مقــــــدمة:
لم يعد القانون في عالم اليوم مجرد أداة لتنظيم العلاقات الاجتماعية وحماية الحقوق وضمان العدالة، بل تحوّل في حالات كثيرة إلى سلاح سياسي واستراتيجي بيد الدول والمؤسسات والأفراد. هذا التحوّل يعكس صراعًا عميقًا حول وظيفة القانون: هل هو أداة محايدة لتجسيد العدالة، أم وسيلة لخدمة المصالح الضيقة وإقصاء الخصوم؟ في هذا السياق برزت مفاهيم مثل Lawfare وSLAPPs كأدوات تستغل النظام القضائي لأغراض تتجاوز البحث عن الحق، لتتحول إلى وسائل لإسكات الأصوات المعارضة وتقييد حرية التعبير.
مفهوم Lawfare (حرب القانون) يشير إلى الاستخدام المتعمد للقانون أو للتهديد القانوني كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو دعائية، وغالبًا على حساب الخصوم. أما SLAPPs (Strategic Lawsuits Against Public Participation) فهي دعاوى قضائية استراتيجية تُرفع ضد الصحفيين أو النشطاء أو المعارضين بهدف إخافتهم أو إنهاكهم ماديًا ونفسيًا، دون نية حقيقية في الانتصار القانوني، بل لردعهم عن ممارسة حقهم في التعبير أو النقد.
هذه الظواهر تثير أسئلة عميقة حول حدود العدالة وحياد القضاء ودور القانون في حماية أو قمع الحريات. وهي قضايا لم تعد حكرًا على الأنظمة السلطوية، بل تمتد إلى الديمقراطيات الغربية، ما يجعلها موضوعًا عالميًا ملحًا. فمن جهة، تتعالى الأصوات المطالبة بتشديد الضوابط لمنع إساءة استخدام النظام القضائي، ومن جهة أخرى، نجد من يبرر هذه الممارسات باعتبارها جزءًا من أدوات الصراع السياسي والقانوني في عالم شديد التعقيد.
الإشكالية المطروحة: كيف أصبح القانون سلاحًا يُستخدم لإسكات الأصوات المعارضة عبر آليات مثل Lawfare وSLAPPs، وما هي انعكاسات ذلك على حرية التعبير والنظام الديمقراطي عالميًا؟
القسم الأول: الجذور النظرية والبعد التاريخي والسياسي
ظهر مصطلح Lawfare لأول مرة في الدراسات العسكرية لوصف الاستخدام القانوني كبديل عن القوة المسلحة. فبدل اللجوء إلى القنابل والمدافع، يُستخدم القانون الدولي أو القوانين المحلية كساحة للصراع، بهدف إنهاك الخصم وإضعافه على المستوى الشرعي والسياسي. من هنا، اعتُبر Lawfare أحد أشكال “الحرب الهجينة”، التي تمزج بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والقانونية والإعلامية لتحقيق أهداف استراتيجية.
في السياق الغربي، استُخدم المصطلح لتوصيف كيف تلجأ بعض الجماعات أو الدول إلى رفع دعاوى أمام المحاكم الدولية ضد جنود أو مسؤولين سياسيين بتهم جرائم حرب أو انتهاكات حقوقية، بغرض تشويه سمعتهم أو تقييد حركتهم. لكن سرعان ما توسع المفهوم ليشمل أيضًا استخدام القوانين المحلية لإخضاع المعارضة الداخلية أو الصحفيين المستقلين.
أما SLAPPs فترجع جذورها إلى الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، عندما بدأ سياسيون ورجال أعمال يرفعون دعاوى تشهير ضخمة ضد نشطاء بيئيين وصحفيين بهدف إرهاقهم ماديًا. ورغم أن المحاكم كثيرًا ما كانت ترفض هذه القضايا، إلا أن مجرد رفعها كان كافيًا لإحداث أثر ردعي: النشطاء يجدون أنفسهم أمام سنوات من الإجراءات المكلفة، بينما الطرف المدعي يحقق هدفه بإسكات النقد.
البعد السياسي لهذه الممارسات يتضح في كيفية استخدام السلطة للنظام القضائي ليس كوسيلة للعدل، بل كدرع يحمي مصالحها أو سيف يُشهر ضد خصومها. وهو ما يثير أسئلة جوهرية: هل يمكن أن يبقى القانون محايدًا إذا استُخدم كسلاح في الصراعات؟ وكيف نضمن أن المحاكم لا تتحول إلى أدوات سياسية؟
القسم الثاني: التطبيقات المعاصرة – الصين كنموذج والتداعيات العالمية
في السنوات الأخيرة، برزت الصين كمثال صارخ على ما يُعرف بـ Transnational Lawfare، أي استخدام القوانين والإجراءات القضائية خارج حدود الدولة لملاحقة المعارضين والمنتقدين في الخارج. تقارير متعددة تحدثت عن دعاوى تشهير أو ضغوط قانونية تُمارَس ضد صحفيين وناشطين صينيين مقيمين في أوروبا أو أمريكا، بهدف ترهيبهم ومنعهم من فضح ممارسات الحكومة.
هذه الممارسات ليست حكرًا على الصين وحدها، بل نجدها أيضًا في دول أخرى، حيث تُستغل آليات القانون الدولي – مثل مذكرات التوقيف أو اتفاقيات التسليم – لملاحقة الخصوم السياسيين. وفي حالات كثيرة، تتحول الدعاوى إلى وسيلة دبلوماسية للضغط على الحكومات المضيفة.
أما في الغرب، ورغم السمعة الديمقراطية، فإن SLAPPs باتت مشكلة متزايدة. شركات متعددة الجنسيات رفعت دعاوى ضد صحفيين استقصائيين كشفوا عن انتهاكات بيئية أو مالية، فيما لجأت شخصيات سياسية إلى استخدام التشهير كسلاح لإسكات المعارضة. الاتحاد الأوروبي بدأ يتعامل مع هذه الظاهرة بجدية، فأطلق مبادرات تشريعية لمكافحة الدعاوى الكيدية وحماية الصحفيين من الإفلاس بسبب قضايا غير مؤسسة.
من الناحية الحقوقية، يشكل Lawfare وSLAPPs تهديدًا مباشرًا لحرية التعبير، إذ يخلقان “أثرًا ردعيًا” يجعل الصحفيين والنشطاء يتجنبون الخوض في مواضيع حساسة خوفًا من العقاب القانوني. كما يؤديان إلى إضعاف ثقة المواطنين في القضاء عندما يُنظر إليه كأداة قمع لا كملاذ للعدالة.
على المستوى الدولي، تفتح هذه الممارسات الباب أمام أسئلة خطيرة حول مستقبل النظام القانوني العالمي: إذا استُخدم القانون كأداة صراع بين الدول بدل أن يكون مرجعًا محايدًا، فكيف سيؤثر ذلك على الشرعية الدولية؟ وهل يمكن للمجتمع الدولي أن يضع ضوابط واضحة تمنع هذا الانحراف دون المساس بحق الأفراد في التقاضي المشروع؟
خاتمة
إن ظاهرة Lawfare وSLAPPs تكشف عن الوجه المظلم للقانون حين يتحول من أداة للعدالة إلى سلاح في يد الأقوياء. هي ظاهرة لا تعرف حدودًا جغرافية، إذ نجدها في الأنظمة السلطوية كما في الديمقراطيات الليبرالية. وفي كلا الحالتين، تكون النتيجة واحدة: التضييق على حرية التعبير، وتقييد الفضاء العام، وإضعاف الثقة في المؤسسات القانونية.
لكن رغم خطورة هذه الممارسات، فإن النقاش العالمي حولها يفتح أفقًا جديدًا: كيف يمكن تطوير آليات قانونية دولية ووطنية تضمن حرية التعبير وتمنع استغلال القضاء كسلاح سياسي؟ هل يمكن خلق توازن بين حق الأفراد والمؤسسات في الدفاع عن سمعتهم وحقوقهم، وبين حق المجتمع في النقد والمساءلة؟ وهل يمكن أن يبقى القانون حقًا مجالًا للعدالة، لا ميدانًا للحروب الخفية؟
هذه الأسئلة تظل مفتوحة، وهي بقدر ما تعكس تحديات عصرنا، تشكل أيضًا فرصة لإعادة التفكير في مستقبل القانون كفضاء جامع للعدالة، لا كساحة صراع.