قانون المسطرة المدنية الجديد 2026 في المغرب: أهم المستجدات

مستجدات قانون المسطرة المدنية المغربي الجديد رقم 58.25: قراءة تحليلية مقارنة في ضوء القانون المنسوخ

صورة مصغرة لفيديو يوتوب عن قانون المسطرة المدنية الجديد في المغرب 2026، تظهر مطرقة قاض وعلم المغرب وميزان العدالة فوق حاسوب مع عنوان إنجليزي عن تحديثات القانون.

مقدمة

يحتل قانون المسطرة المدنية مكانة محورية في البناء القانوني لأي دولة، إذ يُعدّ بمثابة الشريعة العامة للقوانين الإجرائية، والأداة الفعلية التي تُترجم بها القواعد الموضوعية إلى حقوق ملموسة يقتضيها أصحابها أمام القضاء. فهو الذي يرسم مسار الدعوى من لحظة رفعها إلى حين تنفيذ الحكم الصادر فيها، ويضبط العلاقة بين المتقاضين والجهاز القضائي وفق ضمانات تكفل العدالة والإنصاف. ولقد ظل قانون المسطرة المدنية المغربي، الصادر بمقتضى الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.74.447 المؤرخ في 28 شتنبر 1974، يؤطر المنظومة الإجرائية لما يزيد عن نصف قرن، في سياق اجتماعي واقتصادي وتكنولوجي مختلف تماماً عما يعيشه المغرب اليوم .
وفي ظل التحولات العميقة التي عرفتها المملكة المغربية، لاسيما بعد دستور 2011 الذي كرّس مبادئ استقلال السلطة القضائية والحق في المحاكمة العادلة والحق في التقاضي (الفصول 117 و118 و120)، وبعد صدور الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة سنة 2013 الذي رسم خارطة طريق شاملة للإصلاح القضائي، أضحى تحديث قانون المسطرة المدنية ضرورة ملحة لا تقبل التأجيل.

وقد عبّر صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي بمناسبة الذكرى 56 لثورة الملك والشعب (20 غشت 2009) عن إرادة ملكية سامية للرفع من النجاعة القضائية والتصدي لما يعانيه المتقاضون من بطء وتعقيد في المساطر .
استجابة لهذه المتطلبات، وبعد مسار تشريعي طويل بدأ بمشروع القانون رقم 02.23، ثم مراجعة المحكمة الدستورية بمقتضى قرارها رقم 255/25، صدر أخيراً القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، الذي نُفّذ بالظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، ونُشر بالجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، على أن يدخل حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من تاريخ نشره . يتضمن هذا القانون 639 مادة موزعة على اثني عشر قسماً، ويمثل ثورة إجرائية حقيقية تقطع مع الاختلالات التي أفرزتها عقود من التطبيق العملي للقانون القديم.

تتبلور إشكالية هذا المقال في التساؤل المركزي التالي: إلى أي حد استطاع قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 تجاوز الاختلالات الإجرائية للقانون المنسوخ، وما هي أبرز مستجداته الكفيلة بتحقيق النجاعة القضائية وضمان شروط المحاكمة العادلة؟

تتفرع عن هذه الإشكالية المحورية جملة من الأسئلة الفرعية: ما هي المبادئ الجديدة التي أرساها القانون لضمان المحاكمة العادلة؟ كيف أعاد هيكلة قواعد الاختصاص؟ ما مستجدات الرقمنة والتبليغ؟ وما دور مؤسسة قاضي التنفيذ في ضمان نفاذ الأحكام؟
للإجابة عن هذه الإشكالية، سنعتمد مقاربة تحليلية مقارنة بين مقتضيات القانون الجديد والقانون المنسوخ، مستندين إلى النصوص القانونية والاجتهاد الفقهي، من خلال تقسيم الموضوع إلى مبحثين أساسيين؛

نخصص المبحث الأول للمستجدات المتعلقة بالمبادئ العامة والتنظيم القضائي وقواعد الاختصاص،

في حين نتناول في المبحث الثاني المستجدات المرتبطة بالإجراءات العملية من تبليغ ورقمنة وتنفيذ وطرق الطعن.

 

المبحث الأول: المستجدات المتعلقة بالمبادئ العامة والتنظيم القضائي

أرسى القانون الجديد للمسطرة المدنية قواعد تمهيدية غير مسبوقة في تاريخ التشريع الإجرائي المغربي، تضع حقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة في صلب العملية القضائية. كما أعاد هيكلة قواعد الاختصاص النوعي والمحلي والدولي بشكل جذري، ووحّد المساطر الإجرائية المتفرقة في نص تشريعي واحد. سنتناول هذه المستجدات من خلال مطلبين: الأول يتعلق بتكريس ضمانات المحاكمة العادلة وتوحيد المساطر، والثاني يتناول إعادة هيكلة قواعد الاختصاص وتعزيز دور النيابة العامة.

المطلب الأول: تكريس ضمانات المحاكمة العادلة وتوحيد المساطر

شكّل تكريس ضمانات المحاكمة العادلة وتوحيد المساطر المتفرقة هاجساً رئيسياً للمشرع المغربي في صياغته للقانون الجديد، وهو ما تجلى في استحداث مبادئ تمهيدية جديدة (الفقرة الأولى) وتجميع المساطر الإجرائية في نص واحد (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: المبادئ التمهيدية الجديدة وضمانات المحاكمة العادلة

من أبرز ما يميز القانون الجديد عن سلفه هو استهلاله بمجموعة من الأحكام التمهيدية (المواد من 1 إلى 14) التي تؤسس لفلسفة إجرائية جديدة قائمة على احترام حقوق الإنسان ومبادئ المحاكمة العادلة . فالقانون القديم (ظهير 1974) كان يفتقر إلى أي ديباجة أو مبادئ توجيهية صريحة، وكان يدخل مباشرة في الأحكام الإجرائية التفصيلية دون تأطير مبدئي، مما ترك فراغاً كبيراً في التأصيل النظري للعمل القضائي.
في المقابل، نصت المادة الأولى من القانون الجديد صراحة على أن المحاكم مكلفة بالسهر على حسن سير العدالة وضمان شروط المحاكمة العادلة واحترام حقوق الدفاع، وهو تنزيل مباشر لمقتضيات الفصل 120 من الدستور.

كما أكدت المادة الثانية على مبدأ استقلالية القضاة وتجردهم ونزاهتهم، في حين حظرت المادة الثالثة على القاضي الامتناع عن البت في القضايا المعروضة عليه دون سبب قانوني مشروع، وهو ما يُعرف في الفقه القانوني بمنع “إنكار العدالة” (déni de justice). وقد أضافت المادة الخامسة مبدأ جوهرياً يتمثل في وجوب إصدار الأحكام داخل “أجل معقول”، مما يعني أن التأخير غير المبرر في البت أصبح مخالفة قانونية صريحة .
ولعل المثال الواقعي الأبرز على الأثر العملي لهذه المبادئ يتجلى في محاربة ظاهرة التقاضي الكيدي والتعسفي، فبينما كان القانون القديم قاصراً في هذا الجانب، ولم يتضمن أي آلية فعالة لردع الدعاوى الكيدية التي كانت تشكل، حسب بعض الممارسين، نحو 30% من الملفات الرائجة أمام المحاكم ، جاءت المادة 10 من القانون الجديد لتلزم المتقاضين بممارسة حق التقاضي بحسن نية، مجيزة للمتضرر المطالبة بالتعويض عن كل دعوى كيدية أو تعسفية. فلو افترضنا أن شخصاً رفع دعوى واهية ضد جاره بهدف الإضرار به فقط، فإن المحكمة يمكنها الآن، بناءً على طلب المدعى عليه، الحكم بتعويض لفائدته عن الضرر الناجم عن هذا التعسف، بل إن المادة 62 أجازت فرض غرامة تتراوح بين 5.000 و10.000 درهم على كل من ثبت تقاضيه بسوء نية .

الفقرة الثانية: توحيد المساطر الإجرائية ودمج القضاء المتخصص

كانت المساطر الإجرائية في ظل المنظومة السابقة مشتتة بين عدة نصوص قانونية متفرقة: قانون المسطرة المدنية (ظهير 1974)، وقانون إحداث المحاكم الإدارية (القانون رقم 41.90)، وقانون إحداث المحاكم التجارية (القانون رقم 53.95)، وقانون قضاء القرب (القانون رقم 42.10). هذا التشتت التشريعي كان يُلقي بظلاله على الممارسة القضائية، إذ كان المتقاضي والممارس القانوني يضطران للبحث في قوانين متعددة لمعرفة الإجراءات الواجبة الاتباع، مما أفضى إلى تضارب في الاجتهادات القضائية وتعقيد في المساطر .
جاء القانون الجديد لينهي هذا التشتت من خلال تجميع كافة هذه المساطر في نص تشريعي واحد من 639 مادة، مجسداً بذلك مبدأي وحدة القضاء والتخصص فيه. فقد أدمج المشرع مساطر القضاء الإداري والتجاري وقضاء القرب ضمن قانون المسطرة المدنية الجديد، مع الحفاظ على خصوصية كل نوع من أنواع القضاء من خلال أقسام متخصصة داخل المحاكم الابتدائية .
عملياً، يعني هذا المستجد أن المتقاضي لن يضطر للبحث في قوانين متفرقة لمعرفة الإجراءات الواجبة الاتباع. فعلى سبيل المثال، إذا نشأ نزاع تجاري بين تاجرين حول تنفيذ عقد توريد لا تتجاوز قيمته 80.000 درهم، فإن المحكمة الابتدائية من خلال القسم التجاري هي التي تنظر فيه وفق القواعد الإجرائية الموحدة المنصوص عليها في القانون الجديد. وبالمثل، إذا أراد مواطن الطعن في قرار إداري صادر عن جماعة ترابية، فإنه يلجأ إلى القسم الإداري بالمحكمة الابتدائية وفق نفس الإطار الإجرائي العام، مع مراعاة الخصوصيات المنصوص عليها في القسم المتعلق بالقضاء الإداري. هذا التوحيد يضمن تناسق العمل القضائي ويمنع تضارب الاجتهادات حول المساطر الواجبة التطبيق، ويُبسّط ولوج المتقاضين إلى العدالة.

المطلب الثاني: إعادة هيكلة قواعد الاختصاص وتعزيز دور النيابة العامة

أعاد القانون الجديد صياغة قواعد الاختصاص بشكل جذري لتجاوز حالات إنكار العدالة وهدر الزمن القضائي (الفقرة الأولى)، كما منح النيابة العامة أدواراً طلائعية غير مسبوقة في القضايا المدنية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: ضبط الاختصاص النوعي والمحلي والدولي

عانى العمل القضائي المغربي طويلاً من الإشكالات المرتبطة بالفصلين 16 و17 من القانون الحالي فيما يخص الاختصاص النوعي. فقد كان الفصل 16 يسمح بإثارة الدفع بعدم الاختصاص النوعي قبل كل دفاع في الجوهر فقط، بينما كان الفصل 17 يجيز للمحكمة ضم الدفع بعدم الاختصاص إلى الجوهر، مما كان يتسبب في إطالة أمد النزاع بشكل كبير وهدر الزمن القضائي. فكم من قضية استغرقت سنوات بسبب الجدل حول الاختصاص النوعي، حيث كانت المحكمة تضم الدفع إلى الجوهر ثم تقضي بعدم اختصاصها بعد شهور من المرافعات .
تداركاً لذلك، أحدثت المادة 27 من القانون الجديد تحولاً جوهرياً بارتقائها بالاختصاص النوعي إلى مصاف النظام العام، مما يعني أنه يمكن إثارته تلقائياً من طرف المحكمة في أي مرحلة من مراحل الدعوى، كما يمكن للأطراف إثارته في جميع المراحل أمام محاكم الدرجة الأولى والأقسام المتخصصة لديها . والأهم من ذلك أن المشرع ألزم المحكمة بالبت في الدفع بعدم الاختصاص بحكم مستقل دون ضمه إلى الجوهر، وحدد أجلاً أقصاه 8 أيام لإحالة الملف إلى المحكمة المختصة في حالة القضاء بعدم الاختصاص، مع إلزام المحكمة المحال عليها الملف بالبت فيه وجوباً، مما يقطع الطريق أمام حالات إنكار العدالة التي كانت تحدث عندما ترفض المحكمة المحال عليها البت في الملف.
ولأول مرة في تاريخ التشريع الإجرائي المغربي، قنّن المشرع مقتضيات الاختصاص القضائي الدولي تنظيماً دقيقاً ومفصلاً، بعدما كان هذا الموضوع متروكاً للاجتهاد القضائي والفقهي.

فعلى سبيل المثال، أصبحت المحاكم المغربية مختصة صراحة بالنظر في الدعاوى المرفوعة ضد أي مغربي ولو لم يكن له موطن بالمملكة (باستثناء الدعاوى العينية المتعلقة بعقارات خارج المغرب)، وكذا في الدعاوى ضد الأجانب إذا تعلق النزاع بمال موجود في المغرب أو التزام نشأ أو نُفّذ فيه . فلو افترضنا أن مواطناً مغربياً مقيماً بفرنسا أبرم عقداً تجارياً مع شركة مغربية ونشأ نزاع حول تنفيذه، فإن المحاكم المغربية أصبحت مختصة بنص القانون، دون حاجة للاجتهاد القضائي لتحديد الاختصاص.

الفقرة الثانية: توسيع صلاحيات النيابة العامة في القضايا المدنية

شهد دور النيابة العامة في القضايا المدنية توسعاً ملموساً وغير مسبوق في ظل القانون الجديد. ففي القانون القديم، كان دور النيابة العامة محدوداً ومقتصراً على التدخل كطرف منضم في بعض القضايا المحددة حصراً، مع غموض في تحديد الحالات التي تكون فيها طرفاً أصلياً. جاء القانون الجديد ليحسم هذا الجدل الفقهي والقضائي من خلال المادة 18 التي حددت بدقة الحالات التي تكون فيها النيابة العامة طرفاً أصلياً، وتشمل: قضايا النظام العام، وقضايا الأسرة والحالة المدنية، والجنسية، وكفالة الأطفال المهملين، وقضايا فاقدي وناقصي الأهلية، والقضايا المتعلقة بالتحفيظ العقاري، وغيرها .
ولعل المستجد الأبرز والأكثر جرأة هو ما تضمنته المادة 17، التي منحت للنيابة العامة صلاحية استثنائية تتمثل في إمكانية طلب التصريح ببطلان أي مقرر قضائي صدر خلافاً للقانون أو بناءً على إجراءات مشوبة بالتدليس أو الغش أو مخالفة للنظام العام، وذلك داخل أجل يمتد لخمس سنوات من صيرورة الحكم حائزاً لقوة الشيء المقضي به . هذا المقتضى يمثل ضمانة قوية لحماية النظام العام والمصلحة العامة. فلنتصور مثلاً أن حكماً صدر بنقل ملكية عقار بناءً على عقد بيع تبيّن لاحقاً، بمقتضى حكم جنائي نهائي، أنه مبني على وثائق مزورة. في ظل القانون القديم، كان من الصعب جداً الطعن في هذا الحكم بعد اكتسابه قوة الشيء المقضي به. أما في ظل القانون الجديد، فإن النيابة العامة تملك صلاحية التدخل لطلب إبطال هذا الحكم حماية للنظام العام، حتى ولو مرت أربع سنوات على صدوره، شريطة عدم تجاوز أجل الخمس سنوات.

المبحث الثاني: المستجدات المتعلقة بالإجراءات والتنفيذ والرقمنة

يشكل هذا المبحث صلب الثورة الإجرائية التي أتى بها القانون الجديد، لاسيما فيما يتعلق بتحديث مساطر التبليغ والرقمنة الشاملة للإجراءات القضائية، وإحداث مؤسسة قاضي التنفيذ، وعقلنة طرق الطعن. سنتناول هذه المستجدات من خلال مطلبين: الأول يتعلق بتحديث مساطر التبليغ والرقمنة (المطلب الأول)، والثاني يتناول إحداث مؤسسة قاضي التنفيذ وعقلنة طرق الطعن (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تحديث مساطر التبليغ ورقمنة الإجراءات القضائية

يعتبر التبليغ العصب النابض للدعوى المدنية، وقد كان يشكل النقطة السوداء الأبرز في القانون القديم. كما أن غياب الرقمنة كان يُثقل كاهل المحاكم والمتقاضين. سنتناول إصلاح مسطرة التبليغ (الفقرة الأولى) ثم رقمنة المساطر القضائية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: إصلاح مسطرة التبليغ واعتماد البطاقة الوطنية الإلكترونية

كان الفصل 37 من القانون القديم ينظم التبليغ بطرق تقليدية محدودة: عن طريق أعوان كتابة الضبط، أو المفوضين القضائيين، أو البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل، أو بالطريقة الإدارية. وقد أثبتت الممارسة العملية أن هذه الوسائل كانت تعاني من اختلالات كبيرة، أبرزها مسطرة “القيم” التي كانت تُعيّن فيها المحكمة قيّماً للمدعى عليه مجهول العنوان، والتي أظهرت نتائج كارثية في الواقع العملي، حيث كانت تصدر أحكام في غيبة المعنيين بالأمر دون أن يعلموا بها إطلاقاً .
تجاوز القانون الجديد (المواد 81 وما بعدها) هذه الإشكالات بشكل جذري. فقد تم الاستغناء نهائياً عن مسطرة القيم، واعتُمد التبليغ بواسطة المفوضين القضائيين كقاعدة عامة بسعي من الطرف المعني، مع منح الإمكانية للمحكمة لاعتماد وسائل أخرى حسب ظروف الحال . كما وسّع المشرع دائرة الأشخاص الذين يمكن تسليم الاستدعاء إليهم عند عدم العثور على المطلوب تبليغه، لتشمل وكيله أو من يعمل لفائدته أو أحد الساكنين معه من الأزواج أو الأقارب أو الأصهار، شريطة أن يكون ظاهرهم يدل على بلوغهم سن السادسة عشرة .
والمستجد الأكثر ابتكاراً هو ما نصت عليه المادة 86 من اعتماد قاعدة بيانات البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية كمرجع أساسي في التبليغ. فعندما يتعذر تبليغ المدعى عليه لكونه مجهول العنوان أو انتقل منه دون تحيين معطياته، تلجأ المحكمة إلى العنوان الوارد في قاعدة بيانات البطاقة الوطنية، ويُعتبر التبليغ فيه صحيحاً ومنتجاً لكافة آثاره القانونية . فلنتصور مثلاً أن دائناً رفع دعوى ضد مدينه لاسترداد مبلغ مالي، لكن المدين غيّر عنوانه دون إخبار أحد تهرباً من التبليغ. في ظل القانون القديم، كانت المحكمة تلجأ لمسطرة القيم التي قد تستغرق شهوراً دون جدوى. أما الآن، فإن المحكمة تطلب العنوان المسجل في بطاقته الوطنية الإلكترونية وتُبلّغه فيه، ويُعتبر التبليغ صحيحاً حتى لو لم يتوصل فعلياً، مما يقطع الطريق أمام التحايل وعرقلة سير العدالة.

الفقرة الثانية: رقمنة المساطر القضائية وتأسيس المحكمة الرقمية

خصص القانون الجديد قسماً كاملاً (القسم الحادي عشر، المواد من 623 إلى 639) لرقمنة الإجراءات والمساطر القضائية، مؤسساً بذلك لمفهوم “المحكمة الرقمية” الذي لم يكن له أي وجود في القانون القديم . يتضمن هذا التحول الجذري إحداث منصة إلكترونية موحدة لتدبير الملفات والقضايا والإجراءات القضائية، تتولى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل تدبيرها بتنسيق مع رئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية .
بموجب هذه المقتضيات، سيتم إحداث حسابات إلكترونية مهنية للمحامين والعدول والموثقين والمفوضين القضائيين والخبراء والتراجمة، يتم عبرها تبادل المعطيات والوثائق بطريقة إلكترونية. كما ألزم المشرع الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بالإدلاء بعناوينها الإلكترونية عبر المنصة . ويمكن من خلال هذه المنصة إيداع المقالات والطلبات والطعون والمذكرات، والإدلاء بالوثائق والمستندات، وأداء الرسوم القضائية والمصاريف، وإجراءات التبليغ والتنفيذ، بحيث يُعتدّ بكل هذه الإجراءات التي تمت بطريقة إلكترونية .
كما أجازت المادة 90 عقد الجلسات بواسطة تقنيات التواصل عن بعد، شريطة موافقة الأطراف الصريحة وتوفر فضاء مجهز يضمن اتصالاً متزامناً، مع توثيق الجلسة سمعياً وبصرياً . على سبيل المثال، يمكن لمحامٍ في مدينة طنجة إيداع مقاله الافتتاحي، وأداء الرسوم القضائية، وتلقي التبليغات المتعلقة بملف يروج في محكمة بمدينة وجدة، عبر حسابه الإلكتروني المهني، دون الحاجة للتنقل المادي. بل يمكنه حضور الجلسة عن بعد عبر تقنية الاتصال المرئي، مما يختصر الجهد والتكلفة والزمن القضائي بشكل غير مسبوق. إن هذا التحول الرقمي سيساهم أيضاً في تعزيز الشفافية والحد من مظاهر الفساد، لأن التعامل مع المنصة الإلكترونية يقلل من الاحتكاك المباشر بين المتقاضين والعاملين بالمحاكم.

المطلب الثاني: إحداث مؤسسة قاضي التنفيذ وعقلنة طرق الطعن

إن الغاية القصوى من التقاضي هي الحصول على حق نافذ وقابل للتنفيذ، وهو ما عززه القانون الجديد بإصلاحات هيكلية لمرحلة التنفيذ (الفقرة الأولى) وطرق الطعن (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مؤسسة قاضي التنفيذ كآلية لضمان نفاذ الأحكام

لطالما شكّل تنفيذ الأحكام القضائية المعضلة الكبرى في المنظومة القضائية المغربية. فعدم تنفيذ الأحكام يمس بشعور الثقة والاطمئنان في العدالة، ويُقوّض قدرتها على إنصاف المظلوم وإرجاع الحقوق إلى أصحابها. في ظل القانون القديم، كان رئيس المحكمة الابتدائية هو المشرف على التنفيذ بصفته قاضياً للمستعجلات، وهو ما كان يُثقل كاهله نظراً لتعدد مهامه الأخرى، فضلاً عن غياب إطار قانوني واضح ومتكامل لتدبير صعوبات التنفيذ .
لمعالجة هذا الخلل البنيوي، أحدث القانون الجديد مؤسسة متخصصة هي “قاضي التنفيذ” (المواد 466 وما بعدها)، مسنداً إليه صلاحيات واسعة وحصرية تشمل: إصدار الأوامر المتعلقة بالتنفيذ، والإشراف على عملياته، وتذليل جميع الصعوبات المادية التي تعترضه، ومراقبة سير إجراءاته من قبل مأمور التنفيذ، والبت في المنازعات والصعوبات الوقتية المثارة بشأن إجراءاته من قبل الأطراف أو الغير . كما يختص باتخاذ كافة التدابير التي تقتضيها عملية التنفيذ، كالإذن بفتح أبواب المحلات والمنازل، وإجراء خبرة لتحديد قيمة المنقولات والأصول التجارية والعقارات، ومنح الأجل الاسترحامي للمحكوم عليه.
ومن المستجدات اللافتة أيضاً أن البيوعات بالمزاد العلني أصبحت تتم عبر منصات إلكترونية لضمان الشفافية والمنافسة (المادة 513) . فلنتصور مثلاً أن حكماً صدر بإفراغ مستأجر من محل تجاري، وعند التنفيذ واجه مأمور التنفيذ مقاومة شديدة من المحكوم عليه الذي أغلق المحل ورفض التعاون. في ظل القانون القديم، كان يتعين رفع دعوى استعجالية جديدة أمام رئيس المحكمة للحصول على إذن بالاستعانة بالقوة العمومية، مما كان يستغرق أسابيع إضافية. أما في ظل القانون الجديد، فإن قاضي التنفيذ يملك سلطة اتخاذ التدابير الفورية، بما فيها الإذن بفتح أبواب المحل والاستعانة بالقوة العمومية، دون الحاجة لإجراءات إضافية.

الفقرة الثانية: عقلنة طرق الطعن وتقليص الآجال

في مسعى للحد من التراكم غير المبرر للملفات بمحاكم الدرجة الثانية ومحكمة النقض، ولتحقيق تدبير أمثل للزمن القضائي، عمل القانون الجديد على عقلنة طرق الطعن من خلال عدة محاور متكاملة.
أولاً، تم رفع سقف الاختصاص الانتهائي للمحاكم الابتدائية إلى 30.000 درهم بمقتضى المادة 30 (عوض 20.000 درهم في القانون القديم)، مما يعني أن الأحكام الصادرة في القضايا التي تقل قيمتها عن هذا المبلغ لا تقبل الطعن بالاستئناف . كما حدد المشرع الاختصاص القيمي لقضاء القرب في 10.000 درهم (المادة 331). وبالنسبة لمحكمة النقض، حددت المادة 375 القضايا القابلة للطعن بالنقض في تلك التي تتجاوز قيمتها 80.000 درهم .
ثانياً، قلّص المشرع آجال الطعون بشكل ملحوظ. فأجل الاستئناف أصبح 15 يوماً كقاعدة عامة من تاريخ التبليغ، و10 أيام في قضايا الأسرة. أما الطعن بالنقض فحُدد في 15 يوماً في قضايا الأسرة والجنسية والقضايا الاجتماعية، و30 يوماً في باقي القضايا . كما حُددت آجال صارمة لتوجيه ملفات الاستئناف إلى محكمة الدرجة الثانية (15 يوماً من إيداع المقال).
ثالثاً، أعاد المشرع تنظيم حق التصدي بشكل جوهري. ففي القانون القديم، كان الفصل 146 ينظم التصدي بالنسبة لمحاكم الاستئناف فقط، وكان مشروطاً بجهوزية الدعوى للبت، بينما سُحب هذا الحق من محكمة النقض بمقتضى القانون رقم 82.04 . أما في القانون الجديد، فقد أصبح التصدي واجباً على محاكم الدرجة الثانية في حالة الإبطال أو الإلغاء، دون اشتراط جهوزية الدعوى، إذ يمكنها سلوك إجراءات التحقيق لجعلها جاهزة. والأهم من ذلك، أعاد المشرع لمحكمة النقض حق التصدي بمقتضى المادة 391، لكن بشرطين: أن يكون الطعن بالنقض قد وقع للمرة الثانية، وأن تتوفر المحكمة على جميع العناصر الواقعية اللازمة للفصل في النزاع .
فلنتصور مثلاً نزاعاً عقارياً نُقض فيه القرار الاستئنافي مرتين، وفي كل مرة كانت محكمة الاستئناف تصدر قراراً جديداً يُطعن فيه بالنقض. في ظل القانون القديم، كان هذا المسلسل يمكن أن يستمر لسنوات طويلة. أما الآن، فإن محكمة النقض تتصدى للنزاع في المرة الثانية وتبت فيه نهائياً، مما يضع حداً لمسلسل الإحالات الماراطونية الذي كان يستنزف سنوات من عمر المتقاضين ويُرهق الجهاز القضائي.

 

خاتمة

صفوة القول، إن قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25 لا يمثل مجرد تعديل شكلي أو ترقيعي للنصوص القائمة، بل هو هندسة تشريعية جديدة وفلسفة حديثة للعدالة الإجرائية في المغرب. فمن خلال تكريس مبادئ تمهيدية غير مسبوقة تضمن المحاكمة العادلة والأجل المعقول، وتوحيد المساطر المتفرقة في نص واحد، وارتقاء الاختصاص النوعي إلى مصاف النظام العام، وتقنين الاختصاص الدولي لأول مرة، ورقمنة الإجراءات القضائية عبر منصة إلكترونية موحدة، وإلغاء مسطرة القيم واعتماد البطاقة الوطنية الإلكترونية في التبليغ، وإحداث مؤسسة قاضي التنفيذ بصلاحيات واسعة، وعقلنة طرق الطعن وتقليص آجالها، يبدو أن المشرع المغربي قد وضع يده على مكامن الخلل الجوهرية التي أرهقت كاهل القضاء والمتقاضين لعقود.
غير أن نجاح هذه الثورة التشريعية يبقى رهيناً بتوفير جملة من الشروط المادية واللوجستية والبشرية اللازمة لتنزيلها الفعلي. ففي مقدمة هذه الشروط، توفير بنية تحتية رقمية قوية وآمنة وموثوقة قادرة على استيعاب حجم المعاملات القضائية، وتكوين العنصر البشري من قضاة ومحامين وكتاب ضبط ومفوضين قضائيين للتعامل مع المستجدات التكنولوجية. كما أن تقليص آجال الطعون والرفع من سقف الاختصاص الانتهائي، وإن كان يخدم النجاعة القضائية وسرعة البت، فإنه يتطلب حذراً كبيراً لضمان عدم المساس بالحق الدستوري للمواطنين في التقاضي والدفاع عن مصالحهم، خاصة بالنسبة للفئات الهشة والمتقاضين البسطاء الذين قد تمثل القضايا الصغيرة رأس مالهم الوحيد.
إن العبرة في النهاية ليست بجمالية النصوص القانونية وإحكام صياغتها، بل بمدى قدرتها على إنتاج عدالة سريعة، منصفة، شفافة، وقريبة من المواطن. ولعل الأشهر الستة الفاصلة بين نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ تمثل فرصة ذهبية للاستعداد الأمثل، سواء على مستوى تجهيز المحاكم بالبنية الرقمية اللازمة، أو على مستوى تكوين الفاعلين في منظومة العدالة، أو على مستوى التحسيس والتوعية بالمقتضيات الجديدة، حتى يكون التطبيق الفعلي في مستوى الطموحات التشريعية.

لائحة المراجع

أولاً: النصوص القانونية

[1] المملكة المغربية. الظهير الشريف رقم 1.26.07 الصادر في 12 من شعبان 1447 (11 فبراير 2026) بتنفيذ القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية. الجريدة الرسمية عدد 7485، الصادرة بتاريخ 23 فبراير 2026.

ثانياً: المقالات والأبحاث المحكمة

[2] أيت إعيش، أيوب (2025). “مستجدات مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23 وسؤال النجاعة القضائية”. مجلة القانون والأعمال الدولية.

ثالثاً: المقالات الصحفية والتقارير

[3] هسبريس (2026 ). “أحكام انتقالية وتمكين رقمي شامل .. هذه أبرز مستجدات المسطرة المدنية”.

رابعاً: المراجع الفقهية العامة

[4] الحضري، إدريس. قانون المسطرة المدنية. مطبعة دار الأمان، الرباط.
[5] الرجراجي، عبد الكريم. شرح قانون المسطرة المدنية في ضوء مستجدات القانون والقضاء. مطبعة المعارف الجديدة، الرباط.
[6] بوزيان، عبد الرحيم. الوجيز في شرح قانون المسطرة المدنية المغربي. مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
[7] المملكة المغربية. ميثاق إصلاح منظومة العدالة (2013 ). الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة.
[8] شوقي، حكيمة (2025). “إشكاليات تنفيذ الأحكام القضائية المدنية في ضوء مشروع قانون المسطرة المدنية”. مجلة القانون والأعمال الدولية.
[9] بينهم، دريس (2025). “مبررات مخاصمة القضاة على أساس عدم احترام الأجل المعقول في ضوء مشروع قانون المسطرة المدنية رقم 02.23”. مجلة القانون والأعمال الدولية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق