رقابية وإشرافية، ويقلل النزاعات القانونية، ويعزز ثقة المواطنين في الأجهزة الإدارية، ويحقق العدالة.

و هكذا فنظرية الجمع بين الخطأين أدت إلى ظهور نظرية الجمع بين المسؤوليتين، وتطورت نظرية الجمع بين المسؤولية المرفقية و المسؤولية الشخصية إلى التفريق بين الجمع بين المسؤوليتين في حالة تعدد الأخطاء والجمع بين المسؤوليتين من خطأ واحد وهو الخطأ الشخصي ويتحقق جمع الأخطاء عندما يكون الضرر نتيجة خطأ شخصي وخطأ مرفقي ارتكبهما موظف ما، حيث تشترك الوقائع المكونة للخطأ المرفقي مع الوقائع المكونة للخطأ الشخصي وينتج الضرر عن كليهما،

 

وبالتالي سمحت قاعدة جمع المسؤوليتين بتوسع مجال المسؤولية المترتبة عن عملية التفرقة بين الخطأ المرفقي و الخطأ الشخصي والمتمثلة في إعفاء الإدارة من مسؤوليتها في حالة إرتكاب خطأ شخصي . وظهرت نظرية جمع المسؤوليتين على مرحلتين :

1/ جمع المسؤوليتين بسبب خطأ شخصي يرتكب داخل المرفق العام
2/جمع المسؤوليتين بسبب خطأ شخصي واقع خارج الخدمة.

و قد سلم مجلس الدولة الفرنسي بهذه القاعدة لأول مرة في حكمه في قضية أنجي “Anguet” الصادر بتاريخ 03/02/1911 حيث دخل المدعي إلى مكتب البريد لقبض حوالة و عند خروجه لاحظ أن الباب المخصص لذلك مغلق ، فلكي يخرج من المكتب لجأ إلى باب مخصص للموظفين و عند ذلك أمسك بقسوة من طرف المستخدمين الذين ألقوا به خارجا مسببين له كسرا و بناءا على دعوى المضرور ارتأى القاضي بأن الحادث نتج عن خطأين متميزين :

– خطأ مصلحي أو مرفقي ناتج عن غلق مكتب البريد قبل الوقت المحدد ، فالمرفق يسير بشكل سيء و هذا هو مصدر الضرر.

– خطأ شخصي لأعوان البريد الذين عاملوا المضرور بقسوة عوض دعوته إلى الخروج من المكتب بهدوء

 

الفقرة الرابعة: تطبيق مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والمرفقي ( نموذج الكوارث الطبيعية والفيضانات )

 

يشكل مجال الكوارث الطبيعية والفيضانات نموذجًا حيويًا لتطبيق مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، نظرا لتداخل العوامل الطبيعية مع ضعف التنظيم الإداري، والتقصير في صيانة المنشآت العمومية، وفي الحالات التي تقع فيها أضرار للمواطنين نتيجة الفيضانات، لا يمكن تحميل المسؤولية فقط على الطبيعة، بل يجب البحث في مدى مساهمة الإدارة في تفاقم الضرر، سواء من خلال الإهمال في صيانة السدود، أو ضعف شبكات تصريف المياه، أو عدم اتخاذ الإجراءات الاحترازية المناسبة، أو منح تراخيص للبناء على أراضٍ مجاورة للأنهار دون الالتزام بالضوابط العمرانية، وفي هذه الحالات يظهر الجمع بين الخطأ الشخصي للموظف أو المهندس، والخطأ المرفقي للإدارة، مع الأخذ في الاعتبار مبدأ الحيطة والحذر كمعيار لتقييم المسؤولية،
فالاصل في هذا ان القضاء الإداري يقر بمسؤولية الدولة عن أضرار الفيضانات استنادا لـمبدأ التضامن الوطني والمساواة أمام الأعباء العامة، مبناى التعويض عن الاضرار المترتبة عن الفيضانات يقوم على فكرة المخاطر، معتبرا الأمطار الشتوية متوقعة وليست “قوة قاهرة”، مما يلزم الإدارة بالتعويض عن تقصيرها في الوقاية والبنية التحتية، كماو توضح الأحكام القضائية المغربية أن الإدارة تتحمل المسؤولية المدنية عن الضرر الناتج عن الفيضانات إذا كان نتيجة تقصيرها في التنظيم أو الرقابة أو صيانة المنشآت، حتى لو لم يرتكب الموظف خطأ مباشرا، وهو ما أكدت محكمة النقض في العديد من قراراتها على تحميل الإدارة المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن فيضان تسبب فيه تقصير في صيانة سد أو قناة تصريف، حيث أن المسؤولية لا تسقط بمجرد وجود خطأ شخصي للموظف أو المهندس، بل يجب تقييم تداخل الخطأ الشخصي مع التقصير الإداري أو التنظيمي، ويضاف إلى ذلك الجانب الجنائي، حيث تنص الفصول 432 و433 و434 من القانون الجنائي المغربي على معاقبة الإهمال الجسيم الذي يؤدي إلى إصابة أو وفاة، بما يشمل الإهمال في صيانة المنشآت العامة أو عدم اتخاذ التدابير الوقائية ، ويصبح الموظف أو المهندس مسؤولًا شخصيًا عند ارتكاب خطأ جسيم، بينما تتحمل الإدارة المسؤولية المرفقية عن ضعف التنظيم أو الرقابة، كما يشدد القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير والقانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية على ضرورة احترام الضوابط العمرانية والابتعاد عن البناء في مناطق الفيضانات، وفي حال إصدار تراخيص مخالفة أو تجاهل التحذيرات الفنية تقع المسؤولية على الجهة المانحة للرخص، ويصبح الجمع بين الخطأ الشخصي للمهندس والخطأ المرفقي للإدارة قائما، و في هذا السياق يبدو إن القضاء المغربي استفاذ كثيرا من التجربة الفرنسية، حيث يعتمد على نظرية المخاطر المرتبطة بالمنشآت العمومية، بحيث يمكن تحميل الإدارة التعويض حتى عند عدم وجود خطأ مباشر للموظف إذا كان الضرر ناتجا عن قصور الإدارة في الالتزام بالحيطة والحذر، وهذا النهج يضمن حماية المتضررين وتحقيق العدالة في التعويض، ويحفز الإدارة على الالتزام بالمعايير الوقائية والصيانة الدورية، واحترام القوانين العمرانية، وتحمل المسؤولية عند التقصير، ويؤكد أن الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، مدعوما بمبدأ الحيطة والحذر، أداة فعالة لتحقيق العدالة الواقعية وحماية الحقوق الفردية عند وقوع الفيضانات والكوارث الطبيعية،

 

وفي هذا الصدد جاء في قرار لمحكمة النقض رقم 3184 الصادر بتاريخ 11 يونيو 2014 في الملف عدد 397/8232/2014أن الأمطار الغزيرة التي تقع خلال فصل الشتاء لا يمكن وصفها بالقوة القاهرة، لأن تحققها في هذا الفصل أمر متوقع بطبيعته، ولا يندرج ضمن الأحداث النادرة أو غير القابلة للتوقع، مهما بلغت شدتها، حيث جاء في تعليلها أن مقتضيات الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود، التي تشترط لقيام القوة القاهرة ثلاثة عناصر متلازمة: عدم التوقع، واستحالة الدفع، وكون الحادث خارجًا عن إرادة المدين. وهي شروط لا يكفي ادعاؤها، بل يتعين إثباتها إثباتا إيجابيًا، وإلا ظل الأصل هو قيام المسؤولية. فمجرد كون الظاهرة طبيعية أو ذات طابع مناخي لا يرفع عنها صفة التوقع متى كانت تدخل في السياق الموسمي العادي، ولا يعفي المدين من اتخاذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لتفادي آثارها.

 

إن دراسة مسؤولية الإدارة عن أعمال موظفيها من خلال مبدأ الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي، خاصة في مجال الكوارث الطبيعية والفيضانات، أظهرت قدرة النظام القانوني المغربي على التعامل مع الواقع المعقد للمرافق العامة، من خلال دمج النصوص القانونية، الاجتهاد القضائي، ومبادئ مثل الحيطة والحذر.

ففي حالات الضرر الناتج عن عوامل طبيعية، يمكن تحميل الإدارة المسؤولية إذا ثبت أن الضرر تفاقم نتيجة التقصير في صيانة المنشآت، أو ضعف الرقابة، أو إصدار تراخيص مخالفة، بينما يظل الموظف مسؤولا شخصيًا عند ارتكاب خطأ جسيم، بما يحقق التوازن بين حماية المتضررين وضمان استمرارية المرافق العامة، ويعكس هذا النهج دمجا عمليا بين المسؤولية المدنية والإدارية والجنائية، بما يتيح للقضاء المغربي التعويض العادل والمتكامل للمتضررين، ويحفز الإدارة على اتخاذ الإجراءات الوقائية ، ويؤكد هذا التوجه القانوني على أن الجمع بين الخطأ الشخصي والخطأ المرفقي أصبح أداة قانونية متكاملة، تحقق حماية الحقوق الفردية للمتضررين، وتضمن مساءلة الموظفين والجهات الإدارية عند التقصير، وتعزز ثقافة الوقاية والصيانة، وتقلل من المخاطر القانونية والاجتماعية، وتدعم العدالة الواقعية، كما أنها تحافظ على استمرارية وسلامة المرفق العام وتضمن فعالية الإدارة،

Source الزكراوي محمد، باحث قانوني وقضائي، نائب رئيس المركز الوطني للأبحاث القانونية والقضائية.
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق