مقدمة
إذا كان الزواج في التشريع المغربي ميثاقاً شرعياً يهدف إلى تأسيس أسرة مستقرة تحت رعاية الزوجين وفقاً لأحكام المادة 4 من مدونة الأسرة، فإن الواقع الاجتماعي يكشف أن هذا الميثاق قد يصطدم بعقبات وخلافات تجعل استمراره مستحيلاً أو ضاراً بأحد الطرفين أو بكليهما.
ولهذا السبب، نظّم المشرع المغربي أحكام انحلال ميثاق الزوجية في الكتاب الثاني من مدونة الأسرة الصادرة بموجب القانون رقم 70.03، والذي يمتد من المادة 70 إلى المادة 141، مخصصاً له ثمانية أقسام تتناول الأحكام العامة والوفاة والفسخ والطلاق والتطليق والخلع وأنواع الطلاق والعدة وإجراءات الإشهاد.
وقد أرسى المشرع مبدأً جوهرياً في
المادة 70 مفاده أنه “لا ينبغي اللجوء إلى حل ميثاق الزوجية بالطلاق أو بالتطليق إلا استثناءً وفي حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين”،
مما يعكس حرصه على الحفاظ على الأسرة واعتبار الانحلال آخر الحلول. غير أن هذا المبدأ لا يحول دون تمكين الزوجين من حقهما في إنهاء العلاقة الزوجية متى استحال استمرارها، وذلك تحت رقابة القضاء وضمن إجراءات مسطرية دقيقة تكفل حقوق جميع الأطراف، بما فيهم الأطفال.
وتكتسي دراسة انحلال ميثاق الزوجية أهمية بالغة، سواء من الناحية النظرية لفهم الفلسفة التشريعية المغربية في تنظيم العلاقات الأسرية، أو من الناحية العملية نظراً لتزايد حالات الطلاق والتطليق في المجتمع المغربي، حيث كشفت إحصائيات وزارة العدل أن عدد حالات الطلاق والتطليق بلغ أرقاماً مرتفعة في السنوات الأخيرة، مع هيمنة واضحة لمسطرة التطليق للشقاق التي أصبحت تستوعب أغلب حالات إنهاء العلاقة الزوجية .
الإشكالية المحورية: ما هي أسباب وطرق انحلال ميثاق الزوجية في مدونة الأسرة المغربية؟ وما هي الآثار القانونية المترتبة عن هذا الانحلال سواء بالنسبة للزوجين أو للأطفال؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، سنعتمد التقسيم التالي:
المبحث الأول أسباب انحلال ميثاق الزوجية وطرقه
المطلب الأول الانحلال بالوفاة والفسخ والطلاق بأنواعه
المطلب الثاني التطليق بأسبابه المختلفة
المبحث الثاني آثار انحلال ميثاق الزوجية
المطلب الأول العدة وأحكامها
المطلب الثاني المستحقات المالية والحقوق المترتبة
المبحث الأول: أسباب انحلال ميثاق الزوجية وطرقه
المطلب الأول: الانحلال بالوفاة والفسخ والطلاق بأنواعه
الفقرة الأولى: الانحلال بالوفاة والفسخ
حددت المادة 71 من مدونة الأسرة أسباب انحلال عقد الزواج بشكل حصري في خمسة أسباب هي: الوفاة، والفسخ، والطلاق، والتطليق، والخلع. ويُعدّ كل سبب من هذه الأسباب مستقلاً بأحكامه وآثاره القانونية.
أما الوفاة فهي السبب الطبيعي لانحلال ميثاق الزوجية، وقد نظّمها المشرع في المواد 74 إلى 76. وتثبت الوفاة وتاريخها أمام المحكمة بكل الوسائل المقبولة وفقاً للمادة 74. وقد ألحق المشرع بالوفاة الحقيقية الحكم بوفاة المفقود طبقاً للمادة 327 وما بعدها، حيث يُحكم بموت المفقود في حالة استثنائية يغلب عليها فيها الهلاك بعد مضي سنة من تاريخ اليأس من الوقوف على خبر حياته أو مماته، وفي جميع الأحوال الأخرى يُفوّض أمد المدة إلى المحكمة. وقد عالج المشرع في المادة 75 حالة ظهور المفقود المحكوم بوفاته حياً، حيث يحق له استرجاع زوجته ما لم تتزوج بغيره، فإن تزوجت فلا سبيل له عليها.
ومن الأمثلة الواقعية، حالة زوج مغربي كان يعمل في أعالي البحار وانقطعت أخباره لمدة تجاوزت السنة بعد غرق سفينته، فتقدمت زوجته بطلب الحكم بوفاته، وبعد استنفاد إجراءات البحث حكمت المحكمة بوفاته. غير أنه ظهر حياً بعد سنتين، فاسترجع زوجته لأنها لم تكن قد تزوجت بغيره.
أما الفسخ فقد نظّمته المادة 77 التي نصت على أنه “يُحكم بفسخ عقد الزواج قبل البناء أو بعده”
في الحالات المنصوص عليها في المدونة. ويتميز الفسخ عن الطلاق بأنه يُزيل الزوجية بأثر رجعي في بعض الحالات، كما أنه لا يُنقص من عدد الطلقات. ومن حالات الفسخ: الزواج في فترة الاستبراء، والزواج بالمحرمات، وعدم توفر شروط الصحة .
الفقرة الثانية: الطلاق بأنواعه المختلفة
عرّفت المادة 78 الطلاق بأنه “حل ميثاق الزوجية، يمارسه الزوج والزوجة، كل بحسب شروطه تحت مراقبة القضاء وطبقاً لأحكام هذه المدونة”.
وهذا التعريف يكشف عن تحول جوهري أحدثته مدونة الأسرة مقارنة بمدونة الأحوال الشخصية الملغاة، إذ لم يعد الطلاق حقاً حصرياً للزوج بل أصبح حقاً مشتركاً يمارسه كلا الزوجين تحت رقابة القضاء.
ويتعين على من يريد الطلاق أن يطلب الإذن من المحكمة بالإشهاد به لدى عدلين منتصبين لذلك بدائرة نفوذ المحكمة التي يوجد بها بيت الزوجية (المادة 79). وتستدعي المحكمة الزوجين لمحاولة الإصلاح بينهما (المادة 81)، وتُجري المناقشات بغرفة المشورة، ولها أن تقوم بكل الإجراءات بما فيها انتداب حكمين أو مجلس العائلة (المادة 82). وفي حالة وجود أطفال، تقوم المحكمة بمحاولتين للصلح بينهما تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوماً.
وقد ميّز المشرع بين عدة أنواع من الطلاق:
أولاً: الطلاق الرجعي
وهو الأصل في الطلاق الذي يوقعه الزوج وفقاً
للمادة 123 التي نصت على أن “كل طلاق أوقعه الزوج فهو رجعي، إلا المكمل للثلاث والطلاق قبل البناء والطلاق بالاتفاق والخلع والمملك”.
ويتميز الطلاق الرجعي بأنه يُتيح للزوج مراجعة زوجته أثناء العدة دون حاجة إلى عقد جديد (المادة 124).
ثانياً: الطلاق البائن وهو نوعان:
بائن بينونة صغرى وبائن بينونة كبرى. فالبائن دون الثلاث يُزيل الزوجية حالاً ولا يمنع من تجديد عقد الزواج (المادة 126)، أما المكمل للثلاث فيُزيل الزوجية حالاً ويمنع من تجديد العقد مع المطلقة إلا بعد انقضاء عدتها من زوج آخر بنى بها فعلاً بناءً شرعياً (المادة 127).
ثالثاً: الطلاق بالاتفاق
حيث أجازت المادة 114 للزوجين أن يتفقا على مبدأ إنهاء العلاقة الزوجية دون شروط أو بشروط لا تتنافى مع أحكام المدونة. ومن المستجدات المقترحة في إطار مراجعة المدونة سنة 2024، جعل الطلاق الاتفاقي موضوع تعاقد مباشر بين الزوجين دون الحاجة لسلوك مسطرة قضائية .
رابعاً: الطلاق بالخلع
وهو الذي يتم بتراضي الزوجين على الطلاق مقابل عوض تدفعه الزوجة (المادة 115). وقد اشترطت المادة 116 أن تكون المخالعة راشدة، أما القاصرة فيقع الطلاق ولا تُلزم ببذل الخلع إلا بموافقة النائب الشرعي. كما أجازت المادة 117 للزوجة استرجاع ما خالعت به إذا أثبتت أن خلعها كان نتيجة إكراه أو إضرار الزوج بها.
ونصت المادة 119 على أنه “لا يجوز الخلع بشيء تعلق به حق الأطفال أو بنفقتهم إذا كانت الأم معسرة”، حمايةً لحقوق الأطفال.
ومن الأمثلة العملية، حالة زوجة اتفقت مع زوجها على الخلع مقابل تنازلها عن نفقة أطفالها الثلاثة، فرفضت المحكمة هذا الاتفاق تطبيقاً للمادة 119 لأن الأم كانت معسرة، وحكمت بنفاذ الخلع مع إلزام الأب بالنفقة على أطفاله .
المطلب الثاني: التطليق بأسبابه المختلفة
الفقرة الأولى: التطليق للشقاق
يُعدّ التطليق للشقاق من أبرز المستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة، وقد نظّمه المشرع في المواد 94 إلى 97. ويُعرّف الشقاق بأنه الخلاف العميق والمستمر بين الزوجين الذي يُخاف منه عدم إقامة حدود الله. وقد
نصت المادة 94 على أنه “إذا طلب الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يُخاف منه الشقاق، وجب عليها أن تقوم بكل المحاولات لإصلاح ذات البين” طبقاً لأحكام المادة 82.
وتتميز مسطرة الشقاق بعدة خصائص:
أولاً، أنها مفتوحة لكلا الزوجين وليست حكراً على أحدهما.
ثانياً، أنها تستوعب جميع حالات الخلاف الزوجي مما جعلها المسطرة الأكثر استعمالاً في الممارسة القضائية.
ثالثاً، أن المحكمة ملزمة بالبت فيها في أجل لا يتجاوز ستة أشهر من تاريخ تقديم الطلب (المادة 97).
وتسير مسطرة الشقاق وفق مراحل محددة: تبدأ بمحاولة الإصلاح حيث يقوم الحكمان أو من في حكمهما باستقصاء أسباب الخلاف وببذل جهدهما لإنهاء النزاع (المادة 95). فإن تعذر الإصلاح واستمر الشقاق، تُثبت المحكمة ذلك في محضر وتحكم بالتطليق وبالمستحقات طبقاً للمواد 83 و84 و85، مراعيةً مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدير ما يمكن أن تحكم به على المسؤول لفائدة الزوج الآخر (المادة 97).
ومن القرارات القضائية المهمة في هذا الشأن، قرار محكمة النقض عدد 637 بتاريخ 21 نونبر 2012 الذي أكد أن “التطليق للشقاق لا يتوقف على إثبات الضرر بل يكفي أن يتبين للمحكمة استحالة استمرار العلاقة الزوجية”. كما أن إحصائيات وزارة العدل تُظهر أن التطليق للشقاق يمثل أكثر من 70% من مجموع حالات إنهاء العلاقة الزوجية، مما أثار نقاشاً واسعاً حول ضرورة إعادة النظر في هذه المسطرة .
الفقرة الثانية: التطليق لأسباب أخرى
إلى جانب التطليق للشقاق، حددت المادة 98 أسباباً أخرى للتطليق يمكن للزوجة الاستناد إليها، وهي:
أولاً: التطليق للضرر (المادة 99).
يُعتبر ضرراً مبرراً لطلب التطليق كل تصرف من الزوج أو سلوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يُلحق بالزوجة إساءة مادية أو معنوية. وتُثبت وقائع الضرر بكل وسائل الإثبات بما فيها شهادة الشهود (المادة 100).
وإذا لم تُثبت الزوجة الضرر وأصرت على طلب التطليق، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق. وفي حالة الحكم بالتطليق للضرر، للمحكمة أن تحدد مبلغ التعويض المستحق (المادة 101).
ثانياً: التطليق لعدم الإنفاق (المادة 102).
للزوجة طلب التطليق بسبب إخلال الزوج بالنفقة الحالة الواجبة عليه. وقد فرّق المشرع بين حالتين: إذا كان للزوج مال يمكن التنفيذ عليه فلا يُستجاب لطلب التطليق، وإذا أثبت الزوج عجزه أمهلته المحكمة مدة لا تتعدى ثلاثين يوماً لأداء النفقة، فإن لم يُنفق طلّقت عليه المحكمة ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.
ثالثاً: التطليق للغيبة (المادة 104).
إذا غاب الزوج عن زوجته مدة تزيد عن سنة، أمكن للزوجة طلب التطليق. وتتحقق المحكمة من الغيبة ومن أسبابها وتُبلّغ الزوج الغائب. كما نصت المادة 106 على حالة خاصة وهي إذا حُكم على الزوج المسجون بأكثر من ثلاث سنوات سجناً أو حبساً، فللزوجة أن تطلب التطليق بعد مرور سنة من اعتقاله.
رابعاً: التطليق للعيب (المادة 107).
تُعتبر عيوباً مؤثرة: العيوب المانعة من المعاشرة الزوجية، والأمراض الخطيرة على حياة الزوج الآخر أو على صحته التي لا يُرجى الشفاء منها داخل سنة.
خامساً: التطليق للإيلاء والهجر (المادة 112).
إذا آلى الزوج من زوجته أو هجرها، فللزوجة أن ترفع أمرها إلى المحكمة التي تؤجله أربعة أشهر، فإن لم يفئ بعد الأجل طلّقتها عليه المحكمة.
ومن الأمثلة الواقعية على التطليق للضرر، حالة زوجة تقدمت بطلب التطليق بسبب تعرضها للعنف الجسدي المتكرر من زوجها، مدعمةً طلبها بشواهد طبية ومحاضر الشرطة، فحكمت المحكمة بالتطليق للضرر مع تعويض لفائدتها. وفي حالة أخرى تتعلق بالتطليق للغيبة، تقدمت زوجة بطلب التطليق بسبب هجرة زوجها إلى أوروبا منذ أكثر من سنتين دون أن يُنفق عليها أو يتواصل معها، فحكمت المحكمة بالتطليق بعد التحقق من الغيبة .
المبحث الثاني: آثار انحلال ميثاق الزوجية
المطلب الأول: العدة وأحكامها
الفقرة الأولى: مفهوم العدة وأنواعها
تُعدّ العدة من أهم آثار انحلال ميثاق الزوجية، وقد نظّمها المشرع في القسم السابع من الكتاب الثاني (المواد 129 إلى 137). والعدة هي المدة الزمنية التي تلتزم فيها المرأة بعد انحلال الزوجية بعدم الزواج من رجل آخر، وتهدف إلى التأكد من براءة الرحم وحفظ الأنساب واحترام حرمة العلاقة الزوجية المنحلة.
وتبتدئ العدة من تاريخ الطلاق أو التطليق أو الفسخ أو الوفاة وفقاً للمادة 129. ولا تلزم العدة قبل البناء والخلوة الصحيحة إلا في حالة الوفاة (المادة 130). وقد أوجب المشرع على المعتدة أن تقضي عدتها في منزل الزوجية أو في منزل آخر يُخصص لها (المادة 131).
وتتنوع العدة بحسب سبب الانحلال ووضعية المرأة:
عدة الوفاة:
حددها المشرع في المادة 132 بأربعة أشهر وعشرة أيام كاملة بالنسبة لغير الحامل، وهي مدة مستمدة من النص القرآني الكريم. أما الحامل فتنتهي عدتها بوضع حملها أو سقوطه (المادة 133).
عدة الطلاق والتطليق:
تختلف بحسب وضعية المرأة. فذوات الحيض يعتددن بثلاثة أطهار كاملة (المادة 136/1). ومن لم تحض أصلاً أو التي يئست من المحيض تعتد بثلاثة أشهر (المادة 136/2). أما متأخرة الحيض فتتربص تسعة أشهر ثم تعتد بثلاثة أطهار (المادة 136/3). وقد حدد المشرع أقصى أمد الحمل بسنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة (المادة 135).
ومن الإشكاليات العملية المتعلقة بالعدة، حالة تداخل العدد التي عالجتها المادة 137، حيث نصت على أنه إذا توفي زوج المطلقة طلاقاً رجعياً وهي في العدة، انتقلت من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة. وهذا يعني أن المرأة المطلقة رجعياً لا تزال تُعتبر زوجة حكماً أثناء العدة، ولذلك تنتقل إلى عدة الوفاة إذا توفي مطلقها .
الفقرة الثانية: الرجعة في الطلاق الرجعي
من أبرز آثار العدة في الطلاق الرجعي حق الزوج في مراجعة زوجته أثناء فترة العدة. وقد نظّم المشرع هذا الحق في
المادة 124 التي نصت على أن “للزوج أن يراجع زوجته أثناء العدة”.
وإذا رغب الزوج في إرجاع زوجته المطلقة طلاقاً رجعياً، أشهد على ذلك عدلين ويقومان بإخبار القاضي فوراً.
غير أن المشرع أحاط حق الرجعة بضمانة مهمة لحماية الزوجة،
إذ نصت الفقرة الثانية من المادة 124 على أنه “يجب على القاضي قبل الخطاب على وثيقة الرجعة، استدعاء الزوجة لإخبارها بذلك، فإذا امتنعت ورفضت الرجوع، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المادة 94”.
وهذا يعني أن الرجعة لم تعد حقاً مطلقاً للزوج كما كان الشأن في ظل مدونة الأحوال الشخصية، بل أصبحت مشروطة بعلم الزوجة وعدم اعتراضها.
وتبين المرأة بانقضاء عدة الطلاق الرجعي (المادة 125)، أي أنها تصبح بائنة من زوجها بمجرد انتهاء العدة دون أن يراجعها، ولا يمكنه بعد ذلك إرجاعها إلا بعقد جديد.
ومن الأمثلة الواقعية، حالة زوج طلّق زوجته طلاقاً رجعياً ثم أراد مراجعتها بعد شهر، فاستدعت المحكمة الزوجة التي رفضت الرجوع ولجأت إلى مسطرة الشقاق، فحكمت المحكمة بالتطليق للشقاق بعد فشل محاولات الصلح .
المطلب الثاني: المستحقات المالية والحقوق المترتبة
الفقرة الأولى: مستحقات الزوجة
رتّب المشرع على انحلال ميثاق الزوجية حقوقاً مالية للزوجة حددتها المادة 84 بشكل دقيق. وتشمل هذه المستحقات:
أولاً: الصداق المؤخر إن وجد. ويُعدّ ديناً في ذمة الزوج يجب أداؤه عند الطلاق.
ثانياً: نفقة العدة. وتشمل السكنى والغذاء والكسوة وما يُعتبر من الضروريات طيلة فترة العدة.
ثالثاً: المتعة. وهي تعويض مالي يُراعى في تقديره فترة الزواج والوضعية المالية للزوج وأسباب الطلاق ومدى تعسف الزوج في توقيعه. وتُعدّ المتعة من أهم المستحقات المالية، إذ تهدف إلى جبر الضرر الذي يلحق بالمطلقة جراء إنهاء العلاقة الزوجية.
وقد أوجبت المادة 83 على المحكمة، في حالة تعذر الإصلاح بين الزوجين، أن تحدد مبلغاً يودعه الزوج بكتابة الضبط داخل أجل أقصاه ثلاثون يوماً لأداء مستحقات الزوجة والأطفال. وإذا لم يودع الزوج المبلغ المنصوص عليه داخل الأجل المحدد، اعتُبر متراجعاً عن رغبته في الطلاق (المادة 86). وهذا الإجراء يُشكّل ضمانة مهمة لحماية حقوق الزوجة المالية.
ومن الإشكاليات العملية المتعلقة بتقدير المتعة، التفاوت الكبير بين المحاكم في تحديد مبلغها، حيث لا توجد معايير موحدة وإنما يُترك الأمر للسلطة التقديرية للقاضي. وقد حاول القضاء المغربي وضع بعض المعايير، من بينها مدة الزواج والمستوى المعيشي للأسرة وعدد الأطفال وأسباب الطلاق. ومن القرارات القضائية المهمة في هذا الشأن، قرار محكمة النقض الذي أكد أن “المتعة يجب أن تكون متناسبة مع فترة الزواج ومع الوضعية المالية للزوج” .
الفقرة الثانية: مستحقات الأطفال وحقوقهم
لم يغفل المشرع حقوق الأطفال عند انحلال ميثاق الزوجية، بل أولاها عناية خاصة. فقد نصت المادة 85 على أن مستحقات الأطفال الملزم بنفقتهم تُحدد طبقاً للمادتين 168 و190. وتشمل هذه المستحقات:
أولاً: النفقة التي تشمل الغذاء والكسوة والعلاج والسكنى وما يُعتبر من الضروريات (المادة 189). ويستمر وجوب نفقة الأب على أولاده إلى حين بلوغهم سن الرشد أو إتمام الخامسة والعشرين بالنسبة لمن يتابع دراسته (المادة 198).
ثانياً: السكنى حيث يجب على الأب توفير سكن لأطفاله أو أداء تكاليف كرائه. وقد نصت المادة 168 على أن تكاليف سكنى المحضون مستقلة عن النفقة وعن أجرة الحضانة وغيرهما.
ثالثاً: الحضانة التي تُسند بالأولوية للأم ثم للأب ثم لأم الأم وفقاً للترتيب المنصوص عليه في المادة 171.
وقد كانت المادة 175 تنص على سقوط حضانة الأم بزواجها، غير أن المقترحات الجديدة لمراجعة المدونة تتجه نحو الإبقاء على حضانة الأم حتى في حالة زواجها من جديد.
ومن الأمثلة الواقعية المؤثرة، حالة أم مطلقة لها ثلاثة أطفال حُكم لها بالحضانة مع نفقة شهرية قدرها 1500 درهم لكل طفل وأجرة سكن قدرها 2000 درهم، غير أن الأب امتنع عن الأداء مما اضطرها إلى اللجوء إلى مسطرة الإكراه البدني. وتُبرز هذه الحالة إشكالية تنفيذ أحكام النفقة التي تُعدّ من أكبر التحديات التي تواجه المطلقات في المغرب.
كما تجدر الإشارة إلى أن المادة 88 أوجبت على المحكمة أن تُصدر قراراً معللاً يتضمن، من بين بياناته، ما إذا كانت الزوجة حاملاً أم لا، وأسماء الأطفال وسنهم ومن أُسندت إليه حضانتهم، وتحديد المستحقات المنصوص عليها في المادتين 84 و85 .
خاتمة
يتبيّن من خلال هذه الدراسة أن المشرع المغربي قد وضع منظومة قانونية متكاملة لتنظيم انحلال ميثاق الزوجية وآثاره، تقوم على مبدأ الاستثنائية والضرورة وتحت رقابة القضاء. وقد تعددت أسباب الانحلال وطرقه لتشمل الوفاة والفسخ والطلاق بأنواعه (الرجعي والبائن والاتفاقي والخلع) والتطليق بأسبابه المختلفة (الشقاق والضرر وعدم الإنفاق والغيبة والعيب والإيلاء والهجر)، مما يُتيح لكل من الزوجين إنهاء العلاقة الزوجية متى استحال استمرارها.
غير أن الممارسة العملية كشفت عن عدة إشكاليات، أبرزها هيمنة مسطرة التطليق للشقاق على باقي المساطر، والتفاوت في تقدير المستحقات المالية بين المحاكم، وصعوبة تنفيذ أحكام النفقة والحضانة. ولعل مشروع مراجعة مدونة الأسرة الذي أُعلن عنه سنة 2024 يُشكّل فرصة لمعالجة هذه الإشكاليات، لا سيما من خلال تقليص أنواع الطلاق والتطليق وتبسيط المساطر وتعزيز حقوق المرأة والأطفال بعد الطلاق.
المراجع
[1] المادة 70 من مدونة الأسرة المغربية، القانون رقم 70.03. إحصائيات وزارة العدل حول حالات الطلاق والتطليق بالمغرب.
[2] المواد 71-77 من مدونة الأسرة المتعلقة بأسباب انحلال ميثاق الزوجية والوفاة والفسخ. محمد الكشبور، شرح مدونة الأسرة: انحلال ميثاق الزوجية، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
[3] المواد 78-93 و114-120 و122-123 من مدونة الأسرة المتعلقة بالطلاق وأنواعه. مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، دجنبر 2024.
[4] المواد 115-120 من مدونة الأسرة المتعلقة بالطلاق بالخلع. إدريس الفاخوري، قانون الأسرة المغربي، الجزء الأول، دار الأمان، الرباط.
[5] المواد 94-97 من مدونة الأسرة المتعلقة بالتطليق للشقاق. قرار محكمة النقض عدد 637 بتاريخ 21 نونبر 2012. مقال: التطليق للشقاق في مدونة الأسرة بين الإجبار وحرية الاختيار، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية.
[6] المواد 98-113 من مدونة الأسرة المتعلقة بالتطليق لأسباب أخرى (الضرر، عدم الإنفاق، الغيبة، العيب، الإيلاء والهجر).
[7] المواد 129-137 من مدونة الأسرة المتعلقة بالعدة. عبد الكريم شهبون، شرح مدونة الأسرة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط.
[8] المادة 124 من مدونة الأسرة المتعلقة بالرجعة في الطلاق الرجعي.
[9] المواد 83-86 من مدونة الأسرة المتعلقة بمستحقات الزوجة. اجتهادات محكمة النقض في تقدير المتعة.
[10] المواد 85 و88 و168-198 من مدونة الأسرة المتعلقة بمستحقات الأطفال والحضانة والنفقة. جمال الخمار، التعديلات المقترحة لمراجعة مدونة الأسرة، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس، 2025.













