الرقابة على دستورية القوانين

الرقابة على دستورية القوانين

عالـم القانون
القانون العاممقالات قانونية
عالـم القانون7 نوفمبر 2021715
الرقابة على دستورية القوانين

اتخذت الرقابة على دستورية القوانين أكثر من صورة , فمنها الرقابة السياسية ومنها الرقابة القضائية ولكل من هذين النوعين أكثر من وجه , فمن أوجه الرقابة السياسية ما هو سابق على صدور القانون ومنها ما هو لاحق , كما أن من أوجه الرقابة القضائية ما يكفل إلغاء القانون المخالف للدستور ومنها ما يكتفي بالامتناع عن تطبيق هذا القانون على الدعوى المنظورة أمام القضاء .
على اختلاف أنظمة القضاء الدستوري في العالم فأن الرقابة على دستورية القوانين تعتمد على عدة أسس التي تستند سبب وجودها.
خطة البحث:
ارتأينا تقسيم البحث إلى فصلين و مبحثين ، في الأول منهما نتعرض في ثلاث مطالب ، ونبحث في الرقابة الدستورية تعريفها و معناها , أسلوبها السياسي في مطلب أول ،وفي المطلب الثاني نبين الرقابة السياسية معناها , نشأتها و الهيئة المراقبة , بينما يخصص المطلب الثالث إلى عيوب و مزايا الرقابة السياسية.
في المبحث الثاني تنصب الدراسة لرقابة القضائية إذ تتفرع لثلاث مطالب يخصص المطلب الأول لدارسة معنى الرقابة القضائية, أما المطلب الثاني نعرض فيه أنواع الرقابة القضائية و أخيرا المطلب الثالث للمقارنة بين رقابة الإلغاء, و رقابة الامتناع و عيوب الرقابة القضائية.
أما الفصل الثاني فيخصص لدراسة مبدأ تدرج القانون بالمغرب, في مطلبين نتناول في أولهما: سمو الدستور ، بينما يخصص المطلب الثاني لتدرج القوانين بالمغرب.

التصميم :

مقدمة .
الفصل الأول : طرق الرقابة على دستورية القوانين .
المبحث الأول: الرقابة الدستورية تعريفها و معناها ة, أسلوبها السياسي و عيوبه .
المطلب الأول : معنى و تعريف الرقابة على دستورية القوانين .
المطلب الثاني : الرقابة السياسية le contrôle par un organe politique :
معناها ,نشأتها و الهيئة المراقبة.
المطلب الثالث : عيوب ومزايا الرقابة السياسية.
• المبحث الثاني : الرقابة القضائية.
المطلب الاول : معنى الرقابة القضائية.
المطلب الثاني انواع الرقابة القضائية.
المطلب الثالث : المقارنة بين رقابة الإلغاء و رقابة الامتناع, وعيوب ومزايا الرقابة القضائية.

الفصل الثاني : مبدا تدرج القانون (نموذج المغرب)
• المبحث الأول : التشريع المغربي.
المطلب الاول : سمو الدستور .
المطلب الثاني: تدرج القوانين بالمغرب.
خاتمة.

مقدمة :

إن الدستور باعتباره تجسيدا لإرادة الأمة في كيفية تنظيميها و تسير مؤسستها والمنظم للوفاق بين الحرية و السلطة داخل المجتمع من جهة، وبصفته القانون الأساسي في الدولة من جهة أخرى، فهو يحتل المرتبة الأولى في قوانين الدولة التي عليها الالتزام و التقيد بما ورد فيه من أحكام، وبذلك يتحقق تطبيق مبدأ الشرعية، الذي يعني خضوع الحكام و المحكومين لقواعد الدستور وهذا يعني التقيد بمبدأ تدرج القوانين، حيث يخضع التشريع الأدنى للتشريع الأعلى منه درجة، وبالتالي لا يجب أن يتعارض قانون عادي مع أحكام الدستور أي أن تكون القوانين الصادرة في الدولة منسجمة مع أحكامه.
فالدستور في صورته المبسطة هو اتفاق جماعة على تنظيم شؤونها وفق نمط معين في إطار الدولة، و القول بهذا التدرج يتتبع ضرورة التفرقة بين القانون الدستوري و القانون العادي سواء من ناحية الموضوع أو من ناحية الشكل.[1]
فمن ناحية الموضوع نجد أن الدستور هو مصدر كل النشاطات القانونية في الدولة حيث تتحدد السلطات العمومية واختصاصاتها والتي عليها الالتزام بما هو وارد في الدستور.
أما من ناحية الشكل فإن الدستور لا يمكن تعديله إلا بإتباع إجراءات خاصة تختلف عن تلك الإجراءات المتبعة في تعديل القوانين العادية.
بالتالي فإن الدستور يسمو على جميع القوانين و التنظيمات داخل الدولة الواحدة، إذ أن المعاهدات و الاتفاقيات التي تصادق عليها الدولة يجب أن تنسجم مع أحكام الدستور و القوانين و التنظيمات التي تسنها مختلف أجهزة الدولة يجب أن لا تتعارض مع أحكام الدستور، وهذا ما يصطلح عليه بدستورية القوانين والمعاهدات فالرقابة على دستورية القوانين تعتبر إحدى الضمانات الأساسية لحماية الدستور وضمان احترام القوانين داخل نفس المجتمع.
اذن ما هي الرقابة على دستورية القوانين, و ماهي اساليبها ؟
كيف وضع مبدأ تدرج القانون؟

المبحث الأول: الرقابة الدستورية تعريفها و معناها و أسلوبها السياسي و عيوبه
المطلب الأول : معنى و تعريف الرقابة على دستورية القوانين :
يقصد بالرقابة على دستورية القوانين ، إخضاع القانون الصادر عن السلطة التشريعية ، لنوع من الرقابة من قبل جهاز مستقل ، للتأكد من مدى مطابقة و موافقة هذا القانون ، للمبادئ الواردة في الدستور و يركز مفهوم الرقابة ، إذن على كون الدستور هو قانون الدولة الأسمى وأن القواعد الواردة فيه هي الأعلى مرتبة ويتوجب على كل السلطات في الدولة احترامها و العمل بموجبها بما في ذلك السلطة التشريعية .
وفي ضوء ما تقدم يمكن القول بأن وجود جهة تتولى رقابة دستورية للقوانين يمثل ضمانة هامة للحقوق التي تقررت في صلب الوثيقة الدستورية أو في ديباجتها ذلك لأن الغرض من هذه الرقابة يتمثل في منع مخالفة القانون للدستور ، أو الانحراف في استعمال السلطة التشريعية.
تعريف الرقابة :
المعني اللغوي للرقابة :
اسم مشتق من ,CONTRE ROLE ومن CONTRE و ROLE و عن اللاتينية ROTULUS بمعنى التحقق من توافق قرار أو وضع أو مسلك أو معيار ما .
و هي بذلك عملية ترتكز على التحقق مما إذا كان جهاز عمومي أو فرد أو عمل يحترم أو احترام متطلبات الوظيفة أو القواعد المفروضة عليه .
و بالتعميم تدل على السلطة التي تجري هذه الرقابة و النتيجة السلبية للرقابة رفض إعطاء إعلان الحذف و النقض [2] .
فالرقابة في المعنى اللغوي مأخوذة من الفعل راقب , يراقب , مراقبة و رقابة أي تابع الشيء إلى نهايته و تعني في هذا الصدد الإشراف و الفحص و التفتيش و كذلك المراجعة و التحقيق.
و يقصد بالرقابة على دستورية القوانين منع صدور نصوص قانونية مخالفة للدستور، فهي وسيلة لحماية الدستور من أي خرف أو اعتداء و إلى وضع مبدأ سموه على غيره من النصوص الأخرى موضع التطبيق،(أي تطبيق قاعدة سمو الدستور)، و في هذا النطاق نجد فكرتين متعارضتين بخصوص الرقابة على دستورية القوانين، فأنصار الفكرة الأولى يرفضون فكرة الرقابة ، بحيث يرون بأن الرئيس هو حامي الدستور، وهذا قد يؤدي إلى سهولة صدور قوانين مخالفة للدستور، في حين نجد أصحاب الفكرة المعارضة يقرون بوجوب الرقابة على دستورية القوانين، مهما كان نوعها سياسية أو قضائية.
 رقابة دستورية القوانين :
لضمان سمو الدستور فقد نشأت رقابة على القوانين العادية بحيث لا تكون هذه القوانين مخالفة لمبادئ او لروح المواد الدستورية الموجودة في الدساتير المكتوبة اي توضع رقابة على المشرع الذي يصدر القوانين العادية و بطبيعة الحال يجب ان يعهد الى هيئة معينة غير التي تشرع هذه القوانين لضمان عدم معارضتها للدستور ولذلك لان وضع هذه الرقابة بيد السلطة التشريعية يعني بالتالي التفات هذه الهيئة على المبدأ القائل بوجود مراقبة دستورية القوانين لأنه من غير المتصور بان السلطة التي تضع القانون تراقب نفسها [3] . و لذلك فقد عهدت الدول إلى إيجاد رقابة على دستورية القوانين و هذه الرقابة يمكن ان توجد متخذة شكل احد النوعين التالين
فهناك أولا الرقابة السياسية أو الرقابة غير القضائية .
و النوع الثاني هو الرقابة القضائية لدستورية القوانين .
جرى الفقه, و كذا الحياة السياسية العملية للدول على تقسيم الرقابة على دستورية القوانين بالنظر الى الجهة التي تمارس الرقابة إلى نوعين أو أسلوبين .رقابة سياسية إذا كانت الجهة التي تراقب تطابق القوانين مع أحكام الدستور هيئة ذات طابع سياسي و ندرس الرقابة القضائية التي تراقب بهيئة قضائية .
المطلب الثاني : الرقابة السياسية :Le contrôle par un organe politique معناها و نشأتها و الهيئة المراقبة :
 أولا : تحديد معناها :
الرقابة السياسية هي رقابة وقائية contrôle préventif و سابقة على إصدار القانون , تتم ممارستها من قبل هيئة سياسية خاصة أنشاها الدستور .فهي سياسية لأنها تعهد عملية الرقابة على دستورية القوانين إلى هيئة سياسية حددها الدستور (غير البرلمان آو الحكومة آو القضاء ) , وهي وقائية لأنها تهدف إلى الحيلولة دون إصدار القوانين غير الدستورية , أو بمعنى أخر , اتقاء عدم دستورية القوانين قبل و قوعها , [4] لان هذه الرقابة تمارس على القوانين المجمع إصدارها , أي على القوانين التي تم إقرارها من قبل البرلمان و لم يتم بعد إصدارها من قبل رئيس الدولة .
 ثانيا : نشأت الرقابة السياسية :
من المعروف أن الرقابة السياسية نشأت أول مرة في فرنسا بموجب دستور السنة الثامنة لإعلان الجمهورية الصادرة عام 1799 ( [5] ) تحت ظل الحكم النابليوني و ذلك بتأثير من احد رجالات الثورة الفرنسية البارزين وقد انشات مجلسا أطلق عليه اسم ((مجلس الشيوخ الحامي لدستور )) le Senat conservateur و كلفه بالسهر على احترام القوانين الدستورية و القيام بمراقبة القوانين قبل صدورها .
و استمر ت فرنسا في تطبيقها حتى الوقت الحاضر , ومنها أخذت بهذه الطريقة بعض الدول الإفريقية المستقلة عن فرنسا و كذا غالبية الدول الاشتراكية و الاتحاد السوفيتي السابق.
 ثالثا : تكوين هيئة خاصة للرقابة على دستورية القوانين :
تلجأ معظم دساتير الدول التي تختار طريق الرقابة السياسية إسنادها إلى هيئة خاصة مستقلة تتولى الرقابة على دستورية القوانين على وجه الخصوص قبل صدورها في الغالب الأعم لتكون رقابة وقائية تستهدف منع صدور القانون إذا كان مخالفا ” للدستور , وقد يتم تشكيل هذه الهيئة أما بطريقة التعيين من جانب البرلمان أو السلطة التنفيذية , أو منهما معا ” , أو بطريق الانتخاب من القاعدة الشعبية أو من خلال أعضاء اللجنة ذاتها بعد تشكيلها لأول مرة , ويستمد هذا الاتجاه أساسه من مبدأ الفصل بين السلطات بتنفيذه على نحو يمنع تدخل السلطة القضائية في أعمال السلطة التشريعية , ولتفادي احتمال سيطرة أو هيمنة القضاء على البرلمان بما يهدد استقلاله ( [6])
“لهذا انشأ المغرب المجلس الدستوري و يتألف هذا المجلس الذي تم تنصيبه طبقا لدستور 1996 ، من اثنتي عشر عضوا يعين جلالة الملك ستة منهم باحتساب الرئيس ، بينما يعين كل من رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين ثلاثة أعضاء وذلك بعد استشارة الفرق البرلمانية . ولا يخضع تعيين الأعضاء لشروط خاصة إلا أن اختيارهم يتم غالبا من بين رجال القانون : أساتذة وقضاة ومحامون وقد تقلد منصب الرئاسة على التوالي وزير سابق ثم خلفه قيدوم سابق لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط” [7]
و قد اخذ المغرب أيضا بأسلوب الرقابة السياسية و لكنه قصرها فقط على القوانين التنظيمية التي أناط الدستور بها أمر تنظيم بعض القضايا الهامة الواردة فيه. و على القانون الخاص بالنظام الداخلي لمجلس النواب. فلقد نص دستوره لعام 1972 , على إنشاء ((غرفة دستورية في المجلس الأعلى ))يراسها الرئيس الأول لهذا المجلس و تضم في عضويتها ثلاثة أعضاء يعينون بظهير شريف لمدة أربع سنوات و ثلاثة أعضاء آخرين يعينهم رئيس مجلس النواب بعد استشارة فروق المجلس في مستهل مدة النيابة. و تتولى الغرفة الدستورية صلاحية مراقبة دستورية القوانين التنظيمية و القانون المتضمن النظام الداخلي لمجلس النواب و ذلك بعد التصويت عليها من قبل هذا المجلس. وتحال القوانين التنظيمية الى الغرفة بناء على طلب الوزير الأول , إما قانون النظام الداخلي فيحال إليها بطلب من رئيس مجلس النواب.
فإذا قررت الغرفة أن احد مقتضيات القانون التنظيمي آو قانون نظام المجلس غير مطابق للدستور حال ذلك دون إصدار الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي , آو الشروع في تطبيق مقتضى النظام من طرف مجلس النواب .
غير انه إذا قررت الغرفة إن القانون التنظيمي المعروض عليها يحتوي على مقتضى غير مطابق للدستور و لكن يمكن فصله عن مجموع هذا القانون , فللملك أن يصدر الأمر بتنفيذ القانون التنظيمي باستثناء المقتضى المقصود.

المطلب الثالث : عيوب ومزايا الرقابة السياسية :
لاشك إن الرقابة السياسية على دستورية القوانين تمارس وظيفة مهمة في إعلاء كلمة الدستور وتنفيذ أحكامه ولكن الآليات القانونية التي يقصد بها الدفاع عن مبدأ سمو الدستور وما تؤدي إليه من رقابة لدستورية القوانين ليست صورة واحدة في كل البلاد فقد تنشئ آليات قانونية خاصة تتماشى مع فلسفتها وظروفها فمن الدول من اتبع أسلوب الرقابة السياسية متجاوزا عن عيوبها ومنها من سلك سبيلا آخر في الرقابة .
غير إن الطرفين اتفقا على ضرورة وجود رقابة على دستورية القوانين وفي هذا الجزء من الدراسة نبحث في عيوب ومزايا الرقابة السياسية على دستورية القوانين.
 أولا : عيوب الرقابة السياسية:
درج جانب من الفقه على تفضيل الرقابة القضائية على السياسية لاعتبارات معينة لعل أهمها:
1 -الهيئة السياسية تخضع بطبيعتها للأهواء والنزوات السياسية والحزبية التي تسيطر على عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية , وهو الأمر الذي يؤدي في الأصل إلى الخروج على الدستور , ومن ثم فان الطريق السياسي للرقابة لن يعني سوى إحلال هذه الهيئة بنزعاتها محل أهواء ونزعات الهيئات السياسية الأخرى فتغدو الرقابة غير منتجة أو مؤثرة بما يشكل خطرا” سياسيا” على الدستور ومبادئه.
2- قد لا تتوفر لدى القائمين على الرقابة السياسية القدرة الفنية والخبرة القانونية الكافية لمباشرة الرقابة الدستورية , علاوة على عدم تمتعهم بضمانات الحيدة والاستقلال التي تتوفر للقضاء , مما يضعف هذه الرقابة لمدى بعيد خاصة مع تأثر أغلبية هؤلاء الأعضاء باتجاهات السلطة التي تقوم بتعينهم وخضوعهم لتعليماتها , وحتى إذا تم انتخابهم بواسطة الشعب فانه سيسيطر على عملها نفس الاتجاهات السياسية التي تسيطر على البرلمان , علاوة على إحساسهم بالعلو عليه مما يؤدي إلى تفاقم الصراع بين السلطات وبث الاضطراب السياسي في الدولة( [8])
3- إذا كان تحريك الرقابة يعود للسلطة التنفيذية أو السلطة التشريعية فان ذلك يؤدي إلى إقامة الطعن في دستورية القانون على اعتبارات سياسية أكثر من إقامتها على اعتبارات قانونية وموضوعية , وإذا كانت الرقابة تمارس بشكل تلقائي من قبل هيئة الرقابة وذلك كجزء من متطلبات العملية التشريعية , فان ذلك يخلق من هيئة الرقابة مشرعا” آخر لان القانون لا يمكن ان يشرع ويصدر دون موافقتها , أي أن مصير القانون في هذه الحالة سيتوقف على إرادة هيئة الرقابة( [9])
يقول الدكتور منذر الشاوي , من هنا كان خطر الرقابة السياسية أكبر من خطر الرقابة القضائية لان تدخّل القضاة في العمل التشريعي هو تدخّل استثنائي , فالقاضي لا ينظر في دستورية قانون ما إلا إذا أثيرت هذه الدستورية من قبل الغير , بينما تدخّل هيئة الرقابة السياسية في العمل التشريعي , هو تدخّل منهجي , بمعنى أن الرقابة تمارس على جميع مشاريع القوانين , فميكانيكية الرقابة السياسية على دستورية مشاريع القوانين. لا تضمن علوية الدستور , وهذا هو المعنى الذي تتضمنه هذه الطريقة من الرقابة , فتارة تعطى الأولوية للقابضين على السلطة احتكار تحريك الرقابة , وتارة تعطى الأولوية أو يجب أن تعطى بحكم المنطق إلى هيئة الرقابة ( حالة الرقابة الأوتوماتيكية) وفي الحالتين يكون مصير الدستور متوقف على إرادة الحكام , أو على إرادة هيئة الرقابة [10]
4- منع الأفراد من حق الطعن في دستورية القوانين في مختلف الدول التي تأخذ بهذا الأسلوب من أساليب الرقابة مما يؤدي إلى أن تصبح الرقابة مقرره لمصلحة السلطات العامة والقائمين عليها وليست لصالح الدستور والحريات الفردية مما ينفي الحياد الواجب تحققه في هذه الوظيفة .
 ثانيا : مزايا الرقابة السياسية:
يشير الفقه إلى أن للرقابة السياسية على دستورية القوانين المزايا التالية:
1- تتفق الرقابة السياسية مع طبيعة عمل السلطة التشريعية والذي تتداخل فيه الاعتبارات السياسية مع الاعتبارات القانونية , لان الرقابة على الدستورية هي مسألة قانونية في موضوعها , وسياسية في آثارها فانه من الاوفق أن تباشره هيئة سياسية يقوم بتشكيلها البرلمان وتتكون من أعضائه أساسا تلافيا لعوامل الحساسية والتحدي ومحاولة السيطرة المتبادلة بينهما .
2- لا تقتصر الرقابة السياسية على الجوانب القانونية فحسب وإنما تمتد لتشمل الجوانب السياسية المحيطة بالعمل محل الرقابة , وتقدير مدى الآثار المترتبة على الرقابة سواء من حيث دستورية هذا العمل أو من حيث ملائمته .
3- الرقابة السياسية رقابة وقائية غالبا فهي تحول أصلا” دون صدور العمل غير الدستوري وتمنع بعد صدوره الجدل حول دستوريته وتتفادى خطر تضارب الأحكام القضائية الذي يحدث في حالة الأخذ برقابة الامتناع مما يضاعف من فعالية هذه الرقابة لان الوقاية خير من العلاج .
و إذا كنا نسلم بان الرقابة السياسية غالبا ما تقوم على اعتبارات سياسية أكثر منها قانونية , وان إبعاد الأفراد العاديين من ممارسة الطعن في دستورية قانون ما , هو مثلبة على الرقابة السياسية , ونتفق مع من يقول بهذه الانتقادات , إلا إننا نختلف معهم بخصوص تعيين الأعضاء الذين يمارسون هذه الرقابة من أن الأعضاء المعينين لا يتمتعون بمؤهلات قانونية , فلو تتبعنا أعضاء المجلس الدستوري الفرنسي الذين يخضعون للتعيين , فالغالبية العظمى لديهم مؤهلات قانونية وحاصلين على شهادات في الحقوق وهم الذين يقع العبء الثقيل عليهم في ممارسة مهامهم , , أما الأعضاء الحكميين فإنهم لا يحضرون جلسات المجلس الدستوري , أما ما قيل بمسألة الحيدة والاستقلال من أن هذه المحددات المذكورة تؤثر على حياد من يمارس الرقابة السياسية , ونعتقد أن مسألة الحيدة والاستقلال مسألة نسبية تتعلق بشخصية القاضي , وان كنا نتفق مع ضرورة استقلال السلطة القضائية , فالاستقلال ليس كافيا” أن يوضع بنصوص دستورية وقانونية , فالكثير من الدساتير نصت على استقلال السلطة القضائية , لكن الواقع العملي يشير إلى عكس ذلك نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل بلد , فالعبرة ليست في وضع النصوص الدستورية والقانونية , ولكنها في تطبيق واحترام هذه النصوص من قبل السلطة والأفراد على السواء.

المبحث الثاني : الرقابة القضائية على دستورية القوانين
Contrôle juridictionnel de la Constitutionnalité des lois
المطلب الأول : معنى الرقابة القضائية :
 معنى الرقابة القضائية :
تعني الرقابة القضائية وجود هيئة قضائية تتولى الرقابة على دستورية القوانين و قصد بالرقابة القضائية على دستورية القوانين قيام القضاء بالتحقق من مدى مطابقة القانون لأحكام الدستور. فالرقابة القضائية ترمز إذن إلى الهيئة التي تباشرها وطابعها القضائي.
 الهيئة المختصة بالرقابة القضائية :
إن القيام بالرقابة تتم من قبل هيئة قضائية على دستورية القوانين للمحافظة على علوية الدستور.
و اعتمدت عدة دول في العالم أسلوب الرقابة القضائية لدستورية القوانين و خولت آو سمحت لهيئات قضائية بممارسة هذا النوع من الرقابة و هناك العديد من أنواع الرقابة القضائية إلا أن أهمها هما
أولا : الامتناع من تطبيق القانون الغير دستوري, وهو ما يسمى برقابة الامتناع
ثانيا : الحكم بإلغاء القانون المخالف للدستور , اي ان الرقابة هي رقابة و الالغاء بعد صدور فيطلق عليه الإلغاء لاحق.
المطلب الثاني أنواع الرقابة القضائية :
 الفرع الأول : رقابة الامتناع
قلنا إن رقابة الامتناع تعني امتناع القاضي عن تطبيق القانون غير الدستوري , و تكون دائما لاحقة على إصدار القانون. و لما كان المثال البارز لهذه الرقابة يعود للولايات المتحدة الأمريكية , فإننا سوف نعمل على دراسة هذه الرقابة في الولايات المتحدة الأمريكية .
نشأت هذه الرقابة أولا في الولايات المتحدة الأمريكية و تمارس المحاكم هذه الرقابة القضائية لدستورية القوانين , كل حسب حدود اختصاصاتها .فالمحاكم الاتحادية تراقب دستورية القوانين بالنسبة للقوانين التي تسنها السلطة التشريعية , إما محاكم الولايات فإنها تنظر في دستورية القوانين التي تسنها برلمانات الولايات حيث يراعى من قبل الحاكم نصوص دساتير الولايات و نصوص دستورية الاتحاد المركزي .و الواقع ان دستور الولايات المتحدة لعام ى1787 لم بنص صراحة على جواز مثل هذه الرقابة .
لكن رئيس المحكمة العليا القاضي مارشال اجتهد في هذا الأمر حين نظرت المحكمة بدعوى ماربوري ضد ماديسون في عام 1803.و كانت مبررات اجتهاده تكمن في ان من حق القاضي حين ينظر في قضية ما أن يفصل في المنازعات التي يمكن ان تقوم فيما بين القوانين بشكل عام و القوانين العادية و الدستورية بشكل خاص. و لهذا فان من حقه إذا وجد أن هناك تناقضا بين القانون العادي و الدستور ان يمتنع عن تطبيق الأول , احتراما و التزاما بما نص عليه الدستور باعتباره القانون الاسمي للبلاد.
و على الأساس هذا الاجتهاد . أصبحت رقابة الامتناع القضائية جزءا من النظام الدستوري للولايات المتحدة من الجدير بالذكر أن الأثر القانوني الذي تحدثه هذه الرقابة على القانون المخالف للدستور لا يصل لحد إلغاء هذا القانون و إنما الامتناع عن تطبيقه فقط. كذلك فان قرار محكمة ما بعد دستورية احد القوانين لا يسري أثره , بالأصل إلا عن المتخاصمين في الدعوى المنظور بها. لكن نظام السوابق القضائية المعمول به في الولايات المتحدة الأمريكية و الذي يعني ضرورة تقيد المحاكم الأدنى بالقرارات الصادرة عن المحاكم الأعلى يؤدي إلى تعميم الأثر القانوني للأحكام الصادرة عن المحكمة العليا باعتبارها أعلى هيئة قضائية في الاتحاد [11] . و عليه فان قرارات المحكمة العليا التي قد تعلن عدم دستورية بعض القوانين تكون ملزمة لكافة المحاكم الأخرى في البلاد .إلا أن هذا لا يعني , مع ذلك , إلغاء القانون لان المحكمة العليا نفسها قد يعود لأسباب عديدة. وبعد فترة من الوقت عن قرار سابق لها بشان احد القوانين و تعتبره مطابقا للدستور بعد أن كانت قد اعتبرته مخالفا له .
و هذه السلطة الواسعة التي تتمتع بها المحكمة العليا بالولايات المتحدة دفعت العديد من الفقهاء للحديث عن ما يسمى ((بحكومة القضاة)) في تلك البلاد او للقول بان دستور الولايات المتحدة الامريكية هو ما تقرره أكثرية التسعة قضاة الذين تتألف منهم المحكمة العليا .

 الفرع الثاني : رقابة الإلغاء
الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة (رقابة الإلغاء)
تحدث الرقابة بطريقة الإلغاء أو الدعوى الأصلية contrôle par voie d’action عندما يقوم صاحب الشأن المتضرر من قانون معين بالطعن فيه مباشرة أمام المحكمة المختصة طالبا إلغائه لمخالفته الدستور , دون أن ينتظر تطبيق القانون عليه في دعوى من الدعاوى القضائية , فإذا ما ثبت للمحكمة المختصة أن القانون المطعون فيه مخالف للدستور فإنها تحكم بإلغائه بحيث كأن لم يكن أو إنهاء حياته بالنسبة للمستقبل طبقا لأحكام الدستور التي تنظم الرقابة القضائية [12] .
وقد يكون هذا الحكم قبل صدور القانون المخالف للدستور فتسمى رقابة الإلغاء السابقة أو بعده فتسمى رقابة الإلغاء اللاحقة. وبسبب خطورة الأثر المترتب على هذا الحكم والمتمثل بإلغاء تشريعات البرلمان، حرصت الدول على إن تمارسه محاكم دستورية عليا متخصصة أو أعلى درجات القضاء في الدولة، كما لم تجز كثر منها للأفراد إن يطعنوا مباشرة في دستورية القوانين بينما أجاز بعضها ذلك بطريق غير مباشر بان يتقدموا بالطعن بعدم دستورية قانون ما أمام بعض المحاكم، فان اقتنعت هذه المحكمة بجدية الطعن تقدمت به إلى المحكمة الدستورية( [13]).وتفريعا” على ذلك سأتناول هذا المطلب في ثلاث فروع ,الأول رقابة الإلغاء السابقة , والثاني رقابة الإلغاء اللاحقة أما الثالث عيوب ومزايا الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشر.
أولا : رقابة الإلغاء اللاحقة :
وهي رقابة لاحقة على إصدار القانون أو هي وسيلة هجومية تسمح لبعض الجهات أو المراجع بالطعن في هذا القانون مباشرة أي بصورة مستقلة عن أي نزاع عن طريق الدعوى الأصلية.
فهي تفرض وجود دعوى أمام القضاء تتضمن الطعن في دستورية احد القوانين. و من ابرز الدول التي اخدت بهذا الأسلوب سويسرا التي خولت المحكمة الاتحادية فيها صلاحية الرقابة القضائية بالنسبة لقوانين المقاطعات فقط دون القوانين الصادرة عن الجمعية الاتحادية . و ايطاليا التي نص دستورها لعام 1947 على تشكيل محكمة دستورية من خمسة عشر قاضيا مهمتها البت في دستورية القوانين , و الحكم بإلغاء القانون المخالف لدستور , من اليوم التالي لصدوره.
ثانيا : رقابة الإلغاء السابقة :
بعد تشريع القانون من قبل السلطة التشريعية المكلفة بإعداد القانون , يرسل القانون للتصديق عليه لغرض إصداره , وقد ترتئي الجهة الموكلة بالتصديق إرسال هذا القانون إلى محكمة خاصة يحددها الدستور , للتأكد من عدم تعارض القانون مع الدستور , فتحريك الرقابة يكون من السلطة , وليس من قبل الأفراد , وقد أخذ بهذا دستور ايرلندا لعام 1937 , حيث يتعين على رئيس الدولة إذا رغب بممارسة حق الرقابة أن يحيل القانون في ظرف سبعة أيام من تاريخ استلامه للقانون إلى المحكمة العليا , وبعد استشارت مجلس الدولة , أن تصدر حكمها في فترة لا تتجاوز الستين يوما , فإذا أصدرت المحكمة حكما بدستورية القانون المحال إليها وجب على رئيس الجمهورية التصديق عليه , وقد تبنت هذه الطريقة من الرقابة بعض دول أمريكا اللاتينية أمثال كولومبيا في دستورها لعام 1886 , وبنما في دستورها لعام 1904 , والإكوادور في دستورها لعام 1929 ( [14] (
المطلب الثالث : المقارنة بين رقابة الإلغاء ورقابة والامتناع و عيوب الرقابة القضائية :
من خلال دراسة الرقابة الدستورية بطريقتي الإلغاء(الدعوى الأصلية) و الامتناع (الدفع) بمكن إجمال أهم الفروق بين طريقتين بالنواحي الآتية :
1 – في طريقة الإلغاء الدعوى الأصلية تختص محكمة واحدة في الدولة بالنظر في دستورية القوانين ; سواء كانت هذه المحكمة هي المحكمة العليا في النظام القضائي السائد في الدولة أم كانت محكمة دستورية أنشئت خصيصا لهذه المهمة .في حين في طريقة الامتناع (الدفع) فان جميع المحاكم على اختلاف درجاتها , سواء كانت من الدرجة الأولى أم الثانية و سواء كانت مدنية آو جزائية آو إدارية , فإنها تختص بالنظر في هذا الدفع .
2 – ان طريقة الإلغاء تفترض نصا دستوريا يجيز ممارسة الرقابة الدستورية و يحدد المحكمة المختصة بنظرها و يحدد عادة المدة التي يجب مرجعة المحكمة خلالها إما طريقة الدفع فلا تحتاج لمثل هذا النص و أن ممارستها لا تتقيد بمدة معينة , بل يمكن إثارة الدفع في كل مرة يراد تطبيق ذلك القانون في دعوى من الدعاوي القضائية. و ينتج عن ذلك أن طريقة الإلغاء التي ينص عليها الدستور تزول بإلغاء آو تعديل ذلك الدستور , في حين تبقى طريقة الدفع حتى بعد زوال الدستور لأنها لم تقرر بموجب هذا الدستور إلا إذا نص الدستور الجديد صراحة على منع هذه الرقابة .
3 – في طريقة الإلغاء تتم الرقابة الدستورية عن طريق الطعن بالقانون بدعوى مبتدأه , حيث يهاجم صاحب الشأن القانون بطريقة مباشرة , إما الرقابة بطريق الدفع فتتم بطريقة غير مباشرة , اي بمناسبة دعوى منظورة أمام القضاء يراد فيها تطبيق القانون
4 – في رقابة الإلغاء تقضي المحكمة المختصة بإلغاء القانون إذا ما تأكدت من عدم دستوريته .إما في رقابة الامتناع فان حكم المحكمة يقتصر على الامتناع عن تطبيق ذللك القانون على الدعوى المنظورة أمامها .
5 – ان ممارسة الرقابة بالدعوى الأصلية , وما يترتب عليها من إلغاء القانون المخالف للدستور , قد تثير حساسية السلطة التشريعية و تؤدي إلى التصادم بينها و بين المحكمة . إما ممارسة طريقة الدفع فلا تثير حساسية السلطة التشريعية , لان المحكمة لا تتدخل بعمل السلطة التشريعية و لا تقوم بإلغاء القانون المخالف للدستور ,بل أنها تمتنع عن تطبيقه فقط.

عيوب ومزايا الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة :
انقسم الفقهاء بشان الرقابة القضائية على دستورية القوانين بين مؤيد ومعارض على تفصيل في الأمر نبين حجج الطرفين فيما يلي:

 أولا: عيوب الرقابة بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة:
بالرغم من مزايا الرقابة القضائية بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة , إلا أنها لم تسلم من النقد من جانب الفقه باعتبار أنها تمثل خروجا على حدود مهمة القضاء وتؤدي إلى إقحامه في المجال التشريعي وإهداره لعمل السلطة التشريعية , مما يعتبر مساسا” بمبدأ الفصل بين السلطات , كما إن إعطاء سلطة إلغاء القانون يعطيها مركزا” قويا” ونفوذا” كبيرا” باتجاه سلطات الدولة لا سيما السلطة التشريعية( [15] (
 ثانيا: مزايا الرقابة بطريقة الدعوى الأصلية المباشرة :
تحقق هذه الرقابة بعض المزايا المهمة التي لا تنكر , فمن ناحية أن تخصص جهة قضائية واحدة بمسألة فحص دستورية القوانين وتقرير ما إذا كان القانون المطعون فيه مخالف لأحكام الدستور أم لا وذلك سواء كانت هذه الجهة القضائية هي المحكمة العليا في النظام القضائي القائم في الدولة , أو محكمة دستورية خاصة أنشأت لتضطلع بهذه المهمة يؤدي إلى ثبات الأوضاع واستقرار المعاملات القانونية .
ومن ناحية أخرى فان الحكم الصادر بالإلغاء في حالة ثبوت مخالفة القانون المطعون فيه لأحكام الدستور ينهي المشكلة ويحسم الموقف بصفة نهائية مما لا يسمح بالعودة مرة أخرى لطرح النزاع بصدد نفس القانون أمام محكمة أخرى أو أمام ذات المحكمة ( [16]
المبحث الاول : التشريع المغربي :
المطلب الاول : سمو الدستور :
يعرف القانون من الناحية الموضوعية على أنه مجموع القواعد القانونية العامة و المجردة و الملزمة و التي تتسم بالديمومة و الاستقرار لمدة زمنية معينة.
و من الناحية الشكلية يعرف كلاسيكيا على أنه: “كل تصرف صدر عن البرلمان بالتصويت ” . إن تعريف القانون بالمعيار الشكلي أصبح غير ذي قيمة بعد تحديد مجال القانون، فالبرلمان لم يعد وحده صاحب الاختصاص في تشريع القوانين، إذ أن مهمة صناعة القوانين أصبحت موزعة بين البرلمان و السلطة التنفيذية، و حتى مجال القانون أصبح بإمكان البرلمان التفويض للحكومة للتشريع فيه ، لذلك يعرف الأستاذ عبد الرحمان أمالو القانون على أنه: “كل تصرف اتخذه البرلمان في المجال الذي حدده الدستور و جعله محصورا عليه” و يذهب الأستاذ خالد الناصري إلى اعتبار أن “القانون ينظر إليه انطلاقا من تعريف مزدوج مادي و شكلي، فهو محدد من الناحية المادية بموجب لائحة حصرية من المواد المدرجة بشكل خاص في مجال القانون بموجب الفصل 45 و هو محدد من الناحية الشكلية بموجب الفصل 44 الذي بمقتضاه تصبح القوانين تلك التي يصوت عليها البرلمان دون غيره .1
و يشير Jean Marie Auby إلى أن دستور 1958 الفرنسي اعتمد معيارين لتعريف القانون : المعيار الكلاسيكي الشكلي، و بموجبه يعرف القانون على أنه: مجموع النصوص التي يصوت عليها البرلمان، و المعيار المادي: مجموع المواد التي عرض لها الفصل 34، و هو الفصل الذي حدد مجال القانون في .
و الحقيقة أنه لا يمكن الاستغناء عن أي من المعيارين ( المادي و الشكلي) لتقديم تعريف دقيق للقانون، لأنه إذا اعتمدنا فقط على المعيار المادي لتعريف القانون و ألغينا التعريف الشكلي أضفينا صفة القانون على اللوائح التنظيمية و القرارات الإدارية، لذلك لابد من الجمع بين المعيارين لإعطاء تعريف للقانون في ظل ما استجد من تحديد لمجاله في الدستور الفرنسي و المغربي.
و بناء على ذلك تتنوع التشريعات في القانون المغربي تبعا للجهة التي وضعتها- البرلمان أو الحكومة- و تبعا لمجال موضوع التشريع-مجال القانون أو مجال التنظيم –بالإضافة إلى الدستور الذي يسمو هذه التشريعات جميعا. [17]

المطلب الثاني: تدرج القوانين بالمغرب .
 أولا : الدستور :
الدستور هو مجموعة القواعد القانونية التي تنظم شكل الدولة, و طبيعتها, و نظام تسييرها, و المبادئ الأساسية فيها من حيث الحقوق و الواجبات و الحريات العامة الجماعية و الفردية, و اختصاصات المؤسسات الوطنية العليا و علاقاتها فيما بينها. وتعتبر قواعد القانون الدستوري أسمى القواعد القانونية , وعليه لا يجوز لأي قانون تصدره السلطة التشريعية مخالفتها و إلا حكم بعدم دستوريته . وقد مُنح المغرب أول دستور سنة 1962 تمت مراجعته في سنوات 1970 و1972 و1992 و1996, و هو من الدساتير الجامدة التي يتطلب تعديلها إجراءات معقدة. و يتألف الدستور المغربي المراجع بموجب استفتاء 1996 من ديباجة و ثلاثة عشر بابا تضم مائة و ثمانية فصول.
 ثانيا : القوانين التنظيمية :
القوانين التنظيمية هي التي نص الدستور على أنها كذلك , وقد جعلها المشرع الدستوري المغربي من اختصاص البرلمان و حصرها في 9 ميادين هي:
1- القوانين التنظيمية التي تبين الشروط و الإجراءات التي تمكن من ممارسة حق الانتخاب (الفصل 14 من الدستور).
2- ما يقضي به الفصل 21 من الدستور من أن قواعد سير مجلس الوصاية تحدد بقانون تنظيمي (الفقرة 2 من الفصل 21).
3- تحديد عدد أعضاء مجلس النواب و نظام انتخابهم، و شروط القابلية للانتخاب و حالات التنافي و نظام المنازعات الانتخابية (فق 2 من ف 37 من د).
4- عدد أعضاء مجلس المستشارين و نظام انتخابهم، و عدد الأعضاء الذين تنتخبهم كل هيئة ناخبة، و توزيع المقاعد على مختلف جهات المملكة، و شروط القابلية للانتخاب و حالات التنافي، و طريقة إجراء القرعة، و تنظيم المنازعات الانتخابية يحدد بقانون تنظيمي.
5- يحدد قانون تنظيمي طريقة تسيير لجان تقصي الحقائق (ف 42 فق أخيرة).
6- يبين قانون تنظيمي شروط التصويت على قانون المالية ( ف 50 فق1).
7- يحدد قانون تنظيمي قواعد تنظيم و سير المجلس الدستوري و الإجراءات المتبعة أمامه خصوصا ما يتعلق بالآجال المقررة لعرض مختلف المنازعات عليه (فق 1 فصل 80).
8- يحدد قانون تنظيمي عدد أعضاء المحكمة العليا و كيفية انتخابهم ، و كذلك المسطرة التي يتعين إتباعها (ف 92 من د)
9- يحدد قانون تنظيمي تركيب المجلس الأعلى الاقتصادي و الاجتماعي و تنظيمه و صلاحيته و طريقة تسييره (ف95).
و يتحتم على البرلمان أثناء إقراره للقانون التنظيمي “أن يتقيد بالإجراءات الخاصة المنصوص عليها في الدستور كما أن إصدارها يتوقف على التدخل الوجوبي (اللازم) للمجلس الدستوري الأمر الذي يجعل الإجراءات المتعلقة بالقوانين التنظيمية أكثر شدة من تلك المقررة لسن القوانين العادية و أقل صرامة من تلك الواجب إتباعها حينما يكون الأمر متعلقا بإدخال تعديلات على بعض النصوص الدستورية”
 ثالثا : القانون العادي :
يضم القانون العادي مجموعة التشريعات التي أوردها ف 46 من دستور 1996 على سبيل الحصر، و كذلك الحريات الواردة في الباب الأول، و ما هو منصوص عليه في نصوص متفرقة من الدستور.
1- المواد التي حصرها الفصل 46 من دستور 1996.
ينص الفصل 46من الدستور على أنه: «يختص القانون بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور بالتشريع في الميادين الآتية:
– الحقوق الفردية و الجماعية المنصوص عليها في الباب الأول من هذا الدستور
– تحديد الجرائم و العقوبات الجارية عليها و المسطرة الجنائية و المسطرة المدنية و إعداد أصناف جديدة من المحاكم.
– النظام الأساسي للقضاة.
– النظام الأساسي للوظيفة العمومية
– الضمانات الأساسية الممنوحة للموظفين المدنيين و العسكريين.
– النظام الانتخابي لمجالس الجماعات المحلية.
– نظام الالتزامات المدنية و التجارية.
– إحداث المؤسسات العمومية.
– تأميم المنشآت و نقلها من القطاع العام إلى القطاع الخاص.
للبرلمان صلاحية التصويت على قوانين تضع إطارا للأهداف الأساسية لنشاط الدولة في الميادين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية”.
بخصوص هذه المواد يؤكد عبد الرحمان أمالو بأن المشرع الدستوري عموما جعلها من اختصاص السلطة التشريعية دون اعتبار مسائل شكلية أو جوهرية .
و لقد أثار حصر هذه القائمة من مجال القانون إجماعا فقهيا على أنه تقليص من صلاحيات السلطة التشريعية باعتبار أن القانون يعبر عن إرادة الأمة من خلال ممثليها، و هذه الإرادة هي الإرادة العليا، لذلك لا يمكن تحديد مجال القانون على سبيل الحصر، غير أن الأستاذ “محمد أشركي” – و استثناء من هذا الإجماع- يرى أن مجال القانون في المغرب مجال واسع لأنه يمتد إلى أهم مناحي الحياة الاقتصادية و القانونية و الاجتماعية .
و بالنظر إلى الموضوعات الواردة في ف 46 من دستور 1996 يلاحظ أن بعضها لا يخلو من غموض أثار الجدل حوله رغم محاولات المشرع الدستوري تجنب ذلك، خصوصا فيما يتعلق بالضمانات الأساسية الممنوحة لموظفي الدولة المدنيين و العسكريين … فما المقصود بالضمانات الأساسية الممنوحة لموظفي الدولة خاصة إذا تعلق الأمر بتلك الممنوحة للموظفين العسكريين؛ حيث إن المجال العسكري مجال تكتنفه عادة السرية التامة لأنه مرتبط بميدان هام هو ميدان “أمن الدولة”، و لا شك أن أي قانون من هذا القبيل يؤدي لا محالة – أثناء مناقشته – إلى جدل سياسي، و هو ما دفع الملك الحسن الثاني – رحمه الله – إلى أن يطلب من القوى السياسية بمناسبة أحداث فاس بتاريخ 14-12-1990 أن تجعل الميدان العسكري في منأى عن كل جدل سياسي .
و يتساءل عبد الرحمان أمالو عما إذا كانت هذه الضمانات تشمل أساليب التعيين و الترقية، و منصب الموظف، و كذلك صفة العون المرسم، و التفاصيل المتعلقة بتدبير المنصب الإداري .
و يكتنف الغموض أيضا اختصاص البرلمان في المجالات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية، حيث إن دوره لا يتعدى حدود التصويت على القوانين التي تضع إطارا لهذه التعديلات.
2- الحقوق و الحريات الفردية و الجماعية الواردة في الباب الأول من الدستور و هي:
– حقوق مدنية و سياسية: و هي تلك المتعلقة بحرية تشكيل و اختيار الأحزاب السياسية و المنظمات النقابية (ف3)، المساواة في التمتع بالحقوق السياسية بين الرجل و المرأة (ف8)، حرية العقيدة و العبادات في إطار الضوابط الإسلامية (ف 6)، حرية التجول و حرية الاستقرار بجميع أرجاء المملكة، حرية تأسيس الجمعيات و الانخراط في أية منطقة نقابية أو سياسية (ف 9)، منع تقييد حرية الفرد إلا في إطار القانون و ضمان حرمة المنزل ( ف10) ، عدم انتهاك سرية المراسلات (ف 11) ، المساواة في تقلد المناصب و الوظائف العمومية (ف 12).
– حقوق اقتصادية و اجتماعية و ثقافية: و هي الحقوق المتعلقة بالمساواة في التربية و الشغل (ف 13) ، و حق الملكية و حرية المبادرة الخاصة مضمونان ( ف15)،و تضاف الواجبات الملقاة على الأفراد و المرتبطة مباشرة بالحقوق التي ذكرت مثال الدفاع عن الوطن حق واجب على كل المواطنين (ف 16)، تحمل التكاليف العمومية (ف 17) ، و تحمل التكاليف الناتجة عن الكوارث الطبيعية (ف 18).
3- ما هو منصوص عليه في نصوص متفرقة من الدستور:
– الفصل 31 الذي ينص في فقرته الثانية على أنه: “يوقع الملك المعاهدات و يصادق عليها غير أنه لا يصادق على المعاهدات التي تترتب عليها تكاليف تلزم مالية الدولة إلا بعد الموافقة عليها بقانون”.
– الفصل 45 في فقرته الثانية المتعلقة بقانون الإذن حيث يجوز للبرلمان أن يفوض للحكومة أن تشرع بمقتضى مراسيم في مجالات تدخل في اختصاصه. [18]
– الفصل 49 الذي يقضي بأنه لا يمكن تمديد أجل الحصار(30 يوما) إلا بالقانون.
– الفصل 50 الذي جعل قانون المالية يصدر عن البرلمان بالتصويت.
– الفصل 80 الذي ينص أن “لا يعزل قضاة الأحكام و لا ينقلون إلا بمقتضى قانون”.
– الفصل 99 الذي جعل اختصاصات المجلس الأعلى و المجالس الجهوية للحسابات و قواعد تنظيمها و طريقة سيرها تحدد بقانون.
– الفصل 100 الذي جعل إحداث الجماعات المحلية بالمملكة (الجهات و العمالات و الأقاليم و الجماعات الحضرية) لا يتم إلا بقانون. [19]
– الفصل 101 المتعلق بالنظام الانتخابي للجماعات المحلية و بقواعد تدبير شؤونها و التي جعلها من اختصاص القانون (فقرة1) ، كما تبين (الفقرة 2) أن القانون يحدد شروط تنفيذ العمال لقرارات العمالات و الأقاليم و الجهات .
إن هذه المجالات التي حددها النص الدستوري المغربي للقانون و إن كانت تبدو على سبيل التعداد كثيرة و متعددة فإنه بالرغم من ذلك يبقى مجال القانون محددا أيا كان اتساعه .
و لكن بالرغم من ذلك يلاحظ أن مجال القانون في الدستور المغربي أوسع من نظيره في الدستور الفرنسي، فقد لاحظ الأستاذ “محمد أشركي” أن مجال القانون في الدستور المغربي يبدو – من بعض الوجوه – أوسع من نظيره في الدستور الفرنسي لسببين:
الأول: أنه لا يميز بين المواضيع التي يسن فيها القانون القواعد و تلك التي يكتفي فيها بوضع المبادئ الأساسية.
و الثاني: أن سلطة المشرع في المجال الجنائي و إحداث المؤسسات العمومية و تدبير الجماعات المحلية أوسع في الدستور المغربي منه في نظيره الفرنسي .
إن هذه المجالات التي حددها النص الدستوري المغربي للقانون و إن كانت تبدو على سبيل التعداد كثيرة و متعددة فإنه بالرغم من ذلك يبقى مجال القانون محددا أيا كان اتساعه .
 رابعا : الظهائر الشريفة
يستأثر الملك بالوظيفة التشريعية في حالة غياب البرلمان إما بانتهاء ولايته انتهاء عاديا أو عن طريق الحل أو في حالة الاستثناء سدا للفراغ التشريعي عن طريق ظهائر شريفة معتبرة بمثابة قانون (عادي أو تنظيمي ) تمييزا لها عن الظهائر الشريفة التي يصدرها الملك لتنفيذ القانون.
ويمكن للملك أن يلجأ إلى ممارسة السلطة التشريعية و تعويض الغياب السياسي للبرلمان بعد انتهاء ولايته مستندا في ذلك إلى الفصل 19 من الدستور و بالذات إلى مهمته السامية كأمير للمؤمنين ,و مستفيدا في ذات الوقت من سكوت الدستور عن معالجة الفرضية التي يتم فيها تأجيل الانتخابات التشريعية .
كما يمكنه الاستناد إلى الفصل 72 من الدستور (الفقرة الثانية ) “…و في أثناء ذلك يمارس الملك بالإضافة إلى السلط المخولة له بمقتضى هذا الدستور السلط التي يختص بها البرلمان في مجال التشريع ” رغم أن هذا الفصل يهم فترة ما بعد الحل إلا أنه يمكن تعميمه على فترات غياب البرلمان .
و بخصوص حالة الاستثناء فبالرغم من تنصيص الدستور (الفصل 35) على أنه “…لا يترتب عن حالة الاستثناء حل البرلمان ” إلا أنه لا يضمن للبرلمان ممارسة وظيفته التشريعية و لا حتى اجتماع أعضائه و بالتالي فإن الاختصاص التشريعي للملك يبقى في منأى عن أي تقييد / .
و لقد مارس الملك الوظيفة التشريعية نيابة عن البرلمان خلال الفترة الانتقالية في الدساتير السابقة عن دستور 1996 دامت مدتها أكثر من سنة بخصوص دستور 1992 و 5 سنوات و 7 أشهر بخصوص دستور 1972 و شهران بخصوص دستور 1970 و 11 شهرا بخصوص دستور 1962.أما دستور 1996 فقد أسند مهمة التشريع خلال الفترة الانتقالية لمجلس النواب و ليس للملك ,و تجدر الإشارة إلى أن الإجراءات التشريعية التي يتم اتخاذها في المرحلة الانتقالية ليس لها مجال محدد إذ يمكن لها أن تتدخل في كل المجالات ..مجال القانون بنوعيه العادي و التنظيمي و تلك التي يتمتع بها رئيس الدولة .
 خامسا : المراسيم التنظيمية المستقلة :
يقصد بالسلطة التنظيمية المستقلة التشريع في جميع المجالات باستثناء تلك التي أعطيت للبرلمان صراحة بموجب مقتضيات الدستور و تمارس بموجب مراسيم تسمى المراسيم المستقلة، و هي مراسيم تصدر دون الاستناد إلى قانون قائم فهي قائمة بذاتها لا تستند إلى قانون آخر تعمل على تنفيذه. و لقد اعتبرها بعض الفقهاء تشريعا حكوميا بالمعنى الكامل للتشريع، مما جعلها في نظر الكثير من الفقهاء الفرنسيين و المغاربة مساوية للقانون في سلم القواعد القانونية من حيث مكانتها و مرتبتها و قيمتها القانونية.
و مجال السلطة التنظيمية واسع جدا كما يشير إلى ذلك الفصل 47 من الدستور بنصه على أن المواد الأخرى التي لا يشملها اختصاص القانون (أي القانون العادي الصادر عن البرلمان ) يختص بها المجال التنظيمي، فهناك مسائل عديدة ذات صبغة تقنية و جزئية لا يمكن للبرلمان أن يحيط بها كالقواعد اللازمة لتسيير المرافق العامة و المحافظة على الأمن . [20]
و لا تختلف المراسيم المستقلة عن القانون العادي إلا من حيث الجهة التي أصدرتها ، و الموضوعات التي صدرت فيها. فهي مثل القوانين العادية من حيث هي عامة و مجردة و ملزمة كما أنها تتمتع بالاستقلال في علاقتها مع القانون لأنها تتم في إطار المجال الذي حدده الدستور للسلطة التنظيمية، و هو مجال مستقل عن مجال القانون، و هذا الموقف يشذ عنه في المغرب الأستاذ “محمد أشركي” حيث ينكر استقلال المراسيم التنظيمية عن القانون، و بالتالي يجعلها أقل مكانة و رتبة من القانون العادي الصادر عن البرلمان في نطاق مجاله يقول: “… و فضلا عن الندرة النسبية للمراسيم التنظيمية المستقلة بالقياس للقوانين من جهة و بالقياس أيضا للمراسيم التطبيقية من جهة أخرى فإن هذه المراسيم المسماة بالمستقلة لا تتمتع إلا باستقلال وهمي، فإذا تركنا جانبا استقلال القانون العضوي عن القوانين لكونها لا تصدر تطبيقا لها ، فإن هذه المراسيم ليست لها أية هوية قانونية تميزها عن غيرها، فهي تحتل في سلم تدرج القواعد القانونية نفس المرتبة التي يحتلها كل مرسوم تنظيمي ، و من هنا فهي تخضع للدستور و المعاهدات الدولية و القوانين، والمبادئ العامة للقانون التي تنزل منزلة القانون ،حتى ولو اتخذت بناء على تأهيل تشريعي” و يخالفه الأستاذ عبد القادر باينة حيث يرى أن المراسيم المستقلة رغم أنها شكليا هي مجرد مقررات إدارية يمكن الطعن فيها بالإلغاء إلا أنها تحتل مكانة مساوية لمكانة القانون العادي .
و تجدر الإشارة إلى أن السلطة التنظيمية يقوم بها الوزير الأول بناء على الفصل 63 من الدستور الذي ينص على أنه “يمارس الوزير الأول السلطة التنظيمية”.
 سادسا : المراسيم التشريعية :
و هي التشريعات المتخذة بناء على الفصل45 من الدستور وهو الفصل الذي يسمح للحكومة اتخاذ تشريعات بإذن من البرلمان أو ما يصطلح عليه” بتفويض التشريع تسمى أيضا” مراسيم قوانين”, وتضم أيضا التشريعات التي تتخذ بناء على الفصل 50من الدستور والذي تتخذ الحكومة بموجبه الاعتمادات الضرورية لسير المرافق العمومية على أساس ما هو مقترح في الميزانية المعروضة بقصد الموافقة, وأيضا تضم المراسيم التي تتخذها الحكومة في الفترة الفاصلة بين الدورات باتفاق مع اللجان البرلمانية التي يعنيها الأمر في كلا المجلسين و ذلك بناء على الفصل 55 من الدستور.
 سابعا : المراسيم التطبيقية :
تختلف المراسيم التطبيقية أو التنفيذية عن المراسيم التنظيمية في كونها “ترتبط بنص تشريعي قائم، والمرسوم الذي يتخذه الوزير الأول في هذا الخصوص يصدر لتنفيذ الأمور القانونية التي يتضمنها هذا النص” كما أنها “تضع القواعد التفصيلية اللازمة لتيسير تنفيذ القانون” لذلك فالعلاقة بين القانون و المرسوم المنفذ له هي “علاقة نشأة متبادلة حيث كل واحد منهما يعطي شهادة الولادة للآخر” فلا يمكن تصور قانون ما دون إجراءات لأن البرلمان لا يمكن أن يشرع في الجزئيات لسببين ، الأول: لأن القوانين التي يضعها البرلمان تقتصر عادة على وضع الأحكام العامة و الخطوط العريضة دون الدخول في التفاصيل و الجزئيات التي تكون عرضة للتغيير المستمر ، و السبب الثاني مؤداه تخفيف العبء عن السلطة التشريعية لتتفرغ لوضع المبادئ و المسائل الرئيسية . ولأن القانون مهما كان كاملا فهو في حاجة إلى تدابير تطبيقية يتوجب اتخاذها بمرسوم .
و تتحدد وظيفة المرسوم التطبيقي في كونه “يفصل حيث أجمل القانون و يفسر حيث عمم، و يضع الإجراءات حيث لم يضع القانون إلا المبادئ الأساسية” و هو بذلك لا يمكن أن يؤدي هذه الوظائف في غياب القانون أي بشكل مستقل عن نطاقه فهو خاضع للقانون و تابع له، فلا يمكن أن تتعارض مقتضياته مع مقتضيات القانون , الذي يسعى لتنفيذه- و إلا عد غير مشروع، و أمكن بالتالي الطعن فيه أمام القضاء الإداري المختص .
و لقد أسند الدستور المغربي في الفصل 61 مهمة تنفيذ القوانين عن طريق المراسيم التطبيقية إلى الحكومة حيث نص على أنه: ” تعمل الحكومة على تنفيذ القوانين تحت مسؤولية الوزير الأول، و الإدارة موضوعة رهن تصرفها” فتنفيذ القوانين لا يتم إلا بصورة جماعية و هذه إحدى أهم صور التعاون بين المؤسسة التشريعية و المؤسسة التنفيذية .

الخاتمة

في خاتمة هذه البحث الذي سلط فيه الضوء على الرقابة على دستورية القوانين .

تتوخى هذه الدراسة التحليلية، المتعلقة بالرقابة على دستورية استخلاص طبيعة هذه الرقابة وخصائصها، بناء على ما ورد في الدستور والقانون بهذا الشأن .
وقد تبين أن خصائص هذه الرقابة يمكن إجمالها في ما يلي :
إنها مركزية يختص بممارستها المجلس الدستوري وحده دون غيره، وإنها إلزامية، وسابقة، ومجردة وغير تلقائية، وتُمارس بإحالة فورية ومحدَدة، وإنها مقَيَدة بآجال، ويستعان بشأنها بملاحظات الأطراف المعنية، وتَصدر بشأنها قرارات ملزمة وغير قابلة للطعن، ثم إنها شاملة ومتسلسلة( . مثال المغرب )
و حيث إن المغرب يحتوي على دستور مكتوب, كان من اللازم ضمان هذه الشرعية الدستورية من خلال جهاز يسهر على منع صدور أي نص قانوني يخالف الدستور . حيث أولى المغرب كغيره من الدول أهمية كبرى لذلك , فقد تم إحداث الغرفة الدستورية بالمجلس الأعلى في أول دستور عرفته المملكة المغربية في دجنبر 1962 (الباب العاشر من هذا الدستور ) . لم يقف الأمر عند هذا الحد بل و بموجب الدستور المعدل في أكتوبر 1992 تم إحداث المجلس الدستوري ( الفصل 76 ) , حيث تمت عنونة الباب السادس من هذا الدستور بالمجلس الدستوري . وقد صار كذلك الدستور المعدل لأكتوبر 1996 و( المعمول به حاليا) في نفس المنحى مع تغييرات مست تكوين هذا المجلس …

خلصنا إلى إن تبني الرقابة السياسية أو الرقابة القضائية في بلد ما مسألة تتوقف على ظروف كل بلد , فلا يجوز أن نقيس بلد تختلف ظروفه عن فرنسا ذلك البلد العريق في الديمقراطية وننقل عنه نظام المجلس الدستوري .
إن اختيار النظام الملائم لكل بلد هو مؤشر نجاح أو فشل ذلك النظام , فالبلدان المتقدمة التي مارست الديمقراطية المتقدمة تمتلك مؤسسات دستورية قوية ورأي عام فعال وبالتالي فان المجتمع يسير إلى حد كبير بطريقة سليمة ولو لم توجد لديه محكمة دستورية , أما البلدان النامية حيث الرأي العام ضعيف أو معدوم وحيث المؤسسات الدستورية هشة وحيث السلطة التنفيذية متسلطة فانه لا يلائمها لرقابة الدستورية إلا وجود محكمة دستورية تشكل جزءا” من سلطة قضائية تقف على قدم المساواة مع السلطتين التشريعية والتنفيذية.
من الأمور المسلم بها في مجال القانون الدستوري ما يعرف بقاعدة تدرج القوانين , و مفاد هذه القاعدة وجود تدرج هرمي يشكل فيه القانون الأساسي – الدستور- أعلى و أسمى القواعد القانونية داخل المنظومة القانونية للدولة , و بالتالي وجب ان تخضع كل القواعد القانونية الأخرى من قوانين تنظيمية , قوانين عادية و مراسيم …لهذا القانون الأسمى الذي هو الدستور, و هذا ما يعرف بالشرعية الدستورية. و نظرا لذلك وجب إيجاد جهاز يخول له ضمان هذا التطابق بين القوانين و الدستور. و ينطبق كل هذا فقط على الدساتير المكتوبة .
* خلاصة :

الرقابة على دستورية القوانين :
تعتبر الرقابة على دستورية القوانين إحدى نتائج مبدأ تدرج التشريع، الذي يقضي بتقيّد التشريع الأدنى بالتشريع الأعلى، فإذا صدر أي تشريع و كان مخالفا لتشريع أعلى منه فإنه يكون غير شرعي .
و من ثمة كانت الحاجة إلى إيجاد تنظيم يكفل رقابة مشروعية القوانين و يقرر الجزاء المناسب للقانون المخالف للشرعية .
يمكن تصنيف الرقابة الدستورية تبعا للهيئة التي تباشرها إلى نوعين : رقابة قضائية و رقابة سياسية .

الرقابة السياسية :
ترمز إلى صفة الهيئة التي تباشرها أي أنها تمارس من قبل هيئة ذات صفة سياسية، و يختلف تشكيل هذه الهيئة تبعا للهيئة التي ينظم بها الدستور الرقابة السياسية، و يمكن تصنيف هذه الأخيرة إلى نوعين :
1- الرقابة على دستورية القوانين بواسطة مجلس دستوري :
لقد ظهرت أوّل محاولة للرقابة السياسية على دستورية القوانين في فرنسا، عند وضع أوّل دستور فرنسي عام 1791، غير أن هذه المحاولة لقيت معارضة، لكنها وجدت سبيلها إلى التطبيق بعد ذلك، حيث أنشأت هيئة تسمى مجلس الشيوخ ، و مهمته تتلخص في رقابة دستورية القوانين التي تتعارض مع أحكام الدستور قبل إصدارها بحيث يملك حق إلغاء القوانين المعارضة لأحكام الدستور .
و يقوم بهذه المهمة في ظل الدستور الفرنسي لعام 1958 هيئة تسمى المجلس الدستوري المتكوّن من رؤساء الجمهورية السابقة أعضاء مدى الحياة، و من 9 أعضاء يقوم بتعيين 3 منهم رئيس الدولة، و 3 يعيّنهم رئيس الجمعية و 3 يعيّنهم رئيس مجلس الشيوخ .
و يختص المجلس الدستوري في التحقق من عدم مخالفة القوانين التي يقرّرها البرلمان للدستور، و لا يختص برقابة القوانين التي يقررها الشعب عن طريق الاستفتاء .
2- الرقابة السياسية بواسطة هيئة تنفيذية:
لقد أخذت بهذه الطريقة دول عديدة لاسيما الدول الاشتراكية سابقا، فبعض الدساتير تنص بأن تشكل الهيئة التشريعية لجنة لهذا الغرض (دستور ألمانيا الشرقية سابقا) و بعضها جعل اختصاص الرقابة الدستورية للهيئة التشريعية ذاتها (دستور الاتحاد السوفياتي سابقا (
و من الدول من جعلت رقابة الدستورية من اختصاص المكتب الإداري للهيئة التشريعية تحت إشراف هذه الأخيرة (دستور يوغوسلافيا سابقا، تشيكوسلوفاكيا سابقا (.
الرقابة القضائية :
تسمى بهذه التسمية لأنها تباشر من طرف هيئة قضائية، و تقسم إلى نوعين :

1- رقابة امتناع :
و مقتضاها أن القاضي يهمل حكم القانون غير الدستوري عن تطبيقه في القضية المعروضة عليه و ليس من شأن هذا القضاء أن يحول دون استمرار هذا القانون أو نفاذ حكمه في الأحوال الأخرى التي يتسنى فيها ذلك و أحسن مثال يبيّن رقابة الامتناع هو تطبيقها في الولايات المتحدة الأمريكية، و لهذا نتطرّق لرقابة الامتناع في الولايات المتحدة الأمريكية ثم في باقي الدول .

1.1. رقابة الامتناع في الولايات المتحدة الأمريكية :
تباشر الولايات المتحدة الأمريكية رقابتها على دستورية القوانين بأساليب ثلاثة هي :
– الدفع بعدم الدستورية
– الأمر القضائي
– الحكم التقريري
الدفع بعدم الدستورية :
يفترض هذا الأسلوب وجود دعوى منظورة أمام القضاء، فيدفع المدعى عليه أو المتهم أو المدعي بأن الطلبات تستند إلى قانون غير دستوري، و يكون اختصاص المحكمة بفحص دستورية هذا القانون حينئذ متفرعا عن الدعوى المرفوعة أمامها، فإن انتهت المحكمة من فحصها للقانون من أنه متعارض مع الدستور أهملت حكمه، و امتنعت عن تطبيقه، و فصلت في الدعوى تبعا لذلك بما فيه صالح المتهم أو المدعى عليه .
الأمر القضائي : مقتضى أسلوب الأمر القضائي أنه يجوز لأي فرد أو مواطن اللجوء إلى المحكمة المختصة ليطلب وقف تنفيذ أي قانون على أساس أنه غير دستوري، و أن تنفيذ هذا القانون من شأنه أن يلحق به ضررا، فإذا ثبت للمحكمة أن القانون غير دستوري تصدر أمرا قضائيا إلى الموظف المختص بعدم تنفيذ هذا القانون. و يكون الموظف ملزما بالأمر الصادر إليه، و بعد اتساع استعمال هذه الطريقة ممّا عطّل تطبيق القوانين لجأ الكونجرس الأمريكي عام 1910 إلى جعل هذا الاختصاص لمحكمة اتحادية خاصة تتشكل من 3 قضاة و يجوز الطعن في الأحكام الصادرة عنها أمام المحكمة الاتحادية العليا مباشرة .
الحكم التقريري : مقتضى هذه الطريقة أن للفرد أو للمواطن أن يلتجأ إلى المحكمة طالبا منها إصدار حكم يقرّر ما إذا كان قانون يراد تطبيقه عليه دستوريا أو غير دستوري، و في هذه الحالة ينتظر الموظف المختص صدور حكم من المحكمة إما بدستورية هذا القانون فيمتنع عن تطبيقه .
في عام 1934 سنّ الكونجرس الأمريكي قانون خوّل بمقتضاه المحاكم الاتحادية سلطة إصدار أحكام تقريرية في شأن دستورية القوانين .

2.1. رقابة الامتناع في الدول الأخرى :
يمكن تصنيف الدول التي تأثرت بهذا الأسلوب إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى : نصت دساتيرها صراحة على حق المحاكم في رقابة دستورية القوانين “دستور ألمانيا 1949، دستور رومانيا 1923، البرتغال 1933 “.
المجموعة الثانية : لم تنص دساتيرها صراحة على الرقابة الدستورية للقوانين، لكن المحاكم أعطت نفسها صلاحية الرقابة من هذه الدول كندا، أستراليا، النرويج. ..
2- رقابة الإلغاء: الدعوى الأصلية

مضمون رقابة الإلغاء أنها تجيز للقضاء إبطال القانون غير الدستوري في مواجهة الكافة أي اعتبار القانون كأن لم يكن، و رقابة الإلغاء قد تكون سابقة و قد تكون لاحقة .
1.2. الرقابة السابقة :
تتم رقابة الإلغاء السابقة خلال تقديم القوانين التي تقرّها الهيئة التشريعية لرئيس الدولة لتوقيعها و إصدارها و عند ذلك يجوز لرئيس الدولة خلال مدة محددة إحالة أي قانون إلى الجهة القضائية المختصة للنظر في دستوريته، و يتوقف مصير القانون على الحكم الصادر من المحكمة فإذا قضت بعدم دستوريته، امتنع رئيس الدولة عن توقيعه و إصداره من الدول التي أخذت بهذه الطريقة ايرلندا 1937 .
2.2. الرقابة اللاحقة :

تفترض هذه الطريقة من الرقابة أن قانونا ما قد صدر و أن الدستور ينص صراحة على إسناد مهمة الرقابة إلى جهة قضائية محددة تنظر في صحة القوانين إذا ما طعن أحد الأفراد في قانون معيّن عن طريق دعوى أصلية بعدم الدستورية فتصدر بعد دراستها للقانون حكما يثبت القانون إن كان لا يتعارض مع الدستور أو يلغيه إذا كان مخالفا للدستور، و بطبيعة الحال يشترط في رفع الدعوى الأصلية توافر المصلحة و باقي شروط رفع الدعوى .
إذ الدول التي أخذت بهذه الطريقة لم تجعلها من اختصاص كل المحاكم على اختلاف درجاتها بل قصرتها على محكمة ذات اختصاص عال، إما أن تكون محكمة عليا أو محكمة ذات تشكيل خاص

عالـم القانون

عالم القانون World of law هو موقع (www.alamalkanoun.com) ينشر مقالات قانونية مواكبة لأخر المستجدات القانونية في شتى تخصصاتها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...التفاصيل

موافق