رقمنة المحاكم بين الواقع والمأمول

الرقمنة في المحاكم المغربية: رهان استراتيجي بين الطموح والمعيقات

قاعة محكمة رقمية مستقبلية تعرض قاضياً يستخدم التكنولوجيا الحديثة، مع شاشات تفاعلية ووثائق هولوغرافية مضيئة.

مما لا شك فيه أن العالم يجتاز مرحلة تحول أساسية، ليس فقط في اختلال موازن القوى بل في المحيط العلمي والتكنولوجي وسرعة القدرة على البحث والتطور وهذه التحولات الكبرى تنبني على أسس المعرفة والتراكم العلمي باعتبارهما قاطرة لكل تقدم من أية طبيعة كانت. وهكذا ظهرت سبل جديدة للإتصال والتواصل تتميز بالدقة والسرعة: قوامها حواسيب غاية في الحداثة وأجهزة رصد تجعلنا نقف فعلا على أعتاب حضارة جديدة جعلت المجتمع المعلوماتي يحل بديلا عن المجتمع الصناعي الذي وصلت ثورته إلى مداها وأبدت استعدادها لتسليم المشعل إلى ثورة المعلوميات التي هي في الأصل وليدة رحم الثورة الصناعية في حد ذاتها.
وفي هذا السياق والذي جعل العالم يتهافت نحو تطوير أدواته الذاتية كي لا يتم تجاوز هذا القطر للآخر، لم يكن مسموحا للمغرب كجزء من هذا العالم أن يتخلف عن الركب في كل المناحي ولعل قطاع العدل هو إحداها وهو ما جعل وزارة العدل بصفتها وصية على القطاع ولو من الناحية اللوجستيكية وموكول لها أمر التقدم بمشاريع القوانين ذات الصلة بمحيطها، بعد أن استقل القضاء بسلطته الخاصة، جعلها أي الوزارة تدخل رهان فتح ورش كبير لإصلاح المنظومة ككل: تنفيذا لميثاق سطرت الدولة خطوطه العريضة وتم فتح حوار شامل بشأنه ابتدأ باستقلال فعلي وعملي للقضاء؛ ولن ينتهي إلا باعتماد الرقمنة كخيار لا محيد عنه في التقاضي من أجل ربح الوقت والمال والجهد ولترشيد الزمن القضائي: وذلك بالتقليص من أمد الخصومة والرفع من جودة العمل بالمحاكم في أفق تحقيق الأمن القضائي المنشود.
وفي غمار هذا الكد والاجتهاد؛ تأتي الجائحة كوفيد19″ بآثارها الكبيرة والصادمة؛ فتتغير العادات والسلوك اليومي للمواطن. ولم يكن ممكنا أن يظل المتقاضي بعيدا عن هذا التغيير، وهو الذي كان إلى غاية الأمس القريب يتواجد فعليا وماديا في ساحات المحاكم وقاعاتها: فيعاين حركات شفاه القاضي وهو ينطق بالأحكام علنية، وأيادي المحامين وهي ترتفع تماهيا مع أوجه دفاعهم عمن يدافعون عنهم وقَلَمَ كاتب الضبط وهو يسطر محضره: كان هذا المتقاضي يعاين للتو وللحين ومباشرة كلاً مما تمت الإشارة له فاستحال عليه هذا الأمر مع الجائحة وأضحت الرقمنة واقعا مفروضا من أجل ضمان استمرارية المرفق. وتم اعتماد المحاكمة عن بعد ولو كرها؛ وفي غياب نص قانوني تشريعي واضح ومواكب اللَّهُم من دوريات أو إخباريات.
وهكذا ودون مقدمات جبارة وجدت المحاكم نفسها في صلب موضوع لم تُقَدِّم له كما ينبغي رغم أن الوزارة الوصية ووفقا للحدود السابق الإشارة إليها كانت سباقة إلى فتح ورش الرقمنة: وحاولت في أكثر من محطة إقناع كل المتدخلين في صناعة الأحكام القضائية بأهمية هذا الورش الآتي بقوة ولا ريب في ذلك.
ودون مقدمات جبارة أيضا وجدت المحاكم نفسها مضطرة إلى القبول بتدخل طرف ثالث في عملها القانوني والقضائي الصرف: ألا وهو رجل الخبرة والتقني في مجال تخصصه بصفته مقدما الخدمة الكترونية صعب التحلل منها، فهو المؤمن لعملية التشفير والمراقب للتوقيع الالكتروني والساهر على حفظ التبادل اللامادي للوثائق والمستندات والآمر تقنيا على الأقل بصرف الرسوم القضائية عبر الأداء الالكتروني والموكول له أمر تدبير حماية الأسرار والمعطيات ذات الطابع الشخصي، وتأمين التبليغ والاستدعاء الالكتروني وغير هذا كثير مما هو موكول لهذا الطرف والفاعل الجديد في الحقل القضائي الذي لم يكن له إلى غاية الأمس القريب من وجود إلا في مخلية بعض المتنبئين.
وإذا كان التقاضي هو نفسه من حيث إعمال النص والاجتهاد ومن حيث شكليات المطالبة القضائية بمقتضى مقال مكتوب أو مرافعة شفوية فإن الاختلاف أضحى في الدعامة المستعملة باعتبارها آلية جديدة للتقاضي عمادها الرقمنة التي شكلت ثورة قلبت كل المفاهيم والرؤى تعتمد الذكاء الاصطناعي كمعطى أساسي دون تدخل البشر اللهم في البرمجة وأكيد أن لهذا الأمر تأثيره. وإذا كان ورش الرقمنة هذا تم التأطير له بخطابات ملكية رسمية وبدستور جديد وبميثاق الإصلاح منظومة العدالة ومخطط توجيهي للرقمنة وكذا توصيات النموذج التنموي الجديد في الشق المتعلق بقطاع العدل، فهل هذا الزخم النظري الصرف والذي يشكل توجها رسميا للدولة قررت المضي فيه قدما؟ هل تواكبه رغبة أكيدة للمحاكم ومن يدور في فلكها من مشاركين ومساعدين للقضاء محامون وعدول وموثقين وخبراء ومفوضين قضائيين وغيرهم كثير.

وهل الواقع يساير المبتغى والهدف أم يعرقله ويبطئ من سيره ؟

تلكم بضع أسئلة سنحاول تلمس أجوبة لها من خلال هذا الموضوع الذي يحكم عليه عنوانه بتناوله في محورين أولهما الهدف المنشود الا وهو الرقمنة الشاملة للمحاكم، وثانيهما الواقع المفرمل الذي صعب عليه التحرر من القيود الكلاسيكية لعملية التقاضي.

المحور الأول: لا بديل عن الرقمنة كخيار استراتيجي داخل المحاكم

 

العالم اليوم يسير بسرعة تفرض على الجميع إما المواكبة وإما التخلف عن الركب فمن لا يتقدم بالضرورة يتأخر وهكذا فالتراكم العلمي والمعرفي هما أساس كل تقدم اجتماعي واقتصادي: وهذا التراكم المضطرد خلق لنا ثورة جامحة أو ما اصطلح عليه بثورة تكنولوجيا المعلوميات التي لم تترك مجالا إلا وشملته إلى الحد الذي يفقد معه هويته السابقة ومرجعيته، غير أن بعض القطاعات صعب عليها تقبل هذا الواقع الجديد وأكرهت على القبول به متنازلة عما كان إلى غاية الأمس القريب يعتبر سيادة لا يمكن التنازل عنها وهذا هو حال المحاكم بالمملكة.
فرغم الخوف والتوجس وهو هاجس عشش في أذهان المهنيين والممارسين ورجال القضاء من هذا الواقع الجديد الذي إن عُرفت بدايته فنهايته تظل في حكم المجهول، ولكن الخوارزميات والأرقام الثنائية وهي أبجديات الميدان المعلوماتي طغت وفرضت نفسها بقوة. وأضحى النص التشريعي الذي كان بالأمس القريب متوفر غبر الدعامات الورقية متناثرا هنا وهناك مرقمنا من خلال الدعامة الالكترونية وهو ما جعل المغرب يسعى جاهدا إلى تطوير منظومته القضائية والإسراع في التحول الرقمي من خلال تطوير أدوات العمل بما في ذلك العنصر البشري الذي تم تكثيف وثيرة تكوينه والإسراع في ذلك: قصد الوصول إلى الرقمنة الشاملة وهي إحدى أهداف
المشروع التنموي الجديد الذي تسعى إليه الدولة بكل مكوناتها ووضعت من أجل تحقيق ذلك الأسس واللبنات ووضعت هيكلا على الأقل من الناحية الشكلية للبنيان ككل: ولصورته النهائية وبدا واضحا ومنذ الوهلة الأولى أن المحاكم وإعادة تأهيلها رقميا هي منطلق الولوج السهل والمستنير للعدالة رفعا لكل معيقات النجاعة القضائية المرجوة في الأمد المنظور: خاصة وأن الحق في التقاضي هو حق دستوري بل وفي ظل الارتقاء بالمجلس الدستوري إلى المحكمة الدستورية ذات الصلاحيات الواسعة منها مراقبة دستورية الاتفاقيات الدولية والبت في المنازعات بين الدولة والجهات وأيضا تم تخويل هذه المحكمة صلاحية البت في دفوعات المتقاضين بعدم دستورية قانون تبين للقضاء أن من شأنه المساس بالحقوق والحريات المكفولة وحينما يشير الدستور صراحة بمقتضى الفصل 120 منه إلى أنه لكل شخص الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، وهو ما يعني أن المحاكمة العادلة ارتبطت بالأجل المعقول ولا يمكن التحكم في الأجل وفي الزمن القضائي المراد ترشيده دون رقمنة شاملة وجيدة.
ولما وقفت الإدارة القضائية بالمملكة على المجهودات التي بذلها المغرب في مجال الرقمنة ومنها إحداث بوابة مخصصة للمساطر الإدارية وإتاحة أداء مختلف الضرائب والرسوم عبر الانترنيت وإحداث الشباك الوحيد ومنصة الكترونية لنظام المساعدة الطبية وتدابير أخرى كثيرة تندرج في إطار رقمنة الخدمات العمومية، أدركت هذه الإدارة أنه لا محيد عن الانخراط وبشكل أني ومضبوط وإلا تم تجاوزها.
وعليه نخلص من خلال هذا المحور الأول إلى الاستنتاج التالي: إن الرقمنة تعد رافعة حقيقية لتحقيق التحول وتسريع وتيرة التطور. وتساهم في الإرتقاء بجودة التفاعل بين المرتفقين والإدارة: وتعزز الرفع من الإنتاجية وبجودة عالية مما لم يعد معه على القضاء وعلى المحكمة أن تتخلف عن ركوب قطار الرقمنة هذا».
ولكن ماذا عن الواقع والمعيقات.

المحور الثاني: واقع الرقمنة بالمحاكم.

تحدثنا عن الرقمنة كأمل منشود وخيار استراتيجي لا محيد عنه داخل الوسط القضائي وخارجه ولكن ماذا عن مكامن الضعف وعن العراقيل التي تفرمل مسيرة هذا المشروع الضخم.
لا يخفى على أحد أن المغرب وضع العديد من الاستراتيجيات والبرامج من أجل تسريع وتيرة التحول الرقمي على غرار المغرب الرقمي 2013 و المغرب الرقمي 2020 كما تم إحداث هيئات ذات صلة بتنفيذ هذه الاستراتيجيات منها وكالة التنمية الرقمية واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي كآلية لمواكبة التحول الرقمي، ورغم كل هذا فثمة عدة نواقص تحول دون تحقيق التطور الرقمي المنشود: وما دمنا بصدد البحث في قطاع العدالة فسنكتفي برصد بعض هذه النواقص في المحاكم.

إذا كانت الإحصائيات التي انتهى إليها رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي بهذا الخصوص تؤكد على وجود حوالي 6 ملايين مغربي غير منخرطين في مسلسل الرقمنة فإن الواقع بالمحاكم هو أكثر مرارة للاعتبارات التالية الرقمنة والقانون تطلعات المستقبل في الدول العربية
– صبيب الانترنيت إلى جانب ضعفه يعرف توقفا وأحيانا بشكل مسترسل مما أثر على البوابات وخاصة على تقنية المحاكمة عن بعد.
– هناك نقص واضح على مستوى التعامل مع الأدوات الرقمية من قبل بعض المهن القضائية (المحامون والعدول نموذجا).
– تقنية المحاكمة عن بعد أثبت عدم نجاعتها من قبل معظم الفاعلين الحقوقيين وكذا المهنيين.
– غياب التكوين الجيد والمتقدم لفئات عدة من الموظفين خاصة الرعيل الأول منهم. – غياب استراتيجية واضحة للاتصال الرقمي إذ غالبا ما تقدم البوابات التابعة للإدارة القضائية معلومات أولية وغير محينة.
هذا إلى جانب معيقات مفرملة كثيرة سيشكل مجال إلقاء هذا العرض مسرحا للتطرق إليها وفقا للدقة المطلوبة.
وفي الختام فإن الرقمنة أضحت واقعا مفروضا لا مفر منه في كل المجالات وبصفة خاصة داخل ساحة المحاكم ولكن يتعين التعامل بالحرص الشديد مع هذا الواقع ومنح الفسحة الزمنية اللازمة لينخرط الجميع ويحصل على التكوين والتأهيل اللازمين لنجاح هذا الورش الكبير.

المصدر الأستاذ النقيب رضوان مفتاح نقيب هيئة المحامين بسطات
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...التفاصيل

موافق