مقدمة :
تعتبر محاضر الشرطة القضائية الوسيلة القانونية الأساسية لإثبات التحريات، والأبحاث التي تقوم بها الضابطة القضائية، أثناء البحث التمهيدي من انتقالات ومعاينات، وتفتيش وحجز كل ماله علاقة بالجريمة المقترفة، ووضع تحت الحراسة النظرية، علاوة على تلقي الشكايات والوشايات، والاستماع إلى المشتكيين والمشتكى بهم، والشهود إلى غير ذلك من أمور البحث سواء قامت بذلك تلقائيا، أو بناء على تعليمات النيابة العامة.
كالتالي:
ولما لحجية محاضر الشرطة القضائية من أهمية فإنها تطرح إشكالا جوهريا وهو ماهي درجة قوة محاضر الشرطة القضائية الإثباتية أمام القضاء الجنائية هذه الإشكالية الرئيسية تنهل عنها مجموعة من الأسئلة الفرعية من قبيل: ماذا يقصد بمحاضر الشرطة القضائية؟ ما هي البيانات التي يجب تضمينها في محضر الشرطة القضائية؟ وما هو الجزاء القانوني المترتب في حال الاخلال بتلك الشكليات؟
لذا سنجيب عن هذه الأسئلة من خلال الحديث عن ماهية محاضر الشرطة القضائية في (فقرة أولى ثم نعرج في فقرة ثانية عن القوة الثبوتية لمحاضر الشرطة القضائية من خلال العمل القضائية.
الفقرة الأولى : ماهية محاضر الشرطة القضائية
لا أحد ينكر الاهتمام الواسع والكبير، الذي حظيت وتحظى به محاضر الضابطة القضائية، من جميع الفعاليات التي تعمل سواء في الحقل القانوني أو القضائي، وذلك لمساس هذه المحاضر بحقوق الأفراد وحرياتهم، ونظرا لهذه الأهمية حاول المشرع المغربي تحديد مفهومها وكذا شروطها.
أولا : تعريف المحضر
بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية، لا نجد تعريفا خصه المشرع المغربي للمحضر، الذي تتولى الضابطة القضائية تحريره، والفقه من جانبه قدم تعريفات متباينة، حيث عرف الأستاذ هوادية في مؤلفه محاضر الضابطة القضائية، ص 11 المحضر هو الذي يتم إنجازه من قبل موظف مختص هو ضابط أو عون الشرطة، يضمنها ما عاينه من وقائع محترما في ذلك مجموعة من الشروط والشكليات، بينما عرفه الأستاذ صالح السرغيني، بأنه الصك الكتابي الذي ينظمه الموظف المختص لإثبات الشكوى، أو الوشاية وليسند إليه بمشاهدته المباشرة بالنسبة إلى جريمة وقعت 173
يلاحظ من خلال التعريفين أعلاه، أن المحضر يعد وثيقة رسمية محررة من طرف ضابط الشرطة القضائية بصفته هذه، كما يجب عليه أن يكون مختصا قانونا للقيام بذلك، ويتم تضمينه ما عاينه، وما تلقاه من المشتكين والمشتكى بهم، وكل من له علاقة بالقضية ويتعين أن يكون المحضر مستجمعا للشكليات المنصوص عليها قانونا.
ثانيا شروط صحة المحضر
نظرا لأهمية وخطورة المحاضر، وانعكاساتها على حرية الأفراد، فقد أحاطها قانون المسطرة الجنائية بضمانات قانونية، تتجلى في شروط دقيقة، يتعين احترامها من ضابط الشرطة القضائية، والموظفون والأعوان المكلفين ببعض مهام الشرطة القضائية، وأن تتم وفق ما هو شكلي، وما هو موضوعي وكلها نعتبرها شروط جوهرية.
أ – الشروط الشكلية
بإطلاعنا على المادة 24 من قانون المسطرة الجنائية، نجدها تنص على مجموعة من البيانات التي يتعين على المحضر أن يشتمل عليها، وإلا أصبحت معرضة للطعن بالزور ومن هذه البيانات :
كتابة المحضر وتاريخه : يجب أن يكون المحضر مكتوبا، والكتابة يجب أن تكون باللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية للبلاد، وهي اللغة التي يتم الترافع بها امام المحاكم
ذلك أن الدستور نفسه قد نص على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد، فإنه بناء عليه يتعين المطالبة باستبعاد المحضر المحرر بلغة اجنبية.
تاريخ المحضر وساعة إنجازه
إن بعض الإجراءات كالوضع تحت الحراسة النظرية وتفتيش المنازل يشترط أن تكون محددة الساعة والدقيقة، وتكمن أهمية تاريخ المحضر في احتساب مدة التقادم، كما أن لتاريخ ارتكاب الفعل أهمية في تحديد سن الرشد الجنائي، ولاحترام بعض الآجال الانذارية، كما هو الشأن في جرائم اهمال الأسرة
صفة محرر المحضر واسمه :
لكي يكون المحضر صحيحا يجب أن يشار فيه إلى اتسام محرره بصفة ضابط الشرطة القضائية ( المادة 23 من ق م ج وأن يبين فيه اسمه الشخصي والعائلي ورتبته، كالإشارة مثلا بكونه رقيب أو مساعد أول، وذلك بالنسبة إلى المحاضر المنجزة من طرف ضباط الشرطة القضائية، التابعيين للدرك الملكي أو الإشارة إلى كون محرر المحضر ضابط من الشرطة، أو قائد، أو باشا بالنسبة لرجال الشرطة القضائية، أو ضابط ممتاز بالنسبة إلى المحاضر المنجزة من طرف مصالح الأمن، أو ضابط سامي للشرطة القضائية بالنسبة لممثلي النيابة العامة، أو قاضي التحقيق، كما يتعين أن يبن محرر المحضر المصلحة، أو الإدارة التي ينتمي إليها كدائرة الشرطة القضائية، أو مركز الدرك الملكي، أو قيادة من القيادات أو باشوية، أو نيابة عامة بمحكمة إلخ..
يجب توقيع المحضر وتوقيع كل ورقة يتضمنها (المادة 69 من ق م ج ) لكي يتسم بالصيغة الرسمية.
ألا يتضمن المحضر فراغات بين الفقرات، لأن من شأن ذلك أن يترتب عنه إضافة جمل للمحضر، كما يجب ألا يتضمن كشط الكلمات أو جمل.
وبعد تحرير المحضر وتوقيعه من طرف الضابط والمعني بالأمر، يتعين على الضابط أن يوجه أصل المحضر الذي حرره مرفقا بنسختين منهما مشهود بمطابقتهما للأصل، وجميع الوثائق المرفقة بالمحاضر إلى النيابة العامة المختصة لتكييف المسطرة وأخذ ما تراه مناسبا بخصوص القضية.
يترتب عن عدم احترام الجانب الشكلي لمحضر الضابطة القضائية، فقدانه لقوته الإثباتية ويصبح مجرد بيانات أو معلومات عادية وغير ملزمة لقضاة الحكم.
ب الشروط الموضوعية للمحضر :
كي يعتد بالمحضر ،قانونا، لابد من توفره على شروط موضوعية، إضافة إلى الشروط الشكلية التي سبق وأن ذكرنا وهذه الشروط كالأتي:
يجب على ضابط الشرطة القضائية، وهو يصف الجوانب المادية المتعلقة بالجريمة، ومكان ارتكابها، ألا يزيغ عن الوصف الواقعي والموضوعي، وأن يكون توصيفا عينيا أمينا لواقع هذه الجريمة وكذا لملابساتها.
وتحقيقا لهذه الغاية، يتعين على ضابط الشرطة القضائية، أن يضمن ما عاينه وما تلقاه بصفته هذه، دون تحريف أو نقصان وأن يعمل على تفادي تضمين المحضر ما بلغ إلى علمه
يجب على ضابط الشرطة القضائية أن يحرر محاضر بالعمليات التي أنجزها على الفور تطبيقا للمادة 69 من ق م ج .
لكي يكون للمحضر حجيته القانونية يتعين على محرره أن يكون مختصا طبقا لقواعد الاختصاص النوعي والمكاني.
الفقرة الثانية: القوة الإثباتية لمحاضر الشرطة القضائية على ضوء العمل القضائي
يعتبر محضر الضابطة القضائية من أهم وسائل الإثبات المعتمدة من طرف القضاء الزجري، في التكييف وإصدار العقوبة، لذلك أحاطها المشرع بمجموعة من الشروط والشكليات التي يتعين احترامها من طرف محرريها، والتي سبق الإشارة إليها انفا، والتي تشكل ضمانات لحقوق وحريات المشتبه بهم ، وذلك بالموازاة مع الآليات المسخرة بيد ضباط الشرطة القضائية أثناء ممارستهم لمهاهم.
هنا يمكننا الوقوف لطرح السؤال التالي: إذا تم الإخلال بهذه الشكليات فهل يترتب على ذلك البطلان؟
أولا : محاضر يوثق محاضر يوثق بمضمونها ما لم يطعن فيها بالزور
داب العمل القضائي على تكريس الحجية الثابتة لمحاضر الشرطة القضائية، وكذا المحاضر المنجزة من طرف بعض الموظفين والأعوان، ممن خولهم المشرع بعض مهام الشرطة القضائية، متى توفرت شروطها الشكلية والموضوعية، وهذه المحاضر هي التي نصت عليها المادة 290 من ق م ج . من خلال قراءتنا المتأنية للمادة 290 من ق م ج أن حجية محاضر الشرطة القضائية ثابتة قانونا وهي حجية قاطعة لا يمكن الطعن فيها أو دحضها إلا عن طريق دعوى الزور،
وفي نفس الاتجاه قرر المجلس الأعلى في إحدى قراراته. أن المحضر المستوفي لما يشترطه القانون يقوم حجة لا يمكن دحضها إلا بقيام الدليل القاطع على مخالفتها للوقائع بواسطة حجة تماثلها في قوة الإثبات كشهادة الشهود المستمع إليهم بصفة قانونية وكالإدلاء بمحاضر أخرى أو تقارير خبراء أو ما شابه ذلك من المستندات الموثوق بصحتها قانونا وعليه فإن مجرد الإدعاءات من كل برهان لا يسوغ بحال أن يعتبر حجة مضادة
نستشف من هذا القرار أن المجلس الأعلى محكمة النقض حاليا- انتصر للمحضر المستوفي لشروطه القانونية، واعتبره حجة لا يمكن دفعها إلا بواسطة الدليل القاطع على مخالفته للوقائع التي يتضمنها عن طريق حجة قاطعة تماثله في الإثبات، وأن مجرد الادعاء العاري من أي دليل لا يسوغ اعتبار بأي حال حجة مضادة.
وبالرجوع إلى المادة 292 نجدها تنص على أنه ” إذا نص قانون خاص على أنه لا يمكن الطعن في مضمون بعض المحاضر أو التقارير إلا بالزور، فلا يمكن تحت طائلة البطلان إثبات عكسها بغير هذه الوسيلة ”
يبدو من خلال هذه المادة أن نفس الحجية الثابتة لمحاضر الشرطة القضائية مقررة للمحاضر التي ينجزها بعض الموظفين، والأعوان ممن منحهم المشرع صفة ضابط الشرطة القضائية. ومثال هذه المحاضر ما نصت عليه المادة 242 من مدونة الجمارك والضرائب الغير المباشرة، التي أكدت على صحة المحاضر التي يحررها عونان أو أكثر من الإدارة بشأن مخالفة مقتضيات النظام الجمركي ونفس الحجية لمحاضر أعوان ادارة المياه والغابات، وفي هذا الإطار جاء في قرار للمجلس الأعلى” حيث قضت المحكمة بإلغاء الحكم الابتدائي فيما قضى به إدانة المطلوب في النقض من أجل جنحة قطع أشجار الغابة بدون رخصة والحكم من جديد ببراءته لعلة إنكاره ومستبعدة المحضر المحرر في النازلة والذي لا يمكن الطعن في مضمونه إلا بالزور ولا يمكن إثبات عكسه بغير هذه الوسيلة عملا بمقتضيات الفصل 65 من ظهير 1917/10/10 والفصل 292 من قانون المسطرة الجنائية تكون قد خرقت القانون وعرضت قرارها للنقض.
وجاء في قرار أخر، أن المحاضر التي تحرر من طرف شخصين على الأقل من رجال الجمارك في المسائل المالية يوثق بها إلى أن يطعن فيها بالزور لهذا يتعرض للنقض الحكم الذي يعتبر محضرا من هذا النوع باطلا، استنادا إلى اثبات ما يخالفه عن طريق شهادة الشهود وعن طريق القرائن.
ثانيا: محاضر تخضع للسلطة التقديرية للقاضي الجنائي.
على خلاف القاضي المدني، يتمتع القاضي الجنائي بحرية كبيرة في تكوين قناعته، ويعتمد في هذا الشأن، على ما يتوفر لديه من أدلة، وعناصر وسلطة قضاة الدعوى، سیر الموضوع هنا لا تخضع لرقابة محكمة النقض باستثناء الحالات التي يمنع فيها القانون قوة الإثبات القاطع لمحتويات المحاضر المحررة من طرف بعض الأعوان، فإن تقدير عناصر الإثبات المدلى بها بصفة قانونية في المناقشة، والتي بني عليها قضاة الموضوع قناعتهم لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى إذا لم تتضن لا خرقا للقانون ولا تناقضا
وتتعدد الوسائل لإثبات عدم صحة ما ورد بالمحضر، غير أنه لا يوجد نص صريح في القانون يحدد طريقة معينة للإثبات، إلا أنه جرى العمل على إثبات ما ورد بالمحضر، بالقرائن المستخلصة من خلال دراسة المحضر نفسه متى ثبت وجود تناقضات فيما بين التضمينات والتصريحات التي يحتوي عليها المحضر نفسه أو فيما بينه وبين المستندات والأدلة المرفقة به، فهذا التناقض يفقد المحضر قوته التبوثية، وقد أكد المجلس الأعلى في العديد من قراراته نذكر منها، “لما كانت المحكمة قد اعتبرت أن محاضر الدرك فقدت صفتها التدليلية، لتناقض بعضها فلم تطمئن إليها، وأبعدتها تكون قد استعملت ما لها من سلطة تقديرية في هذا الشأن، وللمحكمة الزجرية أن تكون قناعتها من الأدلة والحجج التي تعرض عليها، ولها أن تأخذ ببعضها متى اطمأنت إليها وترفض البعض الأخر ” نفس الاتجاه أقرته محكمة الاستئناف بالرباط في ملف جنحي رقم 95/5466 قرار في 1995/12/26 حيث عللت قرارها ب “أن محاضر الضابطة القضائية يوثق بمضمونها لا بفحواها
وعموما يمكن القول أن حرية الإثبات في الدعوى العمومية تمنح المحكمة الزجرية سلطة واسعة في تكوين قناعتها، سيما وأن أحكامها تبني على الجزم واليقين، وليس على الظن والتخمين، بدليل أن المادة 291 من قانون المسطرة الجنائية لم تحدد نوعية الحجج، والأدلة التي يمكنها معارضة التنصيصات الواردة في المحاضر، غير أن إعمال السلطة التقديرية للمحكمة الزجرية، في بناء قناعتها من محاضر الشرطة القضائية، أو استبعادها ليست مطلقة، بل لا بد لها من تعليل وجهة نظرها ،واقتناعها، وإلا عرضت حكمها للنقض.
خاتمة
نخلص في نهاية هذا المقال، أن مهمة الشرطة القضائية تتجلى بالأساس، في التثبت من وقوع الجرائم بجميع أنواعها، سواء كانت جنايات، أو جنح، أو مخالفات، وجمع الأدلة عنها، والبحث عن مقترفيها، وكذا تنفيذ تعليمات النيابة العامة وقضاة التحقيق، وتلبية مطالب تسخيرا هذه العمليات التي تدخل في إطار القيام بهذه المهمة الصعبة، التي يجب أن تفرغ تهم، وجميع في شكل محاضر تكلف بإنجازها الشرطة القضائية – ومن تم فإن قانون المسطرة الجنائية الجديد قد أولى موضوع محاضر الضابطة القضائية الأهمية البالغة، التي يستحقها فحصر نطاق انجازها وحصر مجموعة البيانات التي يجب تضمينها والشكليات التي يتوخى احترامها، متوصلا إلى التأسيس لحجيتها المعروفة في الميدان الجنائي والتي تكتسي مبدئيا كما هو معلوم صفة الحجية الموثوق بمضمنها خصوصا في الجنح.