أركان العقد الأهلية

عالـم القانون
2020-08-18T23:42:42+01:00
دروس القانونقانون الإلتزامات و العقود
عالـم القانون6 يوليو 2020871
أركان العقد الأهلية

لم يسمح القانون لأي كان أن يقوم بإبرام العقود، بل لابد من اتصافه بصفة تجعله أهلا للقيام بذلك. وهذه الصفة اصطلح عليها المشرع بالأهلية، هذه الأهلية جعلها المشرع ركنا من أركان العقد التي لا يقوم بدونها.
ومن أجل الإحاطة بهذه الأهلية لابد من تعريفها، و تحديد أنواعها، والعوارض التي تطرأ عليها. لذلك سنقسم هذا الدرس لمحورين: المحور الأول نخصصه لتعريف الأهلية. والمحور الثاني نخصصه لأنواع الأهلية. على أن نرجئ الحديث عن عوارض الأهلية إلى الدرس المقبل حتى لا نطيل الفيديو وحتى نسهل عملية الاستيعاب.
وقبل أن نبدأ في الدرس، لابد أن نشير إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي القانون الذي ينظم أحكام الأهلية. حيث نجد مدونة الأسرة الصادرة سنة 2004، وقانون الالتزامات والعقود الصادر سنة 1913. وعلى اعتبار أن مدونة الأسرة هي القانون الجديد فإن أحكامه هي الواجبة التطبيق، كما أن المادة 397 منها نصت على أن هذه المدونة تنسخ جميع الأحكام المخالفة لها، أو التي قد تكون تكرارا لها. وبذلك فإننا سنحتكم إلى قانون الالتزامات والعقود في كل الأحكام التي لا تخالف مدونة الأسرة، وكذا للتي لا تعتبر تكرارا لها.
ونبدأ الدرس على بركة الله ب:
المحور الأول: تعريف الأهلية
الأهلية لغة: هي الصلاحية والجدارة والكفاءة. يقال فلان أهل لتحمل المسؤولية، فهو جدير بتحملها. ويقول الله تعالى في كتابه العزيز: “هو أهلا التقوى وأهل المغفرة”. وأهل التقوى تعني أنه جدير بأن يتقيه الناس، كما نقول: “فلان أهل للإكرام”.
ومعنى قوله تعالى: “وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ” أن المغفرة من خصائصه سبحانه، وأنّه جدير بأن يَغفر لعباده. كما أنه سبحانه وتعالى هو من يملك، ولوحده، الصلاحية والكفاءة لكي يغفر للإنسان خطاياه.
أما في الاصطلاح القانوني، فهي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق، وتحمل الالتزامات، ومباشرة التصرفات القانونية، التي يكون من شأنها أن تكسبه حقا، أو تحمله التزاما على وجه يعتد به قانونا.
وبذلك فهي وصف يلحق الشخص ويجعله قابلا لأن تكون له حقوق وتَجِبَ عليه واجبات. وبمعنى آخر فهي قدرة الشخص على التمتع بالحقوق وتحمل الواجبات.
وعليه فبمجرد ما تكون للشخص أهلية، يكون كفؤا لتحمل الالتزامات واكتساب الحقوق، وممارسة التصرفات التي يسمح بها القانون، من بيع وشراء وغيرها. أما الشخص الذي لا يتوفر على أهلية فلا يكون صالحا لذلك، ولا تكون له القدرة على اكتساب حقوق او تحمل التزامات أو إتيان التصرفات القانونية.
والأهلية ليست على نوع واحد، بل تنقسم إلى أنواع حددها القانون. وهو ما سنكتشفه في المحور الموالي.
المحور الثاني: أنواع الأهلية
الأهلية كما حددتها مدونة الأسرة على نوعين: أهلية وجوب وأهلية أداء. سنتعرف على كل واحدة على حدة على الشكل التالي.
1-أهلية الوجوب
عرفت مدونة الأسرة في المادة 207 أهلية الوجوب على أنها: “صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق، وتحمل الواجبات التي يحددها القانون، وهي ملازمة للشخص طول حياته ولا يمكن حرمانه منها.”
وبناء على هذا التعريف، فإن أهلية الوجوب هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له وتحمله الالتزامات.
وهذا النوع من الأهلية أساسه وصف الإنسانية، ولا علاقة له بسن الشخص ولا بالعقل أو الرشد. فطالما أن الانسان على قيد الحياة فإن هذه الأهلية لصيقة به، ولا تسقط عنه لأي سبب من الأسباب.
وزيادة في التوضيح، نقول إن القانون قد خول لجميع الأشخاص الذين هم على قيد الحياة حقوقا يتمتعون بها، وفرض عليهم التزامات يتقيدون بها مهما كانت سنهم أو قواهم العقلية، لأنهم متمتعون بأهلية الوجوب.
وسنرى فيما بعد أن أهلية الأداء (وهي النوع الآخر من الأهلية) تحكمها عوامل وهي السن والإدراك والتمييز، أي درجة التمتع بالقوى العقلية. أما هذا النوع من الأهلية الذي نحن بصدده- أي أهلية الوجوب- فلا يخضع لعامل السن أو القوى العقلية، بل يلتصق بالحياة، فمادام الشخص على قيد الحياة، فإنه يتمتع بأهلية الوجوب، أي أهلية اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات التي فرضها القانون عليه.
وقد قسم الفقه أهلية الوجوب إلى قسمين: أهلية وجوب ناقصة، وأهلية وجوب كاملة.
أ-أهلية الوجوب الناقصة:
تتحقق أهلية الوجوب الناقصة إذا كان الشخص أهلا لثبوت بعض الحقوق له فقط (ونسطر على كلمة بعض، أي لا تثبت له جميع الحقوق)، وليس بأهل لترتب الالتزامات عليه. وتتحقق هذه الأهلية للجنين في بطن أمه قبل أن يولد، وبذلك كانت له أهلية وجوب ولكنها ناقصة.
وبناء على هذه الأهلية، تثبت للجنين بعض الحقوق دون البعض الآخر، حيث تثبت له الحقوق التي لا تحتاج في وجودها وثبوتها وصحتها إلى قَبول منه، وبالمقابل لا يتحمل أي التزامات. ومن الحقوق التي تجب له: الإرث والوصية وإلحاق نسبه بوالده، (فالوصية مثلا لا تحتاج إلى قبول الموصى له حتى تقوم صحيحة. إذ بمجرد ما يوصي الموصي، تقوم الوصية كتصرف صادر من جانب واحد، ولا تحتاج لقبول الطرف الآخر المستفيد من الوصية أي الموصى له)
وبالمقابل فإن الجنين لا تجب عليه التزامات، أي لا تجب عليه حقوق لغيره أيا كانت هذه الحقوق، لأن وجوب الحقوق على الشخص يكون بفعل التزام يلزمه على نفسه، والجنين لا يتصور منه ذلك. فاذا انفصل حيا عن بطن أمه صارت له أهلية وجوب كاملة.
هذا بالنسبة لأهلية الوجوب الناقصة، أما أهلية الوجوب الكاملة فهي
ب-أهلية الوجوب الكاملة:
هي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له، وتحمله الالتزامات التي يفرضها القانون. وتثبت هذه الأهلية من لحظة ولادة الشخص حيا، وتبقى معه طول حياته، ولا تزول عنه إلا بموته.
وهي ثابتة للشخص سواء كان مميزا أو غير مميز، فلا يوجد شخص عديمها. ولا تتأثر هذه الأهلية بأي مؤثر عدا الموت، أي أنها لا تنقص ولا تعدم، لأن مناطها الحياة. فهي بهذا المعنى ملازمة لوجود الروح في الجسد، دون نظر لصغر الشخص أو كبره أو عقل. ومتى أصبح الشخص كامل أهلية الوجوب، فإنه تثبت له الحقوق وتترتب عليه الالتزامات.
وأهلية الوجوب لا علاقة لها بمجال التصرفات القانونية فهي فقط اكتساب الشخصية القانونية. ويعرف التصرف القانوني على أنه: “اتجاه الإرادة إلى إحداث أثر قانوني، سواء كان هذا الأثر إنشاء حق أو تعديله أو إنهاءه”. والتصرف القانوني يكون إما من جانب واحد، مثل الوصية، فهي تحتاج إلى رضا طرف واحد فقط لتقوم صحيحة. أو من جانبين ونعني بها العقد.
وعليه فإننا لا نعني بأهلية الوجوب صلاحية الشخص لإبرام التصرفات القانونية، وإنما اكتساب شخصية قانونية، والتي تعني الأهلية لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات المنصوص عليها قانونا.
وبعبارة أخرى فالشخص الذي تثبت له أهلية الوجوب لا يعني ذلك أنه أهل لإبرام التصرفات القانونية، بل يعني ذلك أنه قد أصبحت لديه صلاحية لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات التي يفرضها القانون.
والفرق بين أهلية الوجوب الناقصة وأهلية الوجوب الكاملة، هو أن الأولى تخول للشخص اكتساب بعض الحقوق دون تحمل أي التزام، في حين أن الثانية تخوله اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات التي يفرضها القانون.
هكذا بعد أن تعرفنا على أهلية الوجوب بنوعيها الناقصة والكاملة، لن يكتمل الحديث عن الأهلية إلا بعرض أهلية الأداء، النوع الثاني من الأهيلة.

2-أهلية الأداء
عرفتها المادة 208 من مدونة الأسرة على أنها: “صلاحية الشخص لممارسة حقوقه الشخصية والمالية ونفاذ تصرفاته. ويحدد القانون شروط اكتسابها وأسباب نقصانها أو انعدامها.”
ويقصد بها قدرة الشخص على إبرام التصرفات القانونية لحسابه. وهذه القدرة والصلاحية حدد القانون كيفية اكتسابها، والأسباب التي تتسبب في نقصانها، والأسباب التي تعدمها.
وأهلية الأداء هذه يطلق عليها القانون مصطلح الأهلية على عمومها ، لذلك عندما نجد مصطلح الأهلية على إطلاقيته في نصوص القانون فإننا نفهم منه أنه أهلية الأداء. ولذلك وسيرا على نفس المنوال، فإننا بعد الآن سنستعمل مصطلح الأهلية قاصدين بها أهلية الأداء.
وقبل أن نبدأ في دراسة أهلية الأداء لابد أن نعرج على ملاحظة غاية في الأهمية وهي أنه
ملاحظة:
إذا أمعنا القراءة في الفصل208 من مدونة الأسرة والذي عرف لنا أهلية الأداء، نلاحظ أن القواعد المنظمة لهذه الأهلية هي من النظام العام. لذلك وجب احترامها وفق ما قرره المشرع، فلا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها.
وبناء عليه لا يجوز عن طريق الاتفاق، منح شخص أهلية لا يتمتع بها بحكم القانون، أو حرمانه من أهلية يخولها له القانون. فمثلا إذا باع قاصر عقارا وتعهد للمشتري بعدم الطعن في البيع بعد بلوغه سن الرشد، كان تعهده باطلا.
بعد الإدلاء بهذه الملاحظة نعود للفصل 208 نفسه والذي قسم الأهلية إلى ثلاث:
هكذا فالأهلية إما أن تكون كاملة أو ناقصة أو منعدمة
فيكون الشخص كامل الأهلية عند بلوغ سن الرشد القانوني، مع ضرورة خلوه من العوامل أو العوارض التي تعدم الأهلية أو تنقصها.
وذلك بخلاف أهلية الوجوب التي مناطها الحياة، أي أن مجرد التواجد على قيد الحياة، يجعل الشخص بالغا أهلية الوجوب دون قيد أو شرط. ويترتب عن ذلك أن الشخص إذا كانت تكتمل أهلية الوجوب لديه بمجرد ولادته حيا، فإنه يبقى مع ذلك غير متمتع بأهلية الأداء إلا بعد أن يبلغ سن الرشد.
وقد حددت المادة 209 من مدونة الأسرة سن الرشد القانوني في 18 سنة شمسية كاملة. وكل من بلغ هذا السن ولم يثبت سبب من أسباب نقصان أهليته أو انعدامها يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه وتحمل التزاماته، كما نصت على ذلك المادة 210 من مدونة الأسرة.
إذن فالشخص البالغ سن 18 سنة، والخالي من أسباب نقصان الأهلية أو انعدامها، تكون له أهلية كاملة تخوله الصلاحية لمباشرة حقوقه والتصرف في أمواله بجميع أنواع التصرفات، كما تخوله تحمل الالتزامات دون توقف ذلك على إذن من غيره.
هكذا فالعقود التي يبرمها الشخص كامل الأهلية، تعتبر صحيحة ونافذة، وتنتج آثارها القانونية. سواء كانت عقود معاوضة أو عقود تبرع. وبالتالي لا يمكن أن تتعرض للإبطال بسبب نقص الأهلية أو البطلان بسبب انعدام الأهلية.
وبالمقابل فإن كل من لم يبلغ سن 18 سنة يعتبر قاصرا، ولا يمكنه أن يجري أي تصرف قانوني بل يقوم بذلك نائبه الشرعي. والنائب الشرعي كما حددته مدونة الأسرة في المادة 231 هو إما الولي أو الوصي أو المقدم. وطبيعة الدرس لا تسمح لنا بالتوسع في موضوع النيابة الشرعية، لأننا محصورين في الأهلية كركن من أركان العقد وفي مادة قانون الالتزامات والعقود.
وعلى العموم، فإن الأصل في الشخص كمال الأهلية، أما الانعدام والنقصان فهما عارضان، ويقع على من يدعي خلاف الأصل عبء الاثبات.
وهذا يعني أن كل من بلغ سن 18 سنة يعتبر كامل الأهلية، وله صلاحية إبرام العقود، سواء كانت عقود تبرع أو عقود معاوضة، حيت تعتبر هذه العقود صحيحة ونافذة ولا يمكن إبطالها أو بطلانها.
وإذا ما ادعى شخص ما على أن المتعاقد معه الذي بلغ سن 18 سنة، هو شخص ناقص الأهلية أو فاقدها، فإن القانون ألزمه بإثبات ذلك، وفقا للقاعدة العامة التي تقول أن كل من يدعي خلاف الأصل يقع على عاتقه عبء الاثبات. والأصل أن الشخص البالغ سن 18 سنة هو شخص كامل الأهلية، ومن أجل إثبات عكس ذلك يتوجب على من يدعي ذلك أن يثبت الجنون أو السفه أو العته.
هكذا تتدرج الأهلية من أهلية منعدمة، أهلية ناقصة إلى أهلية كاملة، والعوامل التي تتحكم فيها هي السن والجنون والعته والسفه.
فبالنسبة لعامل السن: يكون الشخص عديم الأهلية عندما تقل سنه عن 12 سنة، ويكون ناقص الاهلية عندما تتراوح سنه بين 12 و 18 سنة، ويكون كامل الأهلية عندما يتم 18 سنة.
أما الجنون: فيعدم الأهلية، أي أن الشخص المجنون لا يتوفر على الأهلية. وبالتالي فلا يمكنه إبرام التصرفات القانونية، بل يحتاج لمن يقوم بذلك مقامه ولحسابه، وهو النائب الشرعي.
وأخيرا العته والسفه: ينقصان الأهلية، فكل شخص ثبت أنه معتوه أو سفيه، يعتبر ناقص الأهلية.
والتفصيل في نقصان وانعدام الأهلية نتركها للدرس المقبل حتى نوفيها حقها في الشرح.
خلاصة القول أن كل من بلغ سن 18 سنة يعد كامل الأهلية. والجنون والعته والسفه هي عوارض تصيب الأهلية فتعدمها (الجنون) أو تنقصها (العته والسفه).

عالـم القانون

عالم القانون World of law هو موقع (www.alamalkanoun.com) ينشر مقالات قانونية مواكبة لأخر المستجدات القانونية في شتى تخصصاتها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...التفاصيل

موافق