مشروع قانون المحاماة 66.23 وإضرابات 2026: اختبار استقلال الدفاع

مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة 66.23 وإضرابات المحامين بالمغرب: إصلاح ضروري أم مساس باستقلال الدفاع؟

بانر يعرض رموز العدالة ومحكمة بشكل ظلي مع تجمعات رمزية، وعنوان بالإنجليزية “Lawyers Strike Reform Debate” حول إضرابات المحامين ومشروع قانون تنظيم المهنة في المغرب.

مقدمة

منذ أواخر 2025 وبداية 2026 عاد ملف تنظيم مهنة المحاماة ليتصدر النقاش العمومي والمهني في المغرب، بعد تداول واسع حول مشروع القانون رقم 66.23 ثم مصادقة المجلس الحكومي عليه بتاريخ 8 يناير 2026، في سياق مشحون رافقته توقفات عن العمل وإضرابات انعكست مباشرة على إيقاع المحاكم وسير القضايا.
الإشكالية المركزية هنا ليست فقط: هل نحتاج إصلاحاً لمهنة المحاماة؟ بل: كيف نُحدّث إطار المهنة دون أن نُفرّغها من جوهرها المرتبط باستقلال الدفاع وحق المواطن في محاكمة عادلة؟
وتتفرع عن ذلك أسئلة عملية تُهم القارئ والمهني معاً: ما الذي جاء به المشروع؟ أين تتمركز نقاط الرفض؟ ماذا تقول الحكومة؟ وكيف أثّر الإضراب على المتقاضين؟ وما السيناريوهات الواقعية لتهدئة التوتر وإنجاح الإصلاح؟

المحور الأول: لماذا عاد “قانون المهنة” إلى الواجهة الآن؟

تقديم مشروع جديد لتنظيم المحاماة يُقرأ عادة في إطار أوسع: إصلاح منظومة العدالة وتحديث المهن القضائية، ورفع منسوب الثقة في الخدمات القانونية، ومحاولة ضبط العلاقة بين المهني والمتقاضي (من حيث الشفافية، الآجال، التكوين…).
لكن ما فجّر “الترند” في يناير 2026 تحديداً هو تزامن المصادقة الحكومية مع إحساس جزء كبير من الجسم المهني بأن المسار التشريعي “يتسارع” دون توافق واضح، ما حوّل الملف من نقاش تقني إلى مواجهة حول المنهجية والضمانات.

المحور الثاني: أهم المستجدات التي يتداولها المهنيون حول مشروع 66.23

 

وفق ما نُشر حول مضمون المشروع، يمكن تلخيص أكثر النقاط حضوراً في النقاش في خمسة عناوين كبرى:
1. ولوج المهنة والتكوين: المشروع يتجه إلى شروط أكثر صرامة؛ من بينها رفع شرط الشهادة إلى مستوى الماستر/الماجستير، واعتماد مسار تكوين يتضمن مرحلة بمعهد/تكوين نظري، ثم تمرين مهيكل، ثم امتحان/شهادة كفاءة في النهاية.
2. مدة التمرين وبنيته: تداولت مصادر تفاصيل حول تمرين لمدة 24 شهراً تحت إشراف الهيئة، يتوزع بين التدريب داخل مكتب محامٍ وتدريب خارجي (إدارات/مؤسسات/أشخاص القانون العام أو المقاولات العمومية)، ثم امتحان نهاية التمرين، مع إمكانية تمديد التمرين في حالة الرسوب بقرار مرتبط بالسلطة الحكومية المكلفة بالعدل.
3. علاقة المحامي بالموكل: من أبرز المستجدات المتداولة إلزام/اشتراط تكليف مكتوب يتضمن بيانات محددة، مع نزعة واضحة نحو “تأطير” العلاقة من زاوية الشفافية والإثبات.
4. حكامة المهنة والتمثيلية: المشروع يتحدث عن إحداث مجلس هيئات المحامين باعتباره الممثل أمام السلطات والإدارات العمومية (وفق ما تداولته تقارير).
5. نقاط أخرى مثيرة للنقاش: من بينها مقتضيات مرتبطة بالتظاهر داخل المحاكم أثناء انعقاد الجلسات، وفتح باب الممارسة أمام محامين أجانب وفق شروط، وهي نقاط استُحضرت كثيراً في السجال الإعلامي.
هذه الحزمة تُقدَّم من زاوية رسمية على أنها “تحديث” وتجويد، لكن طريقة تنزيلها هي ما صنع الشرخ الحالي.

المحور الثالث: لماذا يرفض جزء واسع من المحامين المشروع؟

الرفض لم يُبنَ على “فكرة الإصلاح” في حد ذاتها بقدر ما تمحور حول الخوف من المساس باستقلالية المهنة، واعتبار أن بعض المقتضيات قد تخلق وصاية/تبعية أو تُضعف صلاحيات أجهزة المهنة (النقيب/مجالس الهيئات) أو تُدخل الإدارة في تفاصيل كان يُفترض أن تُحسم مهنياً.
تقارير إعلامية نقلت عن هيئات ومحامين أن الاعتراضات تشمل مثلاً:
• اعتبار بعض المقتضيات “تمس الاستقلالية والمكتسبات”؛
• التخوف من إلزامية تبليغ وزارة العدل ببعض قرارات النقيب أو المجلس بما يُفهم منه “تكريس التبعية” حسب رأي المعترضين؛
• الإحساس بأن النسخة المعروضة ليست هي نفسها التي جرى حولها توافق مهني سابق، وأن مسار الإعداد لم يحترم المقاربة التشاركية كما يجب.
واللافت أن النقاش لم يبقَ داخل المهنة فقط؛ بل امتد إلى المجتمع لأن أيّ اهتزاز في علاقة المحامي بالمحكمة ينعكس مباشرة على حق الدفاع وعلى صورة العدالة.

المحور الرابع: الإضرابات والتوقفات… ماذا وقع بالضبط؟ وما أثره؟

الاحتجاج أخذ شكلاً عملياً واضحاً: التوقف عن تقديم الخدمات المهنية بما يشمل الحضور في الجلسات، وهو ما أدى في أيام الإضراب إلى ارتباك كبير في السير العادي للمحاكم.
ومن حيث الجدولة، أعلنت جمعية/هيئة تمثيلية للمحامين عن برنامج احتجاجي من ستة أيام: 15 و16 يناير 2026 (وقد مرّا بالفعل)، ثم 20 و21 يناير 2026، ثم 28 و29 يناير 2026.
كما سُجلت توقفات سابقة أيام 6 يناير 2026 ثم أيام 8 و9 يناير 2026 بالتزامن مع المصادقة الحكومية.
الأثر المباشر معروف لمن يشتغل بالمحاكم أو يتابعها: تأجيل جلسات، صعوبة مناقشة الملفات الجاهزة، تمديد آجال البت، وإحساس المتقاضي بأن “العدالة واقفة”. لكن في المقابل يعتبر المحامون أن التصعيد هو وسيلة ضغط “أخيرة” لفتح حوار جدي لأن المشروع يمس قلب المهنة.

المحور الخامس: موقف الحكومة… “المسار التشريعي مفتوح” لكن الثقة مهتزة

وفق التصريحات الرسمية التي رافقت المصادقة، أكدت الحكومة أنها أخذت بعين الاعتبار ملاحظات أثيرت حول المشروع، وأن النص “مازال في بداية مسار المصادقة التشريعية”، مع التأكيد أن “الحوار مفتوح وسيظل مفتوحاً” إلى حين نهاية هذا المسار.
على الورق، هذا الكلام يُفترض أن يطمئن. لكن الإشكال الحقيقي ليس “وجود الحوار” كشعار، بل منسوب الثقة: هل سيكون الحوار مؤثراً فعلاً في صياغة النص داخل البرلمان؟ وهل ستُقدَّم ضمانات واضحة بخصوص النقاط التي يعتبرها المحامون “خطاً أحمر” (الاستقلالية، الحصانة، صلاحيات الهيئات)؟

المحور السادس: كيف يمكن تحويل الأزمة إلى فرصة لإصلاح متوازن؟

إذا أردنا مقاربة واقعية لا تُرضي طرفاً على حساب آخر، فمفتاح الحل غالباً سيكون في “هندسة” الإصلاح لا في “شعاره”. ومن بين المداخل العملية التي يكثر طرحها في النقاشات المهنية:
1. تجويد المقاربة التشاركية بنَفَس مؤسساتي: أي نشر مذكرات تفسيرية دقيقة، وتحديد نقاط الخلاف مادةً بمادة داخل البرلمان، بدل الاكتفاء بتصريحات عامة.
2. ضمانات مكتوبة حول الاستقلالية: ليس فقط في الديباجة، بل في الصلاحيات: من يقرر في التأديب؟ من يضع التكوين؟ ما حدود تدخل الإدارة؟ وكيف تُحمى المهنة من أي وصاية مقنّعة؟ (هذه هي “لب” الاعتراض كما يظهر في تغطيات متعددة).
3. مرحلة انتقالية في الولوج والتكوين: إذا كان الهدف رفع الجودة، فذلك يحتاج “جسراً انتقالياً” يحمي طلبة القانون والمرشحين من تغيير مفاجئ في الشروط (خصوصاً شرط الشهادة ومسار التكوين).
4. الشفافية في علاقة المحامي بالموكل دون المساس بسرية الدفاع: فكرة “التكليف المكتوب” قد تُطمئن المتقاضي، لكن يلزم ضبطها حتى لا تتحول إلى عبء بيروقراطي أو مدخل للمساس بسرية الاستشارة.
5. تقويم أثر الإصلاح على المتقاضين: كل توقف يضر بالناس وبالاقتصاد وبصورة العدالة، لذلك من المفيد أن تكون هناك آليات لإدارة النزاع مؤسساتياً حتى لا يُصبح المتقاضي هو الخاسر الأكبر.

خاتمة

قصة مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة 66.23 في يناير 2026 ليست مجرد “ترند” عابر؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة الإصلاح القانوني في المغرب على الجمع بين تحديث المهنة وصون استقلال الدفاع وحماية حق المواطن في محاكمة عادلة. المصادقة الحكومية يوم 8 يناير 2026 فتحت الباب لمسار تشريعي ما يزال في بدايته، لكن الإضرابات والتوقفات (ومنها تواريخ 15–16 يناير و20–21 و28–29 يناير 2026) أظهرت أن الجسم المهني يريد ضمانات أوضح قبل المرور إلى مرحلة “الأمر الواقع”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق