الملكية المشتركة للعقارات المبنية

الملكية المشتركة بالمغرب: من النص إلى إكراهات التسيير

عالـم القانون25 فبراير 2026
ميزان عدالة فوق كتب قانون 18.00 و106.12 أمام عمارات سكنية بالمغرب مع مخططات وآلة حاسبة ومفاتيح، في إشارة لتسيير الملكية المشتركة.

مقدمة

شهد المغرب تحولات عمرانية واجتماعية متسارعة، تمثلت في التوسع الحضري الكثيف والنمو الديموغرافي، مما أدى إلى بروز نمط جديد من السكن العمودي وانتشار ظاهرة العمارات المقسمة إلى شقق وطبقات. هذا الواقع الجديد فرض على المشرع المغربي ضرورة إيجاد إطار قانوني خاص ينظم هذا النوع من الملكية العقارية، التي تتداخل فيها الملكية الفردية الخاصة مع الملكية الشائعة الإجبارية، بما يضمن حقوق الملاك ويحدد التزاماتهم، وينظم إدارة وتسيير الأجزاء المشتركة للعقار.
وقد كانت البداية مع ظهير 16 نونبر 1946، الذي شكل أول تنظيم قانوني للملكية المشتركة، إلا أنه سرعان ما أبان عن قصوره وعدم قدرته على مواكبة التطورات وحل الإشكالات العملية المطروحة. واستجابة لهذه الحاجة الملحة، تدخل المشرع بإصدار القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.02.298 بتاريخ 3 أكتوبر 2002. وقد شكل هذا القانون نقلة نوعية، حيث وضع قواعد مفصلة لتنظيم هذا النمط من الملكية، سواء من حيث تحديد مكوناتها أو من حيث تنظيم أجهزة إدارتها وتسييرها. ولاحقاً، ولمعالجة بعض الثغرات التي كشف عنها التطبيق العملي، وتوسيع نطاق هذا النظام ليشمل أشكالاً جديدة من التجمعات السكنية، تم تعديل وتتميم هذا القانون بموجب القانون رقم 106.12 الصادر سنة 2016.
تكمن أهمية هذا الموضوع في كونه يلامس واقعاً يعيشه ملايين المغاربة، وينظم العلاقات بين الملاك المشتركين داخل البناية الواحدة، ويسعى لتحقيق توازن دقيق بين حق الملكية الخاصة المصون دستورياً، وضرورات الحياة الجماعية التي تقتضيها إدارة الأجزاء المشتركة والحفاظ على العقار.

وعليه، تطرح الإشكالية المحورية التالية: إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال القانون 18.00، كما تم تعديله وتتميمه بالقانون 106.12، إيجاد إطار قانوني متكامل وفعال لتنظيم الملكية المشتركة، يوازن بين حقوق الملاك في أجزائهم المفرزة وضرورة التدبير الجماعي للأجزاء المشتركة؟

لمعالجة هذه الإشكالية، سنقسم هذا الموضوع إلى مبحثين:
•المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للملكية المشتركة وحقوق والتزامات الملاك
•المبحث الثاني: أجهزة إدارة وتسيير الملكية المشتركة

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي للملكية المشتركة وحقوق والتزامات الملاك

يقوم نظام الملكية المشتركة على فكرة ازدواجية المحل، حيث يجمع كل مالك بين ملكية خاصة لجزء مفرز من العقار، وملكية شائعة إجبارية في الأجزاء المشتركة. هذا التمايز هو حجر الزاوية في هذا النظام، ويقتضي تحديد طبيعة كل جزء بدقة (المطلب الأول)، لما يترتب على ذلك من تحديد دقيق لحقوق والتزامات الملاك المشتركين (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تمييز الأجزاء المفرزة عن الأجزاء المشتركة

حرص المشرع في القانون 18.00 على وضع معايير واضحة للتمييز بين الأجزاء المفرزة التي تشكل أساس الملكية الخاصة، والأجزاء المشتركة التي تخدم العقار بأكمله أو أجزاء منه.

الفقرة الأولى: تعريف ونطاق الأجزاء المفرزة

عرفت المادة الثانية من القانون 18.00 الأجزاء المفرزة بأنها: “الأجزاء المبنية أو غير المبنية التي يملكها كل واحد من الملاك المشتركين بغرض الانتفاع الشخصي والخاص”. يتضح من هذا التعريف أن معيار التمييز الأساسي هو التخصيص للاستعمال الشخصي والخاص للمالك. وتشمل هذه الأجزاء الشقق، المحلات التجارية، المكاتب، المرائب الخاصة، أو أي جزء من البناء يمكن أن يكون محلاً للملكية الخاصة المستقلة. ويتمتع المالك على جزئه المفرز بكافة سلطات المالك من استعمال واستغلال وتصرف، وذلك في الحدود التي لا تتعارض مع تخصيص العقار أو تضر بحقوق باقي الملاك، كما سيتم تفصيله لاحقاً.

الفقرة الثانية: تحديد الأجزاء المشتركة وحقوقها التابعة

على عكس الأجزاء المفرزة، عرفت المادة الثالثة من نفس القانون الأجزاء المشتركة بأنها “الأجزاء المبنية أو غير المبنية المخصصة للانتفاع والاستعمال من طرف الملاك المشتركين جميعهم أو بعضاً منهم”. وقد أوردت المادة الرابعة لائحة مفصلة، على سبيل المثال لا الحصر، لهذه الأجزاء، وتشمل:
•الأرض التي أقيم عليها البناء.
•هيكل العقار، الأساسات، والجدران الحاملة له.
•الأسطح والدرج والممرات والمصاعد المعدة للاستعمال المشترك.
•التجهيزات المشتركة كأنابيب المياه والكهرباء والتدفئة المركزية.
•الساحات والحدائق والمحلات المعدة للاستعمال الجماعي ما لم ينص نظام الملكية المشتركة على خلاف ذلك.
وتتميز هذه الأجزاء بكونها مملوكة على الشياع ملكية إجبارية بين كافة الملاك، حيث لا يمكن قسمتها أو التصرف فيها بمعزل عن الأجزاء المفرزة المرتبطة بها، وذلك وفقاً للمادة السابعة من القانون. كما أضاف المشرع في المادة الخامسة ما أسماه بالحقوق التابعة للأجزاء المشتركة، كالحق في التعلية أو الحفر، والتي أخضع ممارستها لشروط صارمة تتطلب إجماع الملاك.

المطلب الثاني: حقوق والتزامات الملاك المشتركين

يترتب على هذا التقسيم بين الأجزاء المفرزة والمشتركة، مجموعة من الحقوق والالتزامات المتقابلة التي تهدف إلى تنظيم العلاقة بين الملاك وضمان حسن الانتفاع بالعقار.

الفقرة الأولى: حقوق الملاك على الأجزاء المفرزة والمشتركة

كرس القانون 18.00 حق المالك في التصرف المطلق في جزئه المفرز، حيث نصت المادة 31 على أن “لكل مالك مشترك الحق في أن يتصرف دون قيد أو شرط في الجزء المفرز له من العقار وكذا في الأجزاء المشتركة المرتبطة به بحسب الغرض المعد له، كالبيع والهبة وما إلى ذلك”. كما له الحق في استعمال الأجزاء المشتركة والانتفاع بها وفقاً للغرض الذي أعدت له، شريطة ألا يلحق ضرراً بباقي الملاك أو بتخصيص العقار. بالإضافة إلى ذلك، منحت المادة 32 لكل مالك الحق في الاطلاع على كافة السجلات والوثائق المتعلقة بإدارة الاتحاد ووضعيته المالية.

الفقرة الثانية: التزامات الملاك والمساهمة في التكاليف المشتركة

في مقابل هذه الحقوق، فرض المشرع على الملاك مجموعة من الالتزامات الجوهرية. من أبرزها، كما نصت المادة 33، عدم منع إنجاز الأشغال التي يقررها الجمع العام حتى لو تمت داخل أجزائهم المفرزة، شريطة إخبارهم مسبقاً. أما الالتزام الأساسي فيتمثل في المساهمة في التكاليف المشتركة، حيث ألزمت المادة 36 كل مالك مشترك بـ “المساهمة في التكاليف التي يستلزمها الحفاظ على الأجزاء المشتركة وصيانتها وتسييرها”. وتوزع هذه التكاليف، ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك، على أساس نصيب كل مالك في الجزء المفرز من العقار كما هو محدد في نظام الملكية المشتركة. وقد وضع المشرع آليات قانونية صارمة لضمان استخلاص هذه الديون، حيث يمكن لرئيس المحكمة الابتدائية إصدار أمر بالأداء مشمول بالنفاذ المعجل (المادة 25)، كما تتمتع ديون الاتحاد بحق الامتياز والرهن الجبري على الجزء المفرز للمالك المدين (المادتان 40 و 41).

المبحث الثاني: أجهزة إدارة وتسيير الملكية المشتركة

لضمان تدبير فعال ومنظم للعقار المشترك، أحدث القانون 18.00 هيكلة إدارية تقوم على أجهزة متكاملة، لكل منها صلاحياته ومسؤولياته. وتتمحور هذه الهيكلة حول جهازين رئيسيين: اتحاد الملاك المشتركين الذي يتخذ قراراته عبر الجمع العام (المطلب الأول)، ووكيل الاتحاد الذي يتولى تنفيذ هذه القرارات وتصريف الأمور اليومية للعقار (المطلب الثاني).

المطلب الأول: اتحاد الملاك المشتركين والجمع العام

يعتبر اتحاد الملاك المشتركين الإطار القانوني الذي يجمع كافة الملاك، ويمارس صلاحياته من خلال الجمع العام الذي يعد السلطة التقريرية العليا في نظام الملكية المشتركة.

الفقرة الأولى: الطبيعة القانونية لاتحاد الملاك وتكوينه

ينشأ اتحاد الملاك، وفقاً للمادة 13 من القانون 18.00، بقوة القانون بين جميع الملاك المشتركين، ويتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. ويهدف هذا الاتحاد إلى الحفاظ على العقار وإدارة الأجزاء المشتركة، ويحق له التقاضي ولو ضد أحد الملاك. ويصبح كل مالك مشترك عضواً في الاتحاد بقوة القانون بمجرد تملكه لجزء مفرز في العقار. وقد حسم القانون 106.12 الجدل حول تاريخ نشأة الاتحاد، حيث نص على أنه لا ينشأ إلا بتاريخ تقييد أول تفويت لأحد الأجزاء المفرزة بالسجل العقاري بالنسبة للعقارات المحفظة.

الفقرة الثانية: الجمع العام كهيئة تقريرية عليا

الجمع العام هو الهيئة التي تعبر عن إرادة اتحاد الملاك، ويتكون من جميع الملاك المشتركين. وقد ميز المشرع بين الجمع العام العادي الذي ينعقد مرة في السنة على الأقل، والجمع العام الاستثنائي الذي يعقد كلما دعت الضرورة لذلك. ويتخذ الجمع العام قراراته المتعلقة بتسيير العقار وتطبيق نظام الملكية المشتركة عبر التصويت، حيث يتمتع كل مالك بعدد من الأصوات يتناسب مع حصته في الأجزاء المشتركة. وقد حدد القانون نسباً مختلفة للتصويت بحسب أهمية القرارات:
•الأغلبية المطلقة لأصوات الملاك الحاضرين أو الممثلين (المادة 18): لاتخاذ القرارات العادية المتعلقة بالتسيير.
•أغلبية ثلاثة أرباع أصوات الملاك المشتركين (المادة 21): وتخص القرارات الهامة كإدخال تحسينات على العقار، أو مراجعة توزيع التكاليف، أو القيام بأشغال الصيانة الكبرى.
•الإجماع (المادة 22): ويشترط لاتخاذ القرارات الخطيرة التي تمس جوهر الملكية، كتشييد مبنى جديد، أو تفويت جزء من الأجزاء المشتركة، أو تغيير في الأجزاء المشتركة.

المطلب الثاني: وكيل الاتحاد والأجهزة المساعدة له

لتنفيذ قرارات الجمع العام وتدبير الشؤون اليومية للعقار، أوجد المشرع منصب وكيل الاتحاد، الذي يمكن أن تساعده أجهزة أخرى في مهامه.

الفقرة الأولى: تعيين وكيل الاتحاد ومهامه

يعين الجمع العام، وفقاً للمادة 19، وكيلاً للاتحاد ونائباً له من بين الملاك المشتركين أو من الغير، سواء كان شخصاً ذاتياً أو معنوياً يمارس مهنة تسيير العقارات. وتناط بوكيل الاتحاد، حسب المادة 26، مجموعة من المهام الحيوية، من بينها:
•تنفيذ مقتضيات نظام الملكية المشتركة وقرارات الجمع العام.
•السهر على حسن استعمال الأجزاء المشتركة وصيانتها.
•تحصيل مساهمات الملاك في التكاليف المشتركة.
•تحضير مشروع ميزانية الاتحاد وعرضه على الجمع العام.
•مسك محاسبة الاتحاد وتمثيل الاتحاد لدى المحاكم بإذن من الجمع العام.
ويعتبر الوكيل مسؤولاً عن أي إخلال بالمهام المنوطة به، ويمكن للجمع العام عزله بنفس أغلبية تعيينه.

الفقرة الثانية: الأجهزة المساعدة (نائب الوكيل ومجلس الاتحاد)

إلى جانب وكيل الاتحاد، أوجد المشرع منصب نائب وكيل الاتحاد الذي يتولى مهام الوكيل في حالة وفاته أو عزله أو استقالته أو امتناعه عن القيام بمهامه (المادة 27). كما أتاح القانون 106.12 إمكانية إحداث “مجلس الاتحاد”، وجعله إلزامياً في العقارات التي يفوق عدد أجزائها المفرزة اثني عشر جزءاً. ويتكون هذا المجلس من عدد من الملاك المشتركين ينتخبهم الجمع العام، ويناط به مساعدة وكيل الاتحاد ومراقبة أعماله وتقديم المشورة له، دون أن يحل محله في صلاحياته التنفيذية.

خاتمة

يتضح من خلال هذا التحليل أن المشرع المغربي، من خلال القانون 18.00 وتعديلاته اللاحقة بموجب القانون 106.12، قد بذل مجهوداً تشريعياً هاماً لوضع إطار قانوني متكامل لنظام الملكية المشتركة. فقد نجح إلى حد كبير في تحديد المفاهيم الأساسية لهذا النظام، والتمييز بين الأجزاء المفرزة والمشتركة، ورسم حقوق والتزامات الملاك بشكل واضح، بالإضافة إلى وضع هيكلة إدارية متكاملة تهدف إلى ضمان تسيير فعال للعقارات المشتركة.
ومع ذلك، يبقى نجاح هذا الإطار القانوني رهيناً بمدى وعي الملاك المشتركين بحقوقهم والتزاماتهم، ومدى انخراطهم الإيجابي في أجهزة التسيير، فضلاً عن الدور الذي يلعبه القضاء في تفسير وتطبيق نصوص هذا القانون بما يحقق التوازن المنشود بين المصالح الفردية والجماعية، ويضمن استدامة العقارات المشتركة والحفاظ عليها.

المراجع

1.القانون رقم 18.00 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 106.12.
2.د. أحمد أجعون، “قراءة أولية في مستجدات القانون رقم 106.12 المتعلق بنظام الملكية المشتركة”، مقال منشور.
3.عبد العزيز العيساوي، “إدارة الملكية المشتركة”، مقال منشور بموقع MarocDroit.
4.د. عبد الحق صافي، “الملكية المشتركة للعقارات المبنية”، مؤلفات فقهية.
5.د. محمد الوكاري، “نظام الملكية المشتركة في ضوء القانون 18.00″، مؤلفات فقهية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق