مقدمة
تُعدّ الوصية من أعرق التصرفات القانونية المرتبطة بالتبرعات المضافة إلى ما بعد الموت، وهي نظام قانوني ذو جذور فقهية إسلامية عميقة تتقاطع فيه الأبعاد الشرعية والاجتماعية والإنسانية. وقد حظيت الوصية باهتمام بالغ من لدن المشرع المغربي الذي أفرد لها الكتاب الخامس من مدونة الأسرة الصادرة بموجب القانون رقم 70.03 (المواد 277 إلى 320)، حيث نظّم أحكامها تنظيماً دقيقاً يوازن بين إرادة الموصي وحقوق الورثة ومصلحة المجتمع.
وتكتسي الوصية أهمية بالغة في المنظومة القانونية المغربية، إذ تُمكّن الشخص من التصرف في جزء من ماله بعد وفاته لتحقيق أغراض خيرية أو اجتماعية أو عائلية، مع مراعاة الحدود الشرعية التي تحمي حقوق الورثة الشرعيين.
وتتجلى الأهمية العملية للوصية في كونها أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية وصلة الرحم، لا سيما من خلال مؤسسة التنزيل (الوصية الواجبة) المنصوص عليها في المواد 315 إلى 320 من مدونة الأسرة، والتي تضمن حقوق الأحفاد الذين فقدوا أباهم أو أمهم قبل وفاة جدهم.
وقد أثارت الوصية عدة إشكاليات عملية وقضائية، منها ما يتعلق بشكلية الوصية وإثباتها، ومنها ما يرتبط بحدود الثلث وإجازة الورثة، فضلاً عن التطبيق القضائي لأحكام التنزيل.
وعليه، تتمحور الإشكالية المركزية لهذا الموضوع حول التساؤل التالي:
إلى أي حد نجح المشرع المغربي في تنظيم أحكام الوصية بما يحقق التوازن بين إرادة الموصي وحماية حقوق الورثة، وما مدى فعالية مؤسسة التنزيل في تحقيق العدالة بين الأحفاد؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، سنعتمد التقسيم التالي:
•المبحث الأول: شروط الوصية وأركانها
•المبحث الثاني: إجراءات تنفيذ الوصية والتنزيل
المبحث الأول: شروط الوصية وأركانها
المطلب الأول: مفهوم الوصية وأركان انعقادها
الفقرة الأولى: تعريف الوصية وطبيعتها القانونية
عرّف المشرع المغربي الوصية في
المادة 277 من مدونة الأسرة بأنها “عقد يوجب حقاً في ثلث مال عاقده يلزم بموته”.
ويستفاد من هذا التعريف التشريعي أن الوصية تصرف قانوني من جانب واحد، يُنشئ حقاً للموصى له في حدود ثلث التركة، ولا يُنتج آثاره إلا بعد وفاة الموصي. وقد وصف المشرع الوصية بأنها “عقد” وإن كانت في حقيقتها تصرفاً بإرادة منفردة، وذلك تأثراً بالمصطلح الفقهي المالكي الذي يُطلق لفظ العقد على كل تصرف إرادي. وتتميز الوصية عن سائر التبرعات بكونها مضافة إلى ما بعد الموت، فلا تُنقل الملكية إلى الموصى له إلا بعد وفاة الموصي، خلافاً للهبة التي تنتج آثارها في حياة المتبرع.
وتتسم الوصية بعدة خصائص جوهرية تميزها عن غيرها من التصرفات القانونية:
فهي أولاً تصرف تبرعي لا يقتضي عوضاً من الموصى له،
وثانياً تصرف مضاف إلى ما بعد الموت لا ينتج آثاره في حياة الموصي،
وثالثاً تصرف قابل للرجوع إذ يحق للموصي العدول عنه في أي وقت وفقاً للمادة 286 من المدونة التي تنص على أن “للموصي حق الرجوع في وصيته وإلغائها، ولو التزم بعدم الرجوع فيها”.
ورابعاً، هي تصرف محدود بثلث التركة حماية لحقوق الورثة، إلا إذا أجازوا ما زاد عن الثلث.
وقد أكد القضاء المغربي هذه الخصائص في عدة قرارات، منها قرار محكمة النقض عدد 478 بتاريخ 21 نونبر 2012 الذي أكد أن الوصية لا تنتج آثارها إلا بعد وفاة الموصي وأنها قابلة للرجوع فيها مطلقاً.
الفقرة الثانية: أركان الوصية وشروط صحتها
تقوم الوصية على أربعة أركان أساسية حددتها مدونة الأسرة:
الموصي والموصى له والموصى به والصيغة (الإيجاب والقبول).
فبالنسبة للموصي، اشترطت المادة 279 أن يكون راشداً، غير أنها أجازت صحة الوصية من المجنون حال إفاقته ومن السفيه والمعتوه، وهو ما يعكس مرونة المشرع في تمكين هؤلاء من التصرف في أموالهم بعد وفاتهم. كما اشترطت المادة 278 أن يكون عقد الوصية خالياً من التناقض والتخليط مع سلامته مما مُنع شرعاً، وهو شرط يتعلق بصحة الإرادة وسلامتها من العيوب.
أما الموصى له، فقد نصت المادة 281 على أنه “تصح الوصية لكل من صح شرعاً تملكه للموصى به حقيقة أو حكماً”، كما أجازت المادة 282 الوصية لمن كان موجوداً وقتها أو منتظر الوجود كالحمل. غير أن المادة 283 وضعت شرطين أساسيين في الموصى له: ألا تكون له صفة الوارث وقت موت الموصي (تطبيقاً لقاعدة “لا وصية لوارث” المستمدة من الحديث النبوي)، وعدم قتله للموصي عمداً.
وبخصوص الموصى به، فقد اشترطت المادة 292 أن يكون قابلاً للتملك في نفسه، ويصح أن يكون عيناً أو منفعة لمدة محددة أو مؤبدة وفقاً للمادة 294.
وأخيراً، فإن الصيغة تنعقد بإيجاب من جانب واحد وهو الموصي حسب المادة 284، ويصح تعليقها بالشرط وتقييدها وفقاً للمادة 285 شريطة ألا يكون الشرط مخالفاً للمقاصد الشرعية.
ومن الأمثلة الواقعية على تطبيق هذه الشروط، ما عرضته محكمة الاستئناف بفاس في قضية تتعلق بوصية صادرة من شخص مصاب بمرض الزهايمر، حيث قضت ببطلان الوصية لانعدام الأهلية وقت تحريرها، مؤكدة ضرورة توفر الإدراك والتمييز لدى الموصي وقت إنشاء الوصية.
المطلب الثاني: شكل الوصية وحدودها المالية
الفقرة الأولى: الشكلية المطلوبة في الوصية
أولى المشرع المغربي أهمية كبرى لشكل الوصية ضماناً لإثباتها وحماية لحقوق الأطراف. فقد نصت المادة 295 على أن الوصية “تنعقد بما يدل عليها من عبارة أو كتابة أو بالإشارة المفهمة إذا كان الموصي عاجزاً عنهما”، مما يعني أن المشرع أقر تعدد وسائل التعبير عن الوصية.
غير أن المادة 296 اشترطت لصحة الوصية شكلية معينة تتمثل في أحد الأمور التالية: الإشهاد العدلي، أو إشهاد أية جهة رسمية مكلفة بالتوثيق (كالموثقين العصريين وفقاً للقانون رقم 32.09)، أو أن يحررها الموصي بخط يده مع إمضائه.
وقد أضافت المادة 296 في فقرتها الثانية حكماً استثنائياً مهماً يتعلق بحالة الضرورة الملحة التي يتعذر معها الإشهاد أو الكتابة، حيث أجازت للموصي أن يُشهد على وصيته من اتفق حضورهم من الشهود، شريطة أن لا يسفر البحث والتحقيق عن ريبة في شهادتهم، وأن تؤدى هذه الشهادة يوم التمكن من أدائها أمام القاضي الذي يصدر الإذن بتوثيقها. وهذا الحكم يعكس حرص المشرع على عدم تفويت حق الموصي في الوصية بسبب ظروف طارئة كالمرض المفاجئ أو الحوادث. كما نصت المادة 296 على أنه يُخطر الورثة فوراً ويتضمن الإخطار مقتضيات هذه الفقرة.
وبخصوص الوصية المحررة بخط اليد، فقد اشترطت المادة 297 أن يُصرّح في عقد الوصية المنعقدة بخط يد الموصي بما يفيد الإذن بتنفيذها، وللموصي أن يوجه نسخة من وصيته أو تراجعه عنها للقاضي قصد فتح ملف خاص بها. وقد أثار شكل الوصية إشكاليات عملية عديدة أمام القضاء المغربي، خاصة فيما يتعلق بالوصايا الشفوية التي يدّعيها بعض الأشخاص بعد وفاة الموصي، حيث استقر الاجتهاد القضائي على ضرورة احترام الشكلية المنصوص عليها في المادة 296 وعدم قبول الوصية الشفوية إلا في حالة الضرورة المثبتة.
الفقرة الثانية: حدود الوصية المالية وقاعدة الثلث
وضع المشرع المغربي حداً مالياً للوصية لا يجوز تجاوزه حماية لحقوق الورثة، وهو ثلث التركة. فقد نص تعريف الوصية في المادة 277 ذاته على أنها توجب حقاً “في ثلث مال عاقده”، مما يعني أن الوصية لا تنفذ فيما زاد عن الثلث إلا بإجازة الورثة. وقد فصّلت المادة 301 هذا الحكم بالنص على أن “الثلث يُعتبر بالنسبة لما تبقى من التركة بعد الوفاء بالحقوق التي تخرج من التركة قبل الوصية”، أي أن الثلث يُحسب من صافي التركة بعد خصم مؤونة التجهيز والديون.
وفي حالة تعدد الوصايا وضيق الثلث عنها، نصت المادة 302 على أنه “إذا ضاق الثلث عن الوصايا المتساوية رتبة تحاصّ أهل الوصايا في الثلث”، مع تمييز بين الوصية في شيء معين والوصية في غير معين. أما المادة 303 فقد أجازت للورثة إجازة وصية لوارث أو بأكثر من الثلث، شريطة أن تكون الإجازة بعد موت الموصي أو في مرضه المخوف المتصل بموته. وقد نصت المادة 300 على أنه إذا كانت الوصية بمثل نصيب أحد الورثة من غير تعيين، فللموصى له جزء من عدد رؤوسهم وليس له ما زاد على الثلث إلا بإجازة الورثة الرشداء.
ومن الأمثلة الواقعية التي تُجسّد إشكالية حدود الثلث، حالة شخص أوصى بثلث ماله لجمعية خيرية وبثلث آخر لمسجد، فإن الوصيتين معاً تتجاوزان الثلث المسموح به، وبالتالي يتحاصّ المستفيدون في الثلث بالتساوي ما لم يُجز الورثة الزيادة. وقد عالج القضاء المغربي هذه الإشكالية في عدة قرارات، منها قرار محكمة النقض عدد 312 بتاريخ 15 يونيو 2010 الذي أكد أن الوصية بأكثر من الثلث لا تنفذ إلا بإجازة صريحة من جميع الورثة الرشداء.
المبحث الثاني: إجراءات تنفيذ الوصية والتنزيل
المطلب الأول: تنفيذ الوصية وحالات إبطالها
الفقرة الأولى: آليات تنفيذ الوصية
نظّم المشرع المغربي إجراءات تنفيذ الوصية في المواد 298 وما بعدها من مدونة الأسرة. فقد نصت المادة 298 على أنه “ينفذ الوصية من أسند إليه الموصي تنفيذها. فإن لم يوجد ولم يتفق الأطراف على تنفيذها، يقوم بذلك من يعينه القاضي لهذه الغاية”. ويُستفاد من هذا النص أن المشرع وضع ترتيباً تسلسلياً لتحديد المكلف بتنفيذ الوصية: أولاً الشخص المعين من طرف الموصي (الوصي على تنفيذ الوصية)، ثم من يتفق عليه الأطراف، وأخيراً من يعينه القاضي. وهذا الترتيب يعكس احترام إرادة الموصي مع ضمان تنفيذ الوصية في جميع الأحوال.
وقد وضع المشرع قيوداً على تنفيذ الوصية في بعض الحالات الخاصة. فقد نصت المادة 299 على أنه “لا تنفذ الوصية في تركة استغرقها الدين، إلا بإجازة الدائن الكامل الأهلية أو بسقوط الدين”، وهو ما يعني تقديم حقوق الدائنين على الوصية، تطبيقاً للقاعدة الفقهية “لا وصية إلا بعد الدين”. كما أن الوصية لغير معين لا تحتاج إلى قبول ولا ترد برد أحد وفقاً للمادة 288، بينما الوصية لشخص معين ترد برده إذا كان كامل الأهلية حسب المادة 289، ولا يُعتبر رد الموصى له إلا بعد وفاة الموصي طبقاً للمادة 290.
ومن الناحية العملية، يطرح تنفيذ الوصية إشكاليات متعددة، خاصة عندما يتعلق الأمر بوصايا متعارضة أو بوصية في مال مشاع. فقد عالج المشرع حالة الوصايا المتعارضة في المادة 306 التي نصت على أنه “من أوصى بشيء معين لشخص ثم أوصى به لآخر، اعتبرت الوصية الثانية إلغاء للأولى”، وهو ما يُعرف بالرجوع الضمني عن الوصية. كما يمكن أن يقع الرجوع بالقول الصريح أو الضمني أو بالفعل كبيع العين الموصى بها وفقاً للمادة 287.
الفقرة الثانية: حالات إبطال الوصية
حدد المشرع المغربي حالات إبطال الوصية في المادة 314 التي نصت على أن الوصية تبطل بأربعة أسباب:
أولاً بموت الموصى له قبل الموصي، لأن الوصية حق شخصي يرتبط بشخص الموصى له ولا ينتقل إلى ورثته إلا إذا كان قد قبلها في حياة الموصي ثم مات بعده.
ثانياً بهلاك الموصى به المعين قبل وفاة الموصي، لأن الوصية تفقد محلها.
ثالثاً برجوع الموصي عن الوصية، وهو حق مطلق له وفقاً للمادة 286 التي تنص على أن “للموصي حق الرجوع في وصيته وإلغائها، ولو التزم بعدم الرجوع فيها، وله إدخال شروط عليها وإشراك الغير فيها، وإلغاء بعضها كما شاء وفي أي وقت يشاء، في صحته أو مرضه”.
رابعاً برد الموصى له الراشد الوصية بعد وفاة الموصي.
وإلى جانب هذه الحالات المنصوص عليها صراحة، هناك حالات أخرى تؤدي إلى بطلان الوصية يمكن استنباطها من النصوص العامة، كحالة الوصية لوارث دون إجازة بقية الورثة (المادة 280)، أو الوصية بأكثر من الثلث دون إجازة الورثة، أو الوصية المشوبة بعيب من عيوب الإرادة كالإكراه أو التدليس. وقد أضافت المادة 307 حكماً خاصاً بحالة وفاة الموصى له بعد انفصاله حياً عن الموصي، حيث يستحق وصيته ويُعدّ ما استحقه من جملة تركته. كما نصت المادة 313 على أنه إذا كان الموصى له من سيولد لشخص ثم مات ذلك الشخص ولم يترك ولداً ولا حملاً عادت الوصية ميراثاً.
ومن القضايا الواقعية التي عرضت على القضاء المغربي في هذا الصدد، قضية تتعلق بشخص أوصى لأحد أبنائه بعقار معين، فطعن بقية الورثة في الوصية على أساس أنها وصية لوارث. وقد قضت محكمة النقض بإبطال الوصية لمخالفتها لقاعدة “لا وصية لوارث” المكرسة في المادة 280، مؤكدة أن هذه القاعدة من النظام العام ولا يجوز مخالفتها إلا بإجازة صريحة من بقية الورثة بعد وفاة الموصي.
المطلب الثاني: التنزيل (الوصية الواجبة)
الفقرة الأولى: مفهوم التنزيل وشروطه
يُعدّ التنزيل من أهم المستحدثات التي جاءت بها مدونة الأسرة المغربية في مجال الوصية، وهو نظام يهدف إلى حماية حقوق الأحفاد الذين فقدوا أباهم أو أمهم قبل وفاة جدهم أو جدتهم. وقد عرّفت المادة 315 التنزيل بأنه “إلحاق شخص غير وارث بوارث وإنزاله منزلته”، وهو بذلك آلية قانونية تُمكّن الأحفاد المحرومين من الإرث بسبب وفاة أصلهم من الحصول على نصيب من تركة جدهم أو جدتهم في حدود الثلث.
وقد نظّم المشرع المغربي أحكام الوصية الواجبة في المواد 369 إلى 372 من مدونة الأسرة (القسم الثامن من الكتاب السادس المتعلق بالميراث). فقد نصت المادة 369 على أنه “من توفي وله أولاد ابن أو أولاد بنت ومات الابن أو البنت قبله أو معه وجب لأحفاده هؤلاء في ثلث تركته وصية بالمقدار والشروط الآتية”. ويُستفاد من هذا النص أن الوصية الواجبة تتحقق بتوفر شروط محددة: أن يكون للمتوفى أحفاد من ابن أو بنت، وأن يكون هذا الابن أو البنت قد توفي قبل المورّث أو معه، وأن لا يكون المورّث قد أوصى لهؤلاء الأحفاد أو أعطاهم في حياته ما يعادل ما يستحقونه بالوصية الواجبة.
وقد حددت المادة 370 مقدار الوصية الواجبة بأنها تكون “بمقدار حصتهم مما يرثه أبوهم أو أمهم عن أصله المتوفى على فرض موت موروثهم إثر وفاة أصله المذكور على أن لا يتجاوز ذلك ثلث التركة”. وهذا يعني أن الوصية الواجبة تُحسب على أساس افتراض أن الأب أو الأم المتوفى كان حياً عند وفاة الجد، ثم يُحسب نصيبه الافتراضي ويُوزّع على أحفاده، مع مراعاة ألا يتجاوز المجموع ثلث التركة.
ومن الأمثلة التوضيحية: إذا توفي شخص وترك ابناً وأحفاداً من ابن آخر متوفى، فإن الأحفاد يستحقون وصية واجبة بمقدار ما كان سيرثه أبوهم لو كان حياً، في حدود الثلث.
الفقرة الثانية: أحكام التنزيل وإشكالياته العملية
وضع المشرع المغربي أحكاماً تفصيلية للتنزيل تعالج مختلف الحالات التي قد تُعرض عملياً. فقد نصت المادة 316 على أن التنزيل ينعقد بما تنعقد به الوصية، مثل قول المنزّل: “فلان وارث مع ولدي” أو “ألحقوه بميراثي” أو “ورّثوه في مالي”، وهو كالوصية تطبق عليه أحكامها ما عدا التفاضل. وقد عالجت المادة 317 حالة وجود ذي فرض في مسألة المنزّل مع عبارة صريحة في التسوية، حيث تُحسب المسألة بطريقة العول. أما إذا لم تكن العبارة صريحة في التسوية، فيُعطى للملحق به مثل ما أُعطي للملحق به، ثم تُجمع الحظوظ الباقية لذوي الفروض وغيرهم وتُجعل المسألة كأنه لا تنزيل.
وقد نصت المادة 371 على أنه “لا يستحق هؤلاء الأحفاد وصية، إذا كانوا وارثين لأصل موروثهم جداً كان أو جدة، أو كان قد أوصى لهم أو أعطاهم في حياته بلا عوض مقدار ما يستحقون بهذه الوصية الواجبة”. وهذا يعني أن الوصية الواجبة لا تجب إلا إذا كان الأحفاد محرومين فعلاً من الإرث ولم يحصلوا على ما يعادل نصيبهم بطريق آخر. كما نصت المادة 318 على أنه إذا لم يكن في مسألة المنزّل ذو فرض، فإن كان المنزّل ذكراً جُعل كواحد من ذكور الورثة، وإن كان أنثى جُعلت كواحدة من إناثهم. وأخيراً، نصت المادة 320 على أن “كل ما لم تشمله أحكام التنزيل يرجع فيه لأحكام الوصية”.
ومن أبرز الإشكاليات العملية المرتبطة بالتنزيل، مسألة تزاحم الوصية الواجبة مع الوصية الاختيارية عندما يكون الموصي قد أوصى بثلث ماله لجهة معينة وله في الوقت ذاته أحفاد يستحقون الوصية الواجبة. وقد استقر الاجتهاد القضائي المغربي على تقديم الوصية الواجبة على الوصية الاختيارية عند التزاحم، باعتبار أن الأولى مفروضة بقوة القانون. كما أثارت مسألة أحفاد البنت جدلاً فقهياً وقضائياً، حيث أن المشرع المغربي أدرج أولاد البنت ضمن المستفيدين من الوصية الواجبة خلافاً لبعض التشريعات العربية الأخرى التي تقصرها على أولاد الابن فقط. ومن المستجدات المرتبطة بمراجعة مدونة الأسرة لسنة 2024، المقترحات المتعلقة بتوسيع نطاق الوصية الواجبة وتعزيز حماية الأحفاد، مع مراعاة مبدأ المساواة بين أولاد الابن وأولاد البنت.
خاتمة
يتضح من خلال دراسة أحكام الوصية في مدونة الأسرة المغربية أن المشرع قد وضع إطاراً قانونياً متكاملاً يُنظّم هذا التصرف من حيث شروطه وأركانه وشكله وحدوده المالية وإجراءات تنفيذه وحالات إبطاله. وقد حرص المشرع على تحقيق التوازن بين إرادة الموصي في التصرف في جزء من ماله بعد وفاته وبين حماية حقوق الورثة الشرعيين من خلال تقييد الوصية بثلث التركة واشتراط إجازة الورثة لما زاد عنه.
كما يتبيّن أن مؤسسة التنزيل (الوصية الواجبة) تُشكّل إضافة نوعية مهمة في المنظومة القانونية المغربية، إذ تضمن حقوق الأحفاد المحرومين من الإرث بسبب وفاة أصلهم، وتُحقق بذلك بُعداً اجتماعياً وإنسانياً يتجاوز الإطار القانوني الصرف. غير أن التطبيق العملي لأحكام الوصية والتنزيل لا يزال يطرح بعض الإشكاليات التي تستدعي تدخلاً تشريعياً أو اجتهاداً قضائياً، لا سيما فيما يتعلق بشكلية الوصية وإثباتها، وبحساب الوصية الواجبة في الحالات المعقدة، وبالتوفيق بين الوصية الواجبة والوصية الاختيارية عند التزاحم.
وفي سياق مراجعة مدونة الأسرة التي أطلقها المغرب سنة 2024، يُنتظر أن تُعالج بعض هذه الإشكاليات من خلال تحديث النصوص القانونية وتوضيحها، بما يُعزز الأمن القانوني ويُحقق العدالة الاجتماعية في مجال الوصية والتنزيل.
المراجع
1.مدونة الأسرة المغربية – القانون رقم 70.03 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.04.22 بتاريخ 3 فبراير 2004، الكتاب الخامس (المواد 277-320) والكتاب السادس – القسم الثامن (المواد 369-372).
2.محمد الكشبور، شرح مدونة الأسرة – الجزء الثالث: الوصية والميراث، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
3.أحمد الخمليشي، التعليق على قانون الأحوال الشخصية – الجزء الثاني: الوصية والميراث، دار نشر المعرفة، الرباط.
4.عبد الكريم شهبون، شرح مدونة الأحوال الشخصية المغربية – الوصية والميراث، مطبعة النجاح الجديدة.
5.إدريس الفاخوري، قانون الأسرة المغربي – أحكام الوصية والميراث، دار الأمان، الرباط.
6.قرارات محكمة النقض المغربية في مادة الوصية والتنزيل (منشورات مجلة قضاء محكمة النقض).
7.الرأي الاستشاري للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بشأن مراجعة مدونة الأسرة، 2024.
8.القانون رقم 32.09 المتعلق بتنظيم مهنة التوثيق.
9.القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة.












