مقدمة
يشكّل احترام القانون الدولي الإنساني أحد أهم الأعمدة التي قام عليها النظام القانوني الدولي المعاصر، باعتباره الإطار الناظم لسلوك أطراف النزاعات المسلحة والضامن الأدنى لحماية المدنيين والأشخاص غير المشاركين مباشرة في الأعمال العدائية. وقد نشأ هذا القانون استجابةً لتجارب إنسانية مأساوية طبعت الحروب الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين، ليؤسس لمنظومة قواعد تهدف إلى التوفيق بين ضرورات العمل العسكري ومقتضيات الإنسانية. غير أنّ التطورات الجيوسياسية الراهنة، وتحوّل النزاعات المسلحة إلى حروب طويلة الأمد ذات أبعاد إقليمية ودولية معقّدة، أعادت طرح سؤال فعالية هذا القانون وحدود قدرته على فرض نفسه كقيد ملزم على سلوك الدول والجماعات المسلحة غير الحكومية.
تأتي النزاعات الدائرة في غزة، وأوكرانيا، والسودان في صدارة الأمثلة التي تعكس حجم الضغط الذي يتعرض له القانون الدولي الإنساني اليوم. ففي هذه السياقات الثلاثة، تتواتر التقارير الأممية والحقوقية بشأن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، واستهداف البنى التحتية المدنية، وتقييد وصول المساعدات الإنسانية، فضلاً عن ادعاءات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما تكشف هذه النزاعات عن إشكاليات بنيوية تتعلق بضعف آليات الإنفاذ الدولية، وتسييس العدالة الجنائية الدولية، وتباين مواقف الدول الكبرى تجاه احترام القانون الدولي أو الالتفاف عليه بحسب مصالحها الاستراتيجية.
يهدف هذا المقال إلى تحليل موقع القانون الدولي الإنساني في ظل هذه النزاعات المعاصرة، من خلال إبراز أسسه المعيارية، ورصد أنماط الانتهاكات المتكررة، وفحص حدود فعالية آليات المساءلة الدولية، مع التوقف عند دور الفاعلين الدوليين والمنظمات الأممية والإنسانية في محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الحماية القانونية للمدنيين. كما يسعى المقال إلى تقديم قراءة نقدية في مستقبل حماية حقوق الإنسان زمن الحرب، في ضوء التحولات الجارية في طبيعة النزاعات المسلحة وتوازنات القوة في النظام الدولي.
المحور الأول: الإطار المفاهيمي والمعياري للقانون الدولي الإنساني
يقصد بالقانون الدولي الإنساني مجموع القواعد القانونية الدولية التي تنظم سير النزاعات المسلحة وتهدف إلى الحد من آثارها الإنسانية، سواء على الأشخاص الذين لا يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية أو على أولئك الذين كفّوا عن المشاركة فيها. ويرتكز هذا الفرع من القانون الدولي على مجموعة من المبادئ الأساسية، أبرزها مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب في استخدام القوة، ومبدأ الضرورة العسكرية المقيدة باعتبارات الإنسانية، فضلاً عن مبدأ الحيطة في الهجمات.
تُعد اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولاها الإضافيان لعامي 1977 و2005 العمود الفقري لهذا النظام المعياري. وقد وسّعت هذه الصكوك نطاق الحماية ليشمل فئات متعددة من الضحايا، من الجرحى وأسرى الحرب إلى المدنيين في الأراضي المحتلة. كما كرّست مبدأ عدم جواز استهداف الأعيان المدنية، مثل المستشفيات والمدارس ودور العبادة والبنى التحتية الحيوية، إلا في حالات استثنائية تضبطها شروط صارمة.
إلى جانب ذلك، يشكّل القانون الدولي لحقوق الإنسان إطارًا تكميليًا يستمر تطبيقه، من حيث المبدأ، في زمن النزاعات المسلحة، مع إمكانية تقييد بعض الحقوق وفق شروط محددة تتعلق بحالات الطوارئ. ويثير التداخل بين هذين النظامين القانونيين إشكالات تفسيرية وعملية، خاصة عندما تلجأ الدول إلى توسيع مفهوم الضرورة الأمنية لتبرير انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الأساسية.
المحور الثاني: أنماط الانتهاكات في النزاعات المعاصرة
تكشف النزاعات الدائرة في غزة وأوكرانيا والسودان عن أنماط متكررة من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني. من أبرز هذه الأنماط الاستهداف المباشر أو غير المتناسب للمدنيين، سواء عبر القصف الجوي المكثف للمناطق الحضرية أو من خلال العمليات البرية التي لا تراعي مبدأ التمييز. كما تُسجَّل حالات متكررة لاستهداف البنى التحتية المدنية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق المياه والكهرباء، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية وتوسيع دائرة المعاناة لتشمل فئات واسعة من السكان.
وتتجلى انتهاكات أخرى في استخدام أسلحة أو وسائل قتال ذات آثار عشوائية أو مفرطة، وفي فرض حصارات مطوّلة تعرقل وصول المساعدات الإنسانية الأساسية، ما قد يرقى في بعض الحالات إلى استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب. كما تبرز إشكالية حماية الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني، الذين يتعرضون بدورهم لمخاطر جسيمة أثناء تأدية مهامهم، في انتهاك واضح للضمانات التي يوفرها لهم القانون الدولي.
ولا تقل خطورة الانتهاكات المرتكبة من قبل الجماعات المسلحة غير الحكومية، التي غالبًا ما تفتقر إلى هياكل مؤسسية واضحة للمساءلة الداخلية، وتستند في ممارساتها إلى منطق عسكري محض يتجاهل في كثير من الأحيان مقتضيات الحماية القانونية للمدنيين. ويزيد من تعقيد المشهد اختلاط المقاتلين بالمدنيين في البيئات الحضرية، ما يطرح تحديات إضافية أمام تطبيق قواعد التمييز والتناسب.
المحور الثالث: إشكالية المساءلة الدولية وحدود العدالة الجنائية
تُعد المساءلة عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني أحد الركائز الأساسية لضمان عدم الإفلات من العقاب وردع الانتهاكات المستقبلية. غير أنّ التجربة العملية تكشف عن فجوة واضحة بين الإطار المعياري للمساءلة وواقع تطبيقه. فرغم وجود المحكمة الجنائية الدولية كآلية دائمة لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الأشد خطورة، إلا أنّ فعاليتها تظل محدودة بسبب عدم انضمام عدد من الدول المؤثرة إلى نظامها الأساسي، أو لجوء بعض الدول إلى عرقلة اختصاصها أو عدم التعاون مع أوامر القبض الصادرة عنها.
كما يبرز عامل التسييس بقوة في عمل العدالة الجنائية الدولية، حيث تخضع قرارات الإحالة والتحقيق في كثير من الأحيان لموازين القوى داخل مجلس الأمن أو لضغوط سياسية تمارسها دول كبرى. ويؤدي هذا الواقع إلى ترسيخ شعور بازدواجية المعايير، إذ تُلاحق بعض الانتهاكات بينما تُهمل أخرى ذات خطورة مماثلة لأسباب سياسية أو استراتيجية.
إلى جانب ذلك، تواجه المحاكم الوطنية صعوبات كبيرة في ممارسة الولاية القضائية العالمية على الجرائم الدولية، سواء بسبب اعتبارات السيادة أو نقص الإرادة السياسية أو محدودية القدرات التقنية والقضائية. ويؤدي ضعف منظومة المساءلة إلى تشجيع منطق الإفلات من العقاب، ما يقوض الوظيفة الردعية للقانون الدولي الإنساني ويُضعف ثقة الضحايا في النظام الدولي للعدالة.
المحور الرابع: دور الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية في حماية المدنيين
تلعب الأمم المتحدة دورًا محوريًا في رصد الانتهاكات وتوثيقها والدعوة إلى احترام القانون الدولي الإنساني، من خلال أجهزتها المختلفة، وعلى رأسها مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان ومكاتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان. غير أنّ فعالية هذا الدور تظل رهينة بالتوازنات السياسية داخل المنظمة، ولا سيما في مجلس الأمن حيث يُستخدم حق النقض أحيانًا لتعطيل قرارات تهدف إلى وقف الانتهاكات أو فرض تدابير ملزمة على أطراف النزاع.
أما المنظمات الإنسانية الدولية، وفي مقدمتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فتضطلع بدور أساسي في تقديم المساعدة للضحايا والتفاوض مع أطراف النزاع لضمان احترام الحد الأدنى من القواعد الإنسانية. غير أنّ عمل هذه المنظمات يواجه تحديات جسيمة، من بينها القيود المفروضة على الوصول الإنساني، واستهداف العاملين في المجال الإنساني، وتسييس العمل الإغاثي في بعض السياقات. كما يطرح اعتماد العمل الإنساني على التمويل الدولي إشكاليات تتعلق بالاستقلالية والاستدامة، خاصة في النزاعات الطويلة الأمد.
المحور الخامس: الإعلام والرأي العام في تشكيل سردية النزاعات والانتهاكات
أضحى الإعلام التقليدي والرقمي عنصرًا فاعلًا في تشكيل التصورات العامة للنزاعات المسلحة والانتهاكات المرتكبة خلالها. فمن جهة، يسهم الإعلام الاستقصائي وتقارير المنظمات الحقوقية في كشف الانتهاكات وتعبئة الرأي العام الدولي للضغط على الحكومات من أجل احترام القانون الدولي الإنساني. ومن جهة أخرى، تُستغل وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي في حملات دعائية تهدف إلى تبرير الانتهاكات أو التشكيك في مصداقية التقارير الحقوقية، عبر بث معلومات مضللة أو مجتزأة من سياقها.
ويؤثر هذا الصراع السردي في مستوى التعاطف الدولي مع الضحايا وفي اتجاهات السياسات العامة للدول، كما ينعكس على قرارات التمويل الإنساني والتدخلات الدبلوماسية. غير أنّ الإفراط في استهلاك مشاهد العنف قد يؤدي، paradoxically، إلى نوع من “التبلد الأخلاقي” لدى الجمهور الدولي، ما يضعف الزخم التضامني على المدى الطويل.
المحور السادس: آفاق حماية حقوق الإنسان زمن الحرب وإصلاح المنظومة الدولية
تطرح النزاعات المعاصرة أسئلة جوهرية حول مستقبل حماية حقوق الإنسان في زمن الحرب، في ظل تحولات عميقة في طبيعة الصراعات المسلحة، التي باتت تتسم بالطابع الحضري والهجين، وبمشاركة فاعلين من غير الدول، وباستخدام متزايد للتكنولوجيا العسكرية المتقدمة. ويقتضي هذا الواقع إعادة التفكير في آليات تطبيق القانون الدولي الإنساني، بما يشمل تطوير قواعد أكثر وضوحًا بشأن استخدام الأسلحة الحديثة، وتعزيز مسؤولية الفاعلين غير الحكوميين، وتقوية آليات المراقبة المستقلة.
كما تبرز الحاجة إلى إصلاح مؤسسات العدالة الدولية لتعزيز استقلاليتها وفعاليتها، والحد من تسييسها، عبر تقليص الاعتماد على قرارات مجلس الأمن في تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع نطاق الولاية القضائية العالمية على الجرائم الدولية. ويظل الاستثمار في الوقاية من النزاعات، عبر الدبلوماسية الوقائية ومعالجة جذور الصراعات، خيارًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن آليات المساءلة اللاحقة.
خاتمة
يُظهر تحليل وضع القانون الدولي الإنساني في النزاعات الدائرة في غزة وأوكرانيا والسودان أنّ هذا الإطار المعياري يواجه اليوم اختبارًا قاسيًا يمس جوهر فاعليته وقدرته على فرض حد أدنى من الإنسانية في زمن الحرب. فرغم وضوح القواعد القانونية وتطورها التاريخي، تكشف الممارسات الميدانية عن فجوة كبيرة بين النص والتطبيق، تغذيها اعتبارات القوة والمصلحة السياسية، وضعف آليات المساءلة الدولية، وتسييس المؤسسات الأممية.
ومع ذلك، لا يعني هذا الواقع نهاية صلاحية القانون الدولي الإنساني أو تآكل قيمته المعيارية، بل يؤكد الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار له عبر تعزيز ثقافة الامتثال، وتطوير آليات الإنفاذ والمساءلة، وتوسيع دائرة الضغط الدولي من خلال الإعلام والمجتمع المدني. إن حماية حقوق الإنسان في زمن الحرب ليست مسألة قانونية صرفة، بل هي رهان أخلاقي وسياسي يتوقف على إرادة المجتمع الدولي في جعل القانون قيدًا فعليًا على منطق القوة، لا مجرد خطاب معياري يُستحضر عند الحاجة ويُهمَل عند التعارض مع المصالح.













