إجراءات التحقيق الإعـــــدادي

عرض بعنوان إجراءات التحقيق الإعدادي

عالـم القانون29 أبريل 20240
إجراءات التحقيق الإعـــــدادي

مقـــــدمــــــة:

في ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات شتى، يبرز القانون كأحد الركائز الأساسية التي تعكس حيوية المجتمعات وتطورها الحضاري والثقافي، ولا يقتصر الأمر على الجوانب المدنية والتجارية فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب الجنائية التي تحمي النظام العام وتكفل الحقوق والحريات، وعلى ضوء ذلك، يأتي قانون المسطرة الجنائية في المغرب كأداة فعالة لتنظيم إجراءات العدالة الجنائية وتوفير ضمانات الحق في محاكمة عادلة.
في هذا السياق، يعد التحقيق الإعدادي مرحلة أساسية وحيوية ضمن سلسلة الإجراءات الجنائية، حيث يهدف إلى جمع الأدلة والتحقق من الوقائع بشكل مبدئي قبل أن يتم إحالة القضية إلى المحكمة المختصة، إن التحقيق الإعدادي لا يسمح فقط بتوضيح الحقائق، بل يساهم أيضاً في حماية الأفراد، سواء كانوا متهمين أو ضحايا، ويكفل لهم الحق في الدفاع عن أنفسهم في إطار من الشفافية والعدالة.
و تنحصر الغاية من التحقيق الإعدادي، في البحث عن الحقيقة، و يتم البحث عن الحقيقة عن طريق القيام بالتحريات و جمع الأدلـــة و تمحيصها، كما أنه لأجل الكشف عن الحقيقة و تحقيق العدالة الجنائية، أناط المشرع المغربي لقاضي التحقيق القيام بمجموعة من الإجراءات و التي يمكن أن تتمثل في تدابير الكشف و التحقق في التحقيق الإعدادي(المطلب الأول) ثم الإستجوابات و المواجهات في إطار التحقيق الإعدادي(الفقرة الثانية).
و عليه فإن الإنطلاقة لمعالجة هذا سنبدأها من خلال طرح السؤال الإشكالي الرئيسي التالي:
كيف يمكن أن تكفل إجراءات التحقيق الإعدادي في قانون المسطرة الجنائية المغربي تحقيق العدالة والشفافية، مع مراعاة التوازن بين حقوق الفرد ومتطلبات النظام العام؟
علما أن هذه الإشكالية الرئيسية تفرعت عنها مجموعة من الإشكاليات الفرعية و التي جاءت كالأتــــي:
• ما هي الضمانات القانونية التي يوفرها التحقيق الإعدادي لحماية حقوق المتهمين والضحايا على حد سواء؟
• كيف تؤثر فعالية الإجراءات والممارسات خلال مرحلة التحقيق الإعدادي على نتائج العملية القضائية؟
• ما هي التحديات والمعوقات التي قد تواجه قضاة التحقيق في تطبيق هذه الإجراءات بشكل فعّال ومنصف؟
و لمعالجة هذا الموضوع و الجواب على الإشكالية المطروحة بخصوصه سيتم ذلك من خلال إتباع المنهجية التالية:

المطلب الأول:تدابير الكشف و التحقق في التحقيق الإعدادي
الفقرة الأول:التنقل و التفتيش و الحجز
الفقرة الثانية: الحجز و الأمر بالحضور و الأمر بالإحضار.
المطلب الثاني: الإستجوابات و المواجهات في إطار التحقيق الإعدادي
الفقرة الأولى:إستجواب المتهم و الإستماع إلى الشهود
الفقرة الثانية:مواجهة المتهم بالغير و إجراء الخبرة.

 

المطلب الأول:تدابير الكشف و التحقق في التحقيق الإعدادي

إن قاضي التحقيق خلال مرحلة محاولة كشفه عن الجريمة المطروحة أمامه، فإنه يلجأ لمجموعة من الإجراءات التي نص عليها قانون المسطرة الجنائية و من أبرز ما يمكن اللجوء له نجد التنقل و التفتيش و الحجز(الفقرة الأولى) ثم الأمر بالحضور و الأمر بالإحضار(الفقرة الثانية)

الفقرة الأول:التنقل و التفتيش و الحجز

من بين إجراءا التحقيق الإعدادي التي نص عليها قانون المسطرة الجنائية نجد من نص عليه القسم الثالث المعنون بالتحقيق الإعدادي في الباب الرابع المعنون بالتنقل و التفتيش و الحجز، و يعتبر هذا الإجراء من أهم الإجراءات التي يمكن أن يلجأ إليها قاضي التحقيق و التي من شأنها أن تساعده على الوصول إلى الحقيقة لأن الهدف من التحقيق الإعدادي أولا و أخير هو الوصول إلى الحقيقة، و في هذا السياق نجد أن المادة 99 نصت على ” يجوز لقاضي التحقيق أن ينتقل إلى أي مكان لإجراء المعاينات المفيدة أو للقيام بالتفتيش و يشعر بذلك النيابة العامة التي لممثلها الخيار في مرافقته، و يساعده في ذلك كاتب الضبط و يحرر قاضي التحقيق محضرا بما أنجزه من أعمال.
و حيث التنقل والتفتيش والحجز يعتبر أهم الوسائل المتاحة لقاضي التحقيق، لضبط أدلة الجريمة والكشف عن الحقيقة، ولقاضي التحقيق الحق في الاستعانة بمن يراه مؤهلا لذلك،وينتج عن هذه الإجراءات أفضل دليل تطمئن إليه المحاكم في تكوين قناعتها. والتفتيش أو الحجز ليس مجرد عمل مادي اقتضته الضرورة وإنما هو إجراء جوهري يهدف إلى البحث عن الحقيقة في أي مكان قد توجد فيه، ولو في الأماكن الحميمية الخاصة بالأشخاص،فإجراءات المعاينة والتفتيش، وما يترتب عنهما من حجز، تمس المتهم في شخصه وحقوقه وحريته، لذلك أحاطها المشرع بضمانات معينة، تتمثل في صفة القائم بها، وفي توفر شروط موضوعية وأخرى شكلية لإنجازها على الوجه القانوني المطلوب.
و إن كان المشرع لم يحدد تعريفا قانونيا للمعاينة أو التفتيش، فإنه قد حدد المقصود بالمنزل في الفصل 511 من القانون الجنائي، باعتباره محلا ينصب عليه في الغالب إجراء التفتيش،وأحدث بالمادة 60 من قانون المسطرة الجنائية إجراء جديدا يتمثل في تفتيش النساء بواسطة امرأة ينتدبها ضابط الشرطة القضائية،للدلالة على أن المقصود بالشخص الذي ينصب عليه التفتيش هو كل ما يتصل بكيانه المادي كأعضائه الداخلية والخارجية، وما يرتبط بها من ملابس وحلي، وما يحمله من أشياء في يديه أو جيبه أو أعضائه الداخلية، كغسل معدته لتحليل محتوياتها أو أخذ نموذج البصمة الوراثية إن تطلب الأمر ذلك.
التشابه والاختلاف بين التفتيش والمعاينة
و يتشابه التفتيش والمعاينة في كون القائم بهما ينتقل إلى عين المكان للقيام بالمشاهدات وإجراء جميع التحريات،ويختلفان في كون:
– أن المعاينة يقوم بها ضابط الشرطة القضائية وقاضی التحقيق وهيئة المحكمة على السواء تلقائيا أو بناء على طلب أحد الأطراف،بخلاف التفتيش الذي لا يمكن للمحكمة القيام به إلا في حالات استثنائية ومحددة، ويبقى من أهم الصلاحيات المخولة لقاضي التحقيق وللشرطة القضائية؛
– أن المعاينة تهدف إلى إثبات وقائع مادية لحالة شيء من خلال المشاهدة أو فحص هذا الشيء مباشرة، أو فحص شخص معين لإثبات ما عليه من آثار العنف، أو إذا كان هو المتهم، الإثبات نسبة الكحول في دمه مثلا،وأما الغاية من التفتيش الذي ينصب على شخص أو محل معين فهي ضبط أدلة الجريمة موضوع التحقيق للكشف عن الفاعل؟
3 – المعاينة تتم أثناء عملية التفتيش، وقد تكون هدفا في حد ذاتها نتيجة لانتقال السلطة القائمة به،أما التفتيش، فيلتزم القائم به أثناء الشروع فيه بشروط دقيقة يؤدي الإخلال بها إلى بطلان المحضره.
و قد أجازت المادة 99 من ق.م.ج لقاضي التحقيق أن ينتقل إلى أي مكان لإجراء المعاينات المفيدة أو القيام بالتفتيش وفق شروط محددة، بإعتبار أن تقدير ضرورة الإنتقال لإجراء المعاينة أو التفتيش أو الحجز موکول لسلطة القائم به،ويقصد بكلمة ” أي مكان ” منزل المتهم أو منزل غيره أو محلات أخرى يمارس فيها عمل أو نشاط ليلي بصفة معتادة، أو أماكن يشغلها شخص يلزمه القانون بكتمان السر المهني، أو طائرة مغربية، أو أجنبية إذا حطت بالمغرب، أو قطار، أو سفينة تجارية أجنبية دخلت ميناء بحريا مغربيا، وغير ذلك من الأماكن الخاصة إلا ما استثناه القانون كمقار البعثات الدبلوماسية.
ويتعين على قاضي التحقيق إذا قرر الانتقال لإجراء المعاينات أو التفتيش:
أن يشعر النيابة العامة بذلك في الوقت المناسب حتى يترك لممثلها الخيار في مرافقته
– أن يستعين في مهمته بكاتب الضبط؛
– وأن يحرر محضرا بما أنجزه من أعمال.
ويتعين أن يتضمن المحضر هوية المستمع إليهم، وأن يشار فيه بوضوح إلى المعاينات والإجراءات التي قام بها قاضي التحقيق،وأن تدون به أقوال الشهود و آراء الخبراء أو الأشخاص الذين تمت الاستعانة بهم في عمليات البحث أو الذين ساهموا في توضيح المعطيات التي تتطلب ذلك،وأن يتضمن وصفا لكل الأشياء المحجوزة أو التي خضعت للمعاينة والوثائق المختلفة التي يتم إلحاقها به،وأن يحرر بأسلوب واضح وبسيط وخال من كل ما من شأنه أن يخلق اللبس أو الغموض،وأن تكون الكتابة متتابعة بدون فراغ أو شطب، وأن يتم الاعتذار عن الخطأ بالعبارات المناسبة، مع الإشارة إلى إلغاء الخطأ أو تصحيحه،وأن يصادق قاضي التحقيق وكاتب الضبط والمتهم والشاهد وعند الاقتضاء الترجمان على ما يقع بالمحضر من شطب وما قد يلحق بالهامش، وإلا فإنها تعتبر كأن لم تكن، كما يتعين أن يتم إمضاء كل ورقة من أوراق المحضر من طرف الأشخاص المذكورين.
ولتمكين قاضي التحقيق من تفعيل الإثبات المباشر بالوقوف بنفسه على دلائل الجريمة وتكوين قناعته الشخصية، أجازت له المادة 100 من قانون المسطرة الجنائية، أن يقوم بإجراءات التحقيق خارج دائرة نفوذ المحكمة التي يمارس فيها مهامه، إذا كانت متطلبات التحقيق تستلزم ذلك، شريطة أن يخبر بذلك النيابة العامة بمحكمته، وأن يشعر مقدما النيابة العامة لدى المحكمة التي ينقل إلى دائرة نفوذها،ويمكن أن يتم إشعار النيابة العامة بأية وسيلة من وسائل البريد أو الاتصال،ويمكن لها أن تقرر مرافقة أحد أعضائها لقاضي التحقيق خلال قيامه بهذه الإجراءات،ويجب على قاضي التحقيق أن يصطحب معه كاتب الضبط.
وجرى العمل القضائي على أن المعاينة التي استلزمتها متطلبات التحقيق “لا يلحقها البطلان بسبب غياب المتهم عنها، وكل ما يمكن للمتهم هو أن يتمسك لدى محكمة الموضوع بما قد يكون في المعاينة من نقص أو عيب حتى تقدرها المحكمة وهي على بينة من أمرها شأنها شأن الأدلة الأخرى “.
ويقترن إجراء الانتقال غالبا بعملية التفتيش، في جميع الأماكن التي قد يعثر فيها على أشياء يكون اكتشافها مفيدا في التحقيق. لذلك أحاطه المشرع بالضمانات المنصوص عليها في المواد 59 و 60 و 62 من ق.م. ج. حماية لما تستلزمه حرية الفرد وما تفرضه المبادئ الدستورية من حماية للمنازل،وتقضي المواد المذكورة أن التفتيش ينبغي أن يحاط بالضمانات الآتية:
– حفظ سرية الوثائق والمستندات التي يتم حجزها وعدم إطلاع الغير عليها: ويقصد بالغير كل شخص ما عدا قاضي التحقيق وكاتب الضبط وممثل النيابة العامة إذا كان حاضرا خلال إجراء التفتيش، والأشخاص الذين يستعين بهم قاضي التحقيق، وصاحب المنزل أو ممثله أو الشاهدين المدعوين لحضوره من أقاربه أو أصهاره الموجودين بعين المكان، أو في حالة تعذر ذلك فمن الغير ممن لا تربطهم علاقة تبعية بالسلطة القضائية أو الشرطة القضائية.
غير أنه يمكن إطلاع جهات أخرى على هذه الوثائق إذا تعلق الأمر بجريمة تمس بأمن الدولة أو بجريمة إرهابية،ويراد من ذلك في هذه الحالات استغلال هذه الوثائق المحجوزة من طرف جهات مختصة بمكافحة الإرهاب أو حماية أمن الدولة الداخلي أو الخارجي؛
– إذا كان التفتيش يتم في منزل المتهم، فإن قاضي التحقيق يسلك فيه مقتضيات المادة 60 من ق.م. ج. فيدعو صاحب المنزل لحضوره أو تعيين ممثل عنه،وفي حالة تعذر ذلك فبحضور شاهدين غير خاضعين لسلطة قاضي التحقيق أو القاضي المنتدب من قبله لإجراء التفتيش؛
– إذا تعلق الأمر بجناية أو جريمة إرهابية، يمكن إجراء التفتيش خارج الوقت القانوني، شريطة أن يقوم به قاضي التحقيق شخصيا بحضور ممثل النيابة العامة؛
– إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية، وكان الأمر يقتضي الاستعجال الشديد، فإنه يمكن لقاضي التحقيق إصدار قرار معلل بإجراء التفتيش بانتداب قاض أخر أو ضابط الشرطة القضائية للقيام به خارج الأوقات القانونية؛
– وإذا كان التفتيش سيجري في منزل غیر منزل المتهم فإن المادة 103 من ق.م. ج أوجبت استدعاء رب المنزل أو من يشغله لحضور هذا التفتيش، فإن تغيب أو رفض أجري التفتيش بحضور شخصين من أقاربه أو أصهاره الموجودين بالمكان،وإلا فبحضور شاهدين لا تربطهما بالسلطة القضائية أو بالشرطة القضائية أية تبعية. فإذا أجري الحجز تعين على قاضي التحقيق أن يدعو رب المنزل لحضوره وأن لا يبقي تحت الحجز سوی الوثائق المفيدة لإظهار الحقيقة والتي قد يضر الكشف عنها بسیر التحقيق في الفقرة 5 من المادة 104).
– إذا كان التفتيش سيجري في أماكن تشغلها النساء، فإن قاضي التحقيق ينتدب امرأة لتفتيش النساء.
– إذا تعلق الأمر بتفتيش أماكن يشغلها أشخاص يلزمهم القانون بحفظ السر المهني، فيتعين على قاضي التحقيق اتخاذ التدابير والاحتياطات التي تمكن من حفظ ذلك السر،ومن بين هذه التدابير مثلا، تقليص عدد الأشخاص الحاضرين إلى الحد الأدنى الواجب، وعند الاقتضاء تنبيه الحاضرين إلى ضرورة المحافظة على هذا السر وتذكيرهم بالمقتضيات القانونية التي تعاقب على إفشائه؛
– إذا تعلق الأمر بتفتيش مكتب محام، فيتعين أن يقوم به قاضي التحقيق بنفسه أو ينتدب لذلك قاض آخر،ويتم التفتيش بحضور نقيب هيئة المحامين أو بعد إشعاره بذلك بأي وسيلة من الوسائل الممكنة سواء بواسطة الهاتف أو كتابة أو شفويا أو بوسائل الاتصال الأخرى؛
ويبدو أن تبسيط القانون لكيفية الاستدعاء ولوضع المعايير المرنة التي تسمح لقاضي التحقيق بالقيام بكل الإجراءات التي يراها مفيدة للكشف عن الحقيقة، أمر ضروري تفرضه حالة الاستعجال، التي تقتضي أن تترك لقاضي التحقيق الحرية في إنجاز عمله فيما لا يمس بحقوق الدفاع وبضمان مبدأ المشروعية،وأن إلزامه باتخاذ التدابير الضرورية للحفاظ على السر المهني، وبالعمل على دعوة نقيب المحامين للحضور عند إجراء التفتيش في مكتب محام، هو إجراء تفرض الخصوصيات المهنية إعماله بسبب ما يمكن أن يضمه هذا المكتب من وثائق وأسرار تخص الغير، تم تسليمها للمحامي أو للشخص المؤتمن على السر المهني بسبب مهنته التي حرص القانون على إضفاء الحماية اللازمة عليها للمحافظة على هذه الأسرار،لذلك خصص القانون عقوبة زجرية لمن يقوم بإفشاء هذا السر، بل إن المادة 105 من ق.م.ج. تعاقب عن كل إبلاغ أو إفشاء، خلافا للقانون، لوثيقة وقع الحصول عليها من تفتيش في مرحلة التحقيق الإعدادي، بعقوبة أشد من عقوبة المادة 61 من ق.م. ج. المتعلقة بإفشاء سر التفتيش الذي تنجزه الشرطة القضائية، وذلك لأن المحافظة على السر في هذه المرحلة من البحث الجنائي ترتبط بالضمانات القضائية، إذ أن القضاء يكون قد وضع يده على القضية والأمكنة التي تسبغ عليها حماية خاصة كثيرة، ومن بينها عيادات الأطباء ومكاتب المحامين والموثقين، والأبناك ومكاتب المسؤولين النقابيين والإداريين و التراجمة و غيرهم، باعتبارها مستودع الأسرار التي يحميها القانون، ولا يباح لأي فرد الإطلاع علی ما بداخلها، لأن بها من الوثائق ما يعتبر من أسرار المهنة التي لا يجوز أن تضبط أثناء التفتيش لتعلقها بأشخاص آخرين،لذلك تقرر المادة 104 من ق.م.ج. أنه إذا تبين أثناء التحقيق ما يستوجب البحث عن وثائق في أماكن معدة لاستعمال مهني يشغله شخص ملزم بكتمان السر المهني، فعلى قاضي التحقيق أو ضابط الشرطة القضائية المنتدب من طرفه أن يطبق مقتضيات المادة 59 مسن ق.م. ج.، فيشعر أولا النيابة العامة المختصة ويتخذ مسبقا جميع التدابير لضمان احترام السر المهني.
و إذا كانت القاعدة أن جميع إجراءات التحقيق يباشرها قاضي التحقيق، فانه يجوز له أن ينيب عنه وبصفة استثنائية ضابطا للشرطة القضائية لتنفيذ إجراءات معينة، ضمن القواعد المنصوص عليها في المواد من 189 إلى 193 من قانون المسطرة الجنائية.
وسواء قام بالبحث عن الوثائق قاضي التحقيق أو الضابط المنتدب من طرفه فانه يجب على الفور إحصاء جميع الأشياء والوثائق المحجوزة ووضع الأختام عليها،ولا يمكن فرز الوثائق أو فتح الأختام إلا بحضور المتهم أو نائبه أو بعد استدعائهما، ما لم يتعذر ذلك بسبب الفرار أو لسبب آخر يتعذر معه الحضور،وإذا انصب الحجز على نقود أو سبائك أو سندات أو قيم أو أوراق تجارية يعتبر الاحتفاظ بها عينا غير ضروري لإظهار الحقيقة أو للمحافظة على حقوق الأطراف، فإن قاضي التحقيق يصدر إذنا لكاتب الضبط للإيداعها بصندوق الإيداع والتدبير أو ببنك المغرب.
وحفاظا على حقوق الأشخاص، أوجب القانون على قاضي التحقيق أن يأمر بأن تسلم للمعنيين بالأمر بناء على طلبهم في أقرب وقت ممكن، نسخ من الوثائق المحجوزة بعد المصادقة على مطابقتها للأصول من طرف كاتب الضبط، ما لم يتعارض ذلك مع متطلبات التحقيق.
و مما ذكر يتبين أن الوثائق المرتبطة بالجريمة تكون صادرة إما عن المتهم أو عن غيرهومن ذلك:
– الأوراق الشخصية، كالرسائل والمحررات والمذكرات الشخصية الصادرة عن المتهم المرتبطة وقائعها بالجريمة موضوع التحقيق والتي تم حجزها عن طريق تفتیش قانوني أو وقعت في يد الضحية أو الغير وتم الإدلاء بها؛
– أوراق صادرة عن الغير سواء كانوا أقارب المتهم أو أصدقاءه أو أجانب عنه، والتي تتضمن وقائع لها علاقة بالجريمة.
وبالإضافة إلى حجز الوثائق والمستندات، يمكن حجز المنقولات الأخرى.
وبمقتضى المادة 106 من قانون المسطرة الجنائية، يجوز القاضي التحقيق أن يأمر برد الأشياء المحجوزة تلقائيا، أو بناء علی ملتمس من النيابة العامة، أو بناء على طلب من أي طرف في القضية، أو أي شخص أخر يدعي انه له حقوقا على شيء محتفظ به لدى العدالة.
وترد الأشياء بعينها أو بقيمتها بعد بيعها، إذا كان قاضي التحقيق قد قرر بيعها خشية فسادها أو تلفها أو لتعذر الاحتفاظ بها. وذلك ما لم تكن محل نزاع، أو لازمة لسير إجراءات التحقيق، أو خطيرة، أو قابلة للمصادرة كالعملة المهربة والأسلحة غير المرخصة والسبائك المستوردة خلافا القانون،ويبلغ قاضي التحقيق طلب استرداد المحجوزات إلى الأطراف الأخرى في القضية وإلى النيابة العامة من أجل تقديم ملاحظاتهم داخل ثلاثة أيام من تاريخ التبليغ،ثم يبت في الطلب داخل ثمانية أيام،كما يمكنه أن يأمر بالرد بناء على ملتمس للنيابة العامة، أو تلقائيا ودون طلب من الأطراف،ويقبل الأمر الصادر عن قاضی التحقيق الطعن داخل أجل عشرة أيام من تاريخ تبليغه، ولذلك أوجب القانون تعليله،ولا يؤثر الطعن في سير التحقيق،ويمكن للجميع بمن فيهم الأغيار الذين يقدمون طلب الاسترداد أن يضعوا ملاحظاتهم مكتوبة لدى الغرفة الجنحية،ويمكن لكافة الأطراف في القضية – باستثناء هؤلاء الأغيار – أن يطلبوا وضع ملف الإجراءات رهن إشارتهم.
و يبقى قاضي التحقيق مختصا للنظر في طلبات رد الأشياء المحجوزة المقدمة إليه، في الوقت الذي يكون استئناف قراره بعدم المتابعة في القضية ذاتها معروضا على الغرفة الجنحية ويكون الأمر الذي يصدره في هذه الحالة قابلا للطعن طبقا لما ذكر أعلاه.

الفقرة الثانية: الأمر بالحضور و الأمر بالإحضار.

عرفت المادة 146 من ق.م. ج الأمر بالإحضار بأنه “الأمر الذي يعطيه قاضي التحقيق للقوة العمومية لتقديم المتهم أمامه في الحال”
و نظـــرا لطبيعة الأمر بالإحظار، المتجلية في التنفيذ المادي بتقييد حرية المتهم و إلزامه بالحضور، فإن القانون أوكل أمر تبليغه و تنفيذه إلى أعوان القوة العمومية المؤهلين قانونا لضبط الأشخاص و نقلهم جبرا و لو لم يكونوا ينتمون إلى جهاز الشرطة القضائية، و يمكن في حالة الإستعجال نشر الأمــر بإحضار المتهم الحر بكافة الوسائل طبقا لمقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 146 من ق.م.ج و تسليم أصله إلى الجهة المكلفة بتنفيذه، و تختلف طريقة تبليغ و تنفيذ الأمر بالإحضار تبعا للوضعية التي يكون عليها المتهم من حيث كونه معتقلا أو حـــــــرا.
فيما عرفت المادة 144 من قانون المسطرة الجنائية الأمر بالحضور بأنه “إنذار يوجهه قاضي التحقيق للمتهم للحضور أمامه في تاريخ و ساعة محددين” و هو بذلك شبيه بالإستدعاء الذي توجهه المحكمة، و لا يقيد حرية المتهم، إلا أنه في حالة عدم إمتثال المتهم له، فلقاضي التحقيق أن يلجأ إلى إصدار أوامر أخرى أشد لإحضاره بالقوة، فهو بمثابة إنذار بالحضور قبل إستعمال وسائل أخرى للإجبار على الحضور.
يبلغ هذا الأمر إلى المتهم بواسطة عون قضائي أو بواسطة الشرطة القضاائية أو القوة العمومية، و على قاضي التحقيق أن يستنطق المتهم بمجرد حضوره، و يحق للمحامي أن يحضر إلى جانب المتهم خلال الإستنطاق.

المطلب الثاني: الإستجوابات و المواجهات في إطار التحقيق الإعدادي

إن قاضي التحقيق خلال مرحلة محاولة كشفه عن الجريمة المطروحة أمامه، فإنه يلجأ لمجموعة من الإجراءات التي نص عليها قانون المسطرة الجنائية و من أبرز ما يمكن اللجوء له نجد إستجواب المتهم و الإستماع إلى الشهود (الفقرة الأولى) ثم مواجهة المتهم بالغير و إجراء الخبرة(الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى:إستجواب المتهم و الإستماع إلى الشهود

الاستجواب لغةً هو الاستنطاق، أي طرح السؤال – استجوب، استنطق أي طلب من الشخص الجواب على أسئلته(6.
والاستجواب هو إجراء من إجراءات التحقيق، يتم من خلاله إحاطة المتهم بالتهمة الموجهة إليه، ومناقشته فيها تفصيلاً، ومواجهته بالأدلة القائمة ضده، وذلك بغية تفنيدها أو الاعتراف بها.
في حين إن سؤال المتهم هو توجيه التهمة إليه، وانتظار إجابته عنها، وإثبات هذه الإجابة بشأنها دون مناقشة فيها ولا مواجهة بالأدلة القائمة قبله(7).
سؤال المتهم هو إجراء من إجراءات الاستدلال، يقتصر فقط على إحاطة المتهم بالواقعة المنسوبة إليه، وإبداء ما يشاء من أقوال في شأنها دون الخوض معه في مناقشة تفصيلية، ودون مواجهته بالأدلة القائمة ضده، أما الاستجواب فهو إجراء من إجراءات التحقيق يقوم على مناقشة المتهم تفصيلاً في التهمة المسندة إليه، ومجابهته بأدلة الاتهام، وأخذ إفادته بشأنها حتى يفندها إن كان منكراً للتهمة، أو يقر بها إن شاء الاعتراف(8.
إن المشرع لم يرتب على سؤال المتهم الآثار القانونية التي رتبها بالنسبة للاستجواب، فالحبس الاحتياطي مثلاً لا يجوز الأمر به إلا بعد استجواب المتهم بمعرفة سلطة التحقيق، ولا يجوز الأمر به بناء على سماع الأقوال بمحضر الاستدلالات، كما أن وصف التهمة وتحديد عناصرها يتوقف على ما توجهه السلطة المختصة للمتهم وتحقيق دفاعه بالنسبة لها، على عكس الحال بالنسبة لمحضر الاستدلالات الذي يسمع فيه مأمور الضبط القضائي أقوال المتهم. فوصف التهمة إنما تتولاه النيابة العامة بناء على تكييفها للوقائع الواردة بالمحضر، وليس بناء على ما ووجه به المتهم من قبل مأمور الضبط(9).
كما يتميز الاستجواب عن سؤال المتهم في أن القانون قد نص على عدة ضمانات للاستجواب لا تتوافر بالنسبة لسؤال المتهم(10).
و بخصوص شهادة الشهود فإن على قاضي التحقيق أن يستمع إلى كل شخص حضر بمحض إرادته، إذا رأى أن شهادته مفيدة في إظهار الحقيقة،وله كامل الصلاحية للاستدعاء كل شاهد أو شخص للحضور أمامه إذا قدر وجود فائدة في شهادته،ويتم الاستدعاء بالطرق الإدارية، أو برسالة مضمونة، أو بواسطة القوة العمومية التي يملك قاضي التحقيق صلاحية تسخيرها بمقتضى المادة 54 من قانون المسطرة الجنائية، أو بواسطة المفوضين القضائيين.
و إذا تخلف الشخص المستدعی وجه له قاضي التحقيق استدعاء ثانيا،فإذا تخلف رغم توصله بهذا الاستدعاء، أجبره قاضي التحقيق بناء على ملتمس النيابة العامة، على الحضور بواسطة القوة العمومية ( المادة 129 من ق.م. ج.). وأصدر في حقه أمرا غير قابل لأي طعن بأداء الغرامة المنصوص عليها في المادة 128 من ق.م.ج 222 والتي يمكن إعفاؤه منها كليا أو جزئيا إذا حضر وقدم مبررا مقبولا عن سبب تخلفه عن الحضور.
ورغبة من المشرع في تثبيت قواعد العدالة وتحقيقها، وتيسير الظروف للوصول إلى الحقيقة، فقد خول لقاضي التحقيق، بموجب المادة 131 من قانون المسطرة الجنائية، متى تمت إفادته بان الشاهد يتعذر عليه الحضور، أن ينتقل بنفسه إلى حيث يتواجد هذا الأخير، إذا كان يقيم بدائرة النفوذ الترابي لقاضي التحقيق، من أجل الاستماع إليه،كما يمكنه أن ينتدب لذلك قاضيا آخر للتحقيق إذا كان الشاهد يقيم خارج دائرة نفوذه القضائي، ويمكن لهذا الأخير أن ينتدب ضابطا للشرطة القضائية إذا كان الشاهد يقيم داخل النفوذ الترابي لدائرته بمحل بعيد عن مقر المحكمة،وترسل التصريحات في ظرف مختوم إلى قاضي التحقيق المعني بالأمر.
وبالنسبة لباقي الشهود فقد نظم قانون المسطرة الجنائية طريقة الاستماع إليهم بموجب المواد من 119 إلى 126 و 131. وأيا كانت الجهة التي تؤدي أمامها الشهادة فيتعين أن تتسم بميزتي البساطة والدقة،فبساطتها تكمن في تسهيل أسلوب أدائها ومخاطبة ضمير الشاهد ووازعه الأخلاقي والعقائدي توخيا للصدق في شهادته، مع تنبيهه عند الاقتضاء – إلى مغبة انحرافه وحياده عن قول الحق،وأما دقتها فتتجلى في التركيز خلال الاستماع إلى الشاهد على ما عاينه أو شاهده أو سمعه، دون إغفال التفاصيل والجزئيات.
و تعتبر هاتان الميزتان ضمانتين أساسيتين للوصول إلى صدق الشهادة بما يكفل الاهتداء إلى الحقيقة،لذلك حرص المشرع على أن تؤدي الشهادة وفق شكلية محددة، فقرر أن يدلي الشهود بشهادتهم أمام قاضي التحقيق بصفة منفردة لكل شاهد على حدة، بمحضر كاتب الضبط وبدون حضور المتهم.
و الغاية من أداء الشاهد شهادته منفردا هي ضمان رفع كل حرج عن الشهود ومنع تأثير بعضهم على بعض، وتفادي أي تنسيق فيما بينهم إما بصفة عفوية أو مقصودة، بخصوص ما يتعلق بالتوضيحات أو بالأسئلة التي قد تطلب منهم أو تطرح عليهم من طرف قاضي التحقيق في مكتبه.
وإذا كان الشاهد يتكلم لغة أو لهجة يصعب فهمها استمع إليه تلقائيا أو بناء على طلب بواسطة ترجمان بالغ سن الرشد (18 سنة) وغير مدعو للشهادة في القضية، بعد أدائه اليمين على أن يترجم بأمانة ما لم يكن مسجلا بجدول التراجمة المقبولين لدى المحاكم.
ونظرا لأن المشرع لم يحدد صيغة اليمين التي يؤديها الترجمان غير المحلف واكتفى بالقول في المادة 120 فقرة 2 من قانون المسطرة الجنائية “على أن يترجم بأمانة”، فنرى أن قاضي التحقيق يمكن أن يطلب أداء اليمين طبقا للصيغة المنصوص عليها في المادة 27 من ظهير 2001/ 06 / 22 ، المتعلق بالتراجمة المقبولين لدى المحاكم بصيغتها المنصوص عليه في المادة 24 من هذا القانون:
( اقسم بالله العظيم بان أترجم بأمانة ووفاء الأقوال التي ينطق بها أو يتبادلها الأشخاص وكذا الوثائق التي يعهد إلي بها في هذا الصدد، وأن أحافظ على السر المهني
وإذا أثير أثناء القيام بالترجمة نزاع في أمانتها، فلقاضي التحقيق أن يقرر إذا كان من المناسب تعيين مترجم أخر بدله. وإذا كان الترجمان محلفا وأقدم على الترجمة إلى غير اللغة المرخص له بها، يتعرض للعقوبة التأديبية طبقا للمادة 26 من ظهير 26 يونيو 2001. أما إذا كان النزاع يتعلق بتحريف الترجمان أقوال الشاهد بكيفية متعمدة، واستشف قاضي التحقيق أن ذلك التحريف ناتج عن سوء نية، فانه يعمد إلى اتخاذ ما يلزم التباشر في حقه الإجراءات القانونية وفقا لمقتضيات الفصل 374 من القانون الجنائي.
و يلزم الترجمان بكتمان السر المهني خلال أداء مهمته وإلا عرض نفسه للمساءلة الجنائية طبقا الفصل 446 من القانون الجنائي، بالإضافة لإمكانية مساءلته تأديبيا إذا كان ترجمانا محلفا.
وحرصا من المشرع على ضمان حق الدفاع حدد في المادة 121 من قانون المسطرة الجنائية شكلية خاصة للاستماع إلى الشاهد الأصم أو الأبكم تتمثل في أن توجه إليه الأسئلة وأن يجيب كتابة إذا كان يحسن الكتابة، وإلا فبواسطة شخص يحسن التحدث معه أو أي شخص قادر على التحدث معه، بعد أداء هذين الأخيرين اليمين القانونية على أن يترجما بأمانة،وإذا أثير نزاع حول هذه الأمانة فلقاضي التحقيق أن يقرر تعيين غيرهما.
ويجب أن يتضمن المحضر الذي تدون به الشهادة اسم الترجمان العائلي والشخصي وسنه ومهنته ومحل سكناه واليمين التي أداها، ويوقع المحضر الترجمان نفسه والشاهد أو يضع بصمته أو يشار إلى تعذر ذلك، إلى جانب قاضي التحقيق وكاتب الضبط.
و قبل الشروع في الاستماع إلى الشاهد يتعين على قاضي التحقيق أن يتحقق من هويته الكاملة (أي اسمه الشخص والعائلي واسم والديه، وسنه ووضعيته العائلية ومهنته ومحل سكناه، ويطلع على بطاقة تعريفة الوطنية)، ثم يستفسره عما إذا كانت تربطه علاقة قرابة أو مصاهرة بأحد طرفي النزاع وعن درجتها، ومدی تبعيته لأحد الأطراف، لأن من شأن كل هذه المعطيات أن تؤدي إلى التأثير في الشهادة، التي قد تصبح نتيجة لذلك شهادة مجاملة أو تعاطفا أو ردا للجميل أو خوفا من الطرد بالنسبة لتبعية الشغل،كما يتعين عليه أن يتأكد من أهلية الشاهد لأداء الشهادة ومن صلاحيته لأدائها وخلوه من موانعها. وأن يتأكد من عدم وجود العداوة بين الشاهد وأحد الأطراف،وهذا إجراء وإن لم يتم النص عليه صراحة في قانون المسطرة الجنائية، فقد سار عليه القضاء، لما له من دور في تفادي الانتقام عن طريق توريط أحد الأطراف أو تمهيد السبيل لإفلات المتهم من العقاب انتقاما من الضحية.
ويتعين أن يتم التنصيص على كل المعلومات السابقة في المحضر، نظرا لما في ذلك من ضبط لتحقيق للهوية،ويؤدي الشاهد اليمين بالصيغة المنصوص عليها في المادة 123 من ق.م. ج.، إذا كان القانون لا يعفيه منها، قبل الشروع في تدوين مختلف الأسئلة والأجوبة.
وعند الانتهاء من تضمين كاتب الضبط الأسئلة الموجهة إلى الشاهد وأجوبته عنها في المحضر، فإن قاضي التحقيق يدعو الشاهد إلى قراءة نص شهادته. فإذا أقرها وضع توقيعه على كل صفحة من صفحات المحضر، وإذا كان أميا وأقرها بعد تلاوتها عليه من طرف كاتب الضبط، وضع بصمته على كل صفحة على حدة. وإذا رفض الشاهد أو تعذر عليه التوقيع أو وضع البصمة، ينص على ذلك في المحضر. ويوقع القاضي وكاتب الضبط والترجمان، في حالة الاستعانة به، بدورهم على كل صفحة من صفحات المحضر الذي يصبح منذئذ ورقة رسمية لا يمكن الطعن في مضمونها إلا بالزور.
لم يتم المصادقة عليها من طرف قاضي التحقيق وكاتب الضبط والشاهد والترجمان.
ولقاضي التحقيق أن يجري مواجهة بين الشهود، أو بينهم وبين المتهمين بحضور محاميهم ما لم يتنازلوا عن ذلك. وأن يشركهم في تشخيص الجريمة، أو كل عملية مفيدة لإظهار الحقيقة.
و للشاهد الذي يحضر لأداء الشهادة أمام قاضي التحقيق بناء على الاستدعاء الذي يوجه إليه، الحق في الحصول على تعويض عن الحضور وعن الإقامة، يصرف له طبقا للمواد من 15 إلى 17 من القانون رقم 23-86 المتعلق بالمصاريف القضائية في الميدان الجنائي. ويضاعف قدر هذا التعويض إذا كان الشاهد المريض أو المصاب بعاهة يستعين بشخص مرافق، أو إذا تعلق الأمر بولد يقل عمره عن 16 سنة أو ببنت يقل عمرها عن 21 سنة ورافقهما أحد الأقارب أو الخدم. كما يدفع التعويض للشهود الذين يستمع إليهم قاضي التحقيق بمساكنهم إذا ترتب عن ذلك فقدان بعض ما يتقاضونه من أجور. كما يكون له الحق في استرداد مصاريف السفر بحسب تعريفة الدرجة الثانية بالقطار أو مؤسسة النقل العام، وإذا استعمل سيارته يعوض بحسب 0. 70 درهما للكيلومتر الواحد من مسافة الذهاب والإياب بين مقر سكناه ومقر قاضي التحقيق.
و تدفع هذه التعويضات من طرف وكيل الحسابات بالمحكمة من المبلغ الذي يكون قد أودعه المشتكي المثير للدعوى العمومية بمثابة المصاريف التي قدرها قاضي التحقيق. وإذا تعلق الأمر بدعوى حركتها النيابة العامة فتدفع التعويضات من خزينة الدولة بناء على تقدير قاضي التحقيق. وإذا كان الشاهد غير قادر على تحمل مصاريف التنقل فإنه يلجأ إلى رئيس أقرب محكمة ابتدائية ليسلمه حوالة مؤقتة على الحساب لا يقل مبلغها عن تكلفة السفر.
ولا تحول العقوبة المتخذة في حق الشاهد الحاضر والممتنع عن الشهادة أو عن أداء اليمين طبقا للمادة 128 من قانون المسطرة الجنائية، دون تطبيق العقوبات المنصوص عليها في الفصل 378 من القانون الجنائي في حقه إذا كان يعلم دليلا على براءة معتقل احتياطي أو متابع بجناية أو بجنحة وامتنع عن الإدلاء بشهادته. وفي المقابل لا يعاقب الأشخاص الذين يسمح لهم القانون بعدم الإدلاء بشهادتهم ولو طلب منهم ذلك والذين يمنحهم القانون الحرية في الإدلاء بشهادتهم أو عدم الإدلاء بها كالأطباء والجراحين وملاحظي الصحة والصيادلة والمولدات وكل شخص مؤتمن على السر المهني.

 

الفقرة الثانية:مواجهة المتهم بالغير و إجراء الخبرة.

على ضوء قانون المسطرة الجنائية المغربية، تعد مواجهة المتهم بالغير وإجراء الخبرة من الأدوات الهامة التي يستخدمها قاضي التحقيق لتعزيز الأدلة وتحديد الحقائق في إطار التحقيق الإعدادي. كل من هذه الإجراءات لها خصائص وأهمية قانونية محددة تساهم في إنفاذ العدالة.

*مواجهة المتهم بالغير

مواجهة المتهم بالغير هي إجراء يهدف إلى مقارنة وتقاطع الأقوال والشهادات بين المتهم وشهود أو أطراف أخرى متورطة أو متأثرة بالقضية. يتم استخدام هذه التقنية للكشف عن التناقضات أو تأكيد التفاصيل في الروايات المختلفة، مما يساعد في توضيح الحقائق وتقريب العدالة.
و تتم هذه هذه المواجهة بعد أن يحدد قاضي التحقيق زمان ومكان المواجهة ويتخذ التدابير اللازمة لضمان سيرها في إطار قانوني. يجب أن تتم المواجهة بحضور المحامين إذا كان المتهمون أو الأطراف الأخرى يمثلهم محامون. يُسمح بتسجيل هذه المواجهات إذا لزم الأمر، ويجب أن تتم بطريقة تحترم الحقوق الأساسية للمتهمين والشهود.

*إجراء الخبرة

الخبرة هي تقييم أو تحليل يجريه خبراء مؤهلون في مجالات معينة ذات صلة بالقضية، مثل الطب الشرعي، الخطوط، المعلوماتية، وغيرها. الغرض من الخبرة هو توفير رأي فني أو علمي قد يساعد في حل عناصر معقدة في القضية، وتقديم دليل يمكن الاعتماد عليه في المحكمة.
حيث يمكن لقاضي التحقيق أن يأمر بإجراء خبرة عندما يرى أن القضية تتطلب رأياً فنياً أو متخصصاً، يجب تحديد المهمة المطلوبة بدقة واختيار الخبراء وفقاً لتخصصهم ومهنيتهم. يُطلب من الخبراء تقديم تقرير مفصل عن نتائجهم، وقد يُطلب منهم أيضاً الحضور في المحاكمة لشرح نتائجهم أمام القضاء.
و تلعب كل من الخبرة و مواجهة المتهم بالغير دورًا حاسمًا في تعزيز العدالة خلال مرحلة التحقيق الإعدادي، حيث أن هذه الإجراءات تسهم في بناء قضية متينة ضد المتهم أو في تبرئته إذا ما كانت الأدلة غير كافية أو تشير إلى براءته. المواجهة تكشف التناقضات وتؤكد التفاصيل، بينما تقدم الخبرة رؤى تقنية وعلمية قد تكون خارج نطاق تخصص المحكمة أو قاضي التحقيق.
كما يترتب عنها زيادة الدقة والشفافية: إجراءات مثل المواجهة والخبرة تساعد في ضمان أن جميع الجوانب والشهادات المتعلقة بالقضية يتم فحصها بدقة، مما يزيد من الشفافية في العملية القضائية.
حماية الحقوق و ذلك بتأكيد التزام النظام القضائي بحماية حقوق الإنسان من خلال ضمان معاملة عادلة وشفافة لكل من المتهم والأطراف الأخرى المعنية.

خاتمـــــــة:

يشكل التحقيق الإعدادي على ضوء قانون المسطرة الجنائية المغربية ركيزة أساسية لضمان تحقيق العدالة وتعزيز النزاهة ضمن الإطار القضائي. من خلال تطبيق قانون المسطرة الجنائية، يتم إرساء أسس قوية لحماية الحقوق والحريات الفردية وكذلك تعزيز الأمن العام، مما يعكس التزام المغرب بالمعايير الدولية في مجال حقوق الإنسان والعدالة الجنائية. ومع ذلك، تظل هناك تحديات تتطلب معالجة مستمرة لضمان التوازن العادل بين الحقوق الفردية ومتطلبات الأمن العام. من المهم أن يستمر المشرعون والمهنيون القانونيون في تقييم وتحسين الإجراءات لتلبية هذه المتطلبات بكفاءة وفعالية. وبهذا، يمكن للنظام القضائي المغربي أن يواصل تعزيز مكانته كنظام عادل وشفاف، يحترم الحقوق ويحمي الأمن العام بالتوازي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...التفاصيل

موافق