بيع العقار في طور الإنجاز

بيع العقار على التصاميم بالمغرب: الضمانات القانونية وحماية المشتري في عقد VEFA

صورة عن بيع العقار في طور الإنجاز: ورشة بناء قيد الإنجاز ومصافحة تعاقدية مع مطرقة قاضٍ وتصاميم ومفاتيح وبيت مصغّر، مع عنوان “بيع العقار على التصاميم” وترجمته الفرنسية.

مقدمة

يحتل قطاع العقار مكانة محورية في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للمملكة المغربية، إذ لا يمثل فقط قاطرة للتنمية من خلال مساهمته الوازنة في الناتج الداخلي الخام وتوفير فرص الشغل، بل يضطلع بدور أساسي في تحقيق الأمن السكني للمواطنين.

وفي خضم التحولات التي شهدها هذا القطاع، برز نمط تعاقدي حديث يُعرف بـ “بيع العقار في طور الإنجاز” أو ما يصطلح عليه بالفرنسية (Vente en l’état futur d’achèvement – VEFA)، كآلية تهدف إلى التخفيف من حدة أزمة السكن وتمكين فئات واسعة من المجتمع من الولوج إلى الملكية العقارية.
وقد ظل هذا النوع من البيوع، لفترة طويلة، خاضعاً للقواعد العامة المنصوص عليها في قانون الالتزامات والعقود، وهو ما أفرز العديد من الإشكاليات العملية التي كانت في غالبها تضر بمصالح المشتري، باعتباره الطرف الضعيف في هذه العلاقة التعاقدية.

وإدراكاً من المشرع المغربي لهذه المخاطر، تدخل لتنظيم هذا العقد بموجب القانون رقم 44.00 المتمم لقانون الالتزامات والعقود، والذي خضع بدوره لتعديل جوهري بمقتضى القانون رقم 107.12، سعياً منه إلى إرساء توازن عقدي يضمن حقوق طرفي العلاقة ويشجع الاستثمار في الميدان العقاري.

وعليه، تطرح الإشكالية المحورية التالية نفسها بإلحاح: إلى أي مدى نجح المشرع المغربي، من خلال الإطار القانوني المنظم لبيع العقار في طور الإنجاز، في إقامة توازن حقيقي بين ضرورات تشجيع الاستثمار العقاري ومتطلبات حماية المشتري كطرف ضعيف في العقد؟

وللإحاطة بمختلف جوانب هذه الإشكالية، سنعتمد التصميم التالي:

•المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والشروط الشكلية لعقد بيع العقار في طور الإنجاز
•المبحث الثاني: آثار عقد بيع العقار في طور الإنجاز والضمانات المقررة لأطرافه

 

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي والشروط الشكلية لعقد بيع العقار في طور الإنجاز

 

لقد خص المشرع المغربي عقد بيع العقار في طور الإنجاز بتنظيم دقيق، محاولاً وضع إطار قانوني واضح المعالم (المطلب الأول)، كما أخضعه لشكلية مشددة تهدف إلى حماية رضا المتعاقدين (المطلب الثاني).

المطلب الأول: مفهوم عقد بيع العقار في طور الإنجاز وخصائصه

يقتضي فهم هذا العقد المركب تحديد تعريفه وتمييزه عن غيره من العقود المشابهة (الفقرة الأولى)، ثم استجلاء خصائصه التي تميزه (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعريف بيع العقار في طور الإنجاز وتمييزه عن العقود المشابهة

عرف المشرع المغربي بيع العقار في طور الإنجاز في الفصل 1-618 من قانون الالتزامات والعقود بأنه “كل اتفاق يلتزم البائع بمقتضاه بإنجاز عقار داخل أجل محدد، كما يلتزم فيه المشتري بأداء الثمن تبعا لتقدم الأشغال”.

ويضيف الفصل أن “البائع يحتفظ بحقوقه وصلاحياته باعتباره صاحب المشروع إلى غاية انتهاء الأشغال”.

من خلال هذا التعريف، يتضح أننا أمام عقد يجمع بين خصائص عقد البيع (نقل الملكية مقابل ثمن) وخصائص عقد المقاولة (الالتزام بإنجاز عمل).
ويتميز هذا العقد عن الوعد بالبيع في كونه عقداً باتاً وملزماً للجانبين منذ إبرامه، في حين أن الوعد بالبيع هو عقد تمهيدي يلتزم بموجبه الواعد ببيع العقار إذا ما أبدى الموعود له رغبته في الشراء خلال مدة معينة.

كما يختلف عن عقد المقاولة الذي يلتزم فيه المقاول بتقديم عمله فقط أو عمله والمواد معاً، دون أن يكون هناك نقل للملكية بالمعنى الدقيق الذي نجده في بيع العقار في طور الإنجاز، حيث تنتقل الملكية للمشتري تدريجياً مع تقدم البناء.

الفقرة الثانية: خصائص عقد بيع العقار في طور الإنجاز

يتميز عقد بيع العقار في طور الإنجاز بمجموعة من الخصائص الجوهرية، فهو أولاً عقد شكلي، حيث أوجب المشرع في الفصل 3-618 من ق.ل.ع أن يحرر، تحت طائلة البطلان، بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى مهنة قانونية منظمة ويخول لها قانونها تحرير العقود.

وهو ثانياً عقد ملزم للجانبين، إذ يرتب التزامات متقابلة على عاتق كل من البائع والمشتري.

وهو ثالثاً عقد معاوضة، يحصل فيه كل طرف على مقابل لما يعطيه.

وأخيراً، هو عقد زمني أو ممتد التنفيذ، حيث أن الالتزامات المترتبة عنه، خاصة التزام البائع بالإنجاز والتزام المشتري بالأداء، لا تنفذ دفعة واحدة بل تمتد عبر فترة زمنية هي مدة إنجاز المشروع.

المطلب الثاني: شروط وإجراءات إبرام عقد بيع العقار في طور الإنجاز

أحاط المشرع عملية إبرام هذا العقد بمجموعة من الإجراءات والشكليات، بدءاً من مرحلة تمهيدية اختيارية (الفقرة الأولى) وصولاً إلى العقد الابتدائي الملزم (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: عقد التخصيص كمرحلة تمهيدية

استحدث القانون رقم 107.12 “عقد التخصيص” كمرحلة اختيارية تسبق العقد الابتدائي. ويهدف هذا العقد، حسب الفصل 3-618 مكرر مرتين، إلى تمكين المشتري من حجز عقار معين مقابل دفع مبلغ لا يتجاوز 5% من الثمن الإجمالي. وقد أحاطه المشرع بضمانات هامة لحماية المشتري، أهمها التنصيص على بطلان كل عقد تخصيص مبرم قبل الحصول على رخصة البناء، ومنح المشتري حق التراجع عن العقد داخل أجل شهر من تاريخ إبرامه، مع استرجاع المبلغ المدفوع كاملاً داخل أجل سبعة أيام.

الفقرة الثانية: العقد الابتدائي وشروطه الشكلية والموضوعية

يعتبر العقد الابتدائي المرحلة الحاسمة في تكوين العلاقة التعاقدية. وقد فرض المشرع، كما أسلفنا، أن يحرر في شكل رسمي أو عرفي ثابت التاريخ تحت طائلة البطلان. ولم يكتف بذلك، بل نص في الفصل 3-618 على مجموعة من البيانات الإلزامية التي يجب أن يتضمنها العقد، كهوية الأطراف، ومواصفات العقار، والثمن الإجمالي وكيفية الأداء، وأجل التسليم، ونسخة من التصاميم المعمارية ودفتر التحملات. كما لا يجوز إبرام العقد الابتدائي إلا بعد انتهاء الأشغال المتعلقة بأساسات البناء على مستوى الطابق الأرضي (الفصل 5-618)، وهو شرط يهدف إلى التأكد من جدية المشروع قبل إلزام المشتري بأداءات مالية هامة.

المبحث الثاني: آثار عقد بيع العقار في طور الإنجاز والضمانات المقررة لأطرافه

يرتب عقد بيع العقار في طور الإنجاز التزامات متقابلة على عاتق طرفيه (المطلب الأول)، وقد عمل المشرع على إحاطة هذه الالتزامات بمجموعة من الضمانات والجزاءات لضمان حسن تنفيذ العقد (المطلب الثاني).

المطلب الأول: التزامات أطراف العقد

تتمحور آثار العقد حول التزامات جوهرية تقع على كل من البائع (الفقرة الأولى) والمشتري (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التزامات البائع

يقع على عاتق البائع (المنعش العقاري) التزام أساسي بإنجاز العقار وفقاً للمواصفات المتفق عليها في دفتر التحملات وداخل الأجل المحدد في العقد. كما يلتزم بتقديم ضمانة بنكية أو تأمين لضمان إنهاء الأشغال أو استرجاع الأقساط المؤداة في حالة عدم تنفيذ العقد (الفصل 9-618). وبعد انتهاء الأشغال، يلتزم البائع بالحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة، وإخطار المشتري بذلك من أجل إبرام العقد النهائي وتسليم المفاتيح.

الفقرة الثانية: التزامات المشتري

يتمثل الالتزام الجوهري للمشتري في أداء الثمن على شكل أقساط تتناسب مع تقدم مراحل الأشغال، وذلك وفق النسب المحددة حصراً في الفصل 6-618 من ق.ل.ع. وتبدأ هذه الأقساط من 5% عند عقد التخصيص (إن وجد) و 10% عند العقد الابتدائي، وتتدرج مع مراحل البناء (انتهاء الأساسات، الأشغال الكبرى، الأشغال النهائية) لتصل إلى 20% الأخيرة عند إبرام العقد النهائي. كما يلتزم المشتري بإبرام العقد النهائي بعد توصله بإشعار انتهاء الأشغال من طرف البائع.

المطلب الثاني: الضمانات القانونية وآليات حماية المشتري

سعياً لتحقيق التوازن العقدي، أقر المشرع ضمانات هامة لحماية المشتري (الفقرة الأولى) ورتب جزاءات على الإخلال بالالتزامات (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الضمانات المقررة خلال مرحلة الإنجاز

تتجلى أبرز ضمانة في إلزام البائع بتقديم “ضمانة إنهاء الأشغال” أو “ضمانة استرجاع الأقساط المؤداة”. فالأولى تضمن للمشتري أن المشروع سيتم إنجازه حتى في حالة عسر البائع، بينما تضمن الثانية للمشتري استرجاع أمواله في حالة فسخ العقد بسبب خطأ البائع. كما خول المشرع للمشتري إمكانية إجراء تقييد احتياطي على الرسم العقاري للحفاظ على حقوقه، ويصبح هذا الإجراء إلزامياً على البائع إذا تجاوزت التسبيقات 50% من الثمن (الفصل 10-618). ويضاف إلى ذلك نظام الأداء بالأقساط الذي يربط دفع الثمن بتقدم الأشغال، مما يمنع البائع من الحصول على كامل الثمن قبل إنجاز التزامه.

الفقرة الثانية: الجزاءات المترتبة عن الإخلال بالالتزامات وآليات فض النزاعات

في حالة إخلال أحد الطرفين بالتزاماته، نظم المشرع آليات للجزاء. ففي حالة تأخر المشتري في أداء الأقساط، يحق للبائع الحصول على تعويض لا يتجاوز 1% عن كل شهر تأخير، على ألا يتعدى 10% في السنة (الفصل 8-618). وفي المقابل، إذا تأخر البائع في إنجاز العقار، فإنه يتحمل تعويضاً بنفس النسبة. وفي حالة رفض أحد الطرفين إتمام البيع، يحق للطرف المتضرر إما المطالبة بفسخ العقد مع المطالبة بتعويض لا يقل عن 10% من الثمن الإجمالي، أو اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم بإتمام البيع، ويعتبر هذا الحكم بمثابة عقد نهائي (الفصل 19-618). وقد أكدت محكمة النقض في عدة قرارات على تطبيق هذه المقتضيات بما يضمن حقوق الطرف المتضرر.

خاتمة

ختاماً، يمكن القول إن المشرع المغربي، من خلال القانون رقم 44.00 المعدل والمتمم بالقانون رقم 107.12، قد بذل جهداً تشريعياً محموداً لتنظيم عقد بيع العقار في طور الإنجاز، واضعاً نصب عينيه هدفاً مزدوجاً يتمثل في تشجيع الاستثمار العقاري من جهة، وتوفير حماية قانونية فعالة للمشتري من جهة أخرى.
وقد تجلت هذه الحماية في إقرار شكلية العقد، ووضع بيانات إلزامية، وتنظيم مرحلة عقد التخصيص، وإقرار ضمانات مالية (ضمانة الإنهاء أو الاسترجاع)، فضلاً عن آلية التقييد الاحتياطي والجزاءات المترتبة عن الإخلال. إلا أن التطبيق العملي لهذه النصوص كشف عن استمرار بعض الصعوبات، خاصة فيما يتعلق بتفعيل الضمانات البنكية وتعقيد المساطر القضائية، مما يستدعي يقظة مستمرة من القضاء لضمان التطبيق السليم للقانون وتكريس الحماية التي أرادها المشرع، وربما التفكير في آليات بديلة لفض النزاعات كالوساطة والتحكيم لتسريع وتيرة حل الخلافات الناشئة عن هذا العقد الحيوي.

المراجع

النصوص القانونية:

•الظهير الشريف الصادر في 9 رمضان 1331 (12 أغسطس 1913) بمثابة قانون الالتزامات والعقود، كما تم تغييره وتتميمه.
•القانون رقم 44.00 المتعلق ببيع العقارات في طور الإنجاز، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.309 بتاريخ 3 أكتوبر 2002.
•القانون رقم 107.12 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 44.00، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.16.05 بتاريخ 3 فبراير 2016.

المؤلفات والكتب:

•عبد الرحمان الشرقاوي، “قانون العقود الخاصة: الكتاب الأول عقد البيع”، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط.
•محمد الكشبور، “بيع العقار بين الفقه والقانون”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
•عبد القادر العرعاري، “النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المغربي”، مطبعة الكرامة، الرباط.
•عبد الحفيظ مشماشي، “بيع العقار في طور الإنجاز: دراسة على ضوء القانون المغربي والمقارن”، 2012.

الأطروحات والرسائل:

•محمد الخضراوي، “بيع العقار في طور الإنجاز”، أطروحة لنيل الدكتوراه في الحقوق، جامعة محمد الأول، وجدة، 2013.

المقالات:

•العربي محمد مياد، “مستجدات بيع العقار في طور الإنجاز على ضوء القانون 107.12″، مقال منشور بموقع MarocDroit.
•عبد الرحمان الشرقاوي، “تنظيم بيع العقار في طور الإنجاز بين تشجيع الاستثمار وحماية الطرف الضعيف”، مقال منشور بمركز إدريس الفاخوري للدراسات والأبحاث.
•مريم عزوزي، “الالتزامات القانونية لأطراف عقد بيع العقار في طور الإنجاز”، مجلة جسور.

الاجتهادات القضائية:

•قرارات محكمة النقض المغربية (الغرفة المدنية والتجارية).
•قرارات محاكم الاستئناف التجارية بالمغرب.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق