مقدمة
يعتبر الالتزام الرابطة القانونية التي تجمع بين طرفين، دائن ومدين، والتي بمقتضاها يجبر المدين على أداء معين لصالح الدائن. ويشكل تنفيذ هذا الالتزام الغاية الطبيعية والمنطقية من إنشائه، فهو الأثر الجوهري الذي يسعى إليه المتعاقدون، ويعكس مبدأ استقرار المعاملات والثقة والائتمان داخل المجتمع. وقد كرس المشرع المغربي في قانون الالتزامات والعقود، وتحديداً في الفصل 230 منه، مبدأ القوة الملزمة للعقد أو ما يعرف بـ “العقد شريعة المتعاقدين”، مؤكداً على أن الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معاً أو في الحالات المنصوص عليها في القانون.
إن الأصل في الالتزام هو أن يتم تنفيذه اختيارياً من قبل المدين، وفاءً بما تعهد به. غير أن المدين قد يتقاعس عن الوفاء بالتزامه أو يخل به، مما يفتح الباب أمام الدائن للمطالبة بالتنفيذ الجبري، مستعيناً في ذلك بالسلطة العامة. وقد نظم المشرع المغربي أحكام تنفيذ الالتزام وآثار عدم تنفيذه في مجموعة من الفصول، محاولاً إيجاد توازن دقيق بين حق الدائن في الحصول على الأداء الذي التزم به المدين، وبين حماية هذا الأخير من الإجراءات التي قد تكون تعسفية، خاصة عند وجود أسباب تحول دون التنفيذ.
وتتجلى أهمية هذا الموضوع في كونه يلامس جوهر العلاقات التعاقدية والمالية، ويطرح إشكالات عملية وقانونية معقدة أمام القضاء، خصوصاً في ظل التطورات الاقتصادية والاجتماعية التي تفرز أنواعاً جديدة من الالتزامات. هذا الأمر يفرض على الباحث والقاضي على حد سواء، الإلمام الدقيق بالقواعد المنظمة للتنفيذ، سواء كان عينياً أو عن طريق التعويض، والوسائل التي أقرها القانون لضمان فعاليته.
وعليه، تطرح الإشكالية المحورية التالية نفسها بإلحاح: إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال قانون الالتزامات والعقود والقوانين المكملة له، أن يضع إطاراً قانونياً متكاملاً يضمن تنفيذ الالتزامات، موازناً بين حق الدائن في استيفاء دينه وضرورة حماية المدين من التعسف؟
وللإجابة على هذه الإشكالية، سنتناول الموضوع من خلال التصميم التالي:
•المبحث الأول: التنفيذ العيني كأصل لتنفيذ الالتزام
•المبحث الثاني: التنفيذ بطريق التعويض كجزاء للإخلال بالالتزام
المبحث الأول: التنفيذ العيني كأصل لتنفيذ الالتزام
يعتبر التنفيذ العيني للالتزام هو الأصل والقاعدة العامة، إذ أنه الوسيلة المثلى التي تحقق للدائن ما كان يصبو إليه عند نشوء الرابطة الالتزامية، وهو الحصول على عين ما التزم به المدين. وسنتناول في هذا المبحث ماهية هذا النوع من التنفيذ وشروطه (المطلب الأول)، ثم الوسائل التي أقرها المشرع لإجبار المدين عليه (المطلب الثاني).
المطلب الأول: ماهية التنفيذ العيني وشروطه
يقوم التنفيذ العيني على فكرة إجبار المدين على أداء عين ما التزم به، وهو ما يقتضي توفر شروط معينة ليكون ممكناً وقانونياً.
الفقرة الأولى: مفهوم التنفيذ العيني وأساسه القانوني
يقصد بالتنفيذ العيني إجبار المدين على تنفيذ ذات الأداء الذي يشكل محلاً لالتزامه، متى كان ذلك ممكناً. فإذا كان الالتزام هو تسليم عقار معين، فالتنفيذ العيني يكون بتسليم ذات العقار، وإذا كان الالتزام هو القيام بعمل، فالتنفيذ العيني يكون بالقيام بذات العمل. ويجد هذا المبدأ أساسه القانوني في الفصل 259 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على أنه: “إذا كان المدين في حالة مطل كان للدائن الحق في إجباره على تنفيذ الالتزام، مادام تنفيذه ممكناً”. يتضح من هذا الفصل أن المشرع جعل من التنفيذ العيني حقاً للدائن، وهو ما يتوافق مع مبدأ القوة الملزمة للعقد، حيث أن احترام إرادة المتعاقدين يقتضي تنفيذ ما اتفقا عليه كما هو.
الفقرة الثانية: شروط إجبار المدين على التنفيذ العيني
لا يمكن اللجوء إلى التنفيذ العيني إلا بتوفر شرطين أساسيين. الشرط الأول هو أن يكون التنفيذ العيني ممكناً، فإذا استحال على المدين تنفيذ التزامه عيناً، فلا يمكن إجباره عليه، وتنتفي بذلك القاعدة القائلة بأن “لا أحد يجبر على المستحيل”. وتكون الاستحالة مادية، كهلاك الشيء محل الالتزام، أو قانونية كأن يصبح محل الالتزام خارج دائرة التعامل. أما الشرط الثاني، فهو ألا يكون في التنفيذ العيني إرهاق للمدين أو أن يكون ممكناً ولكن العدول عنه إلى التعويض لا يلحق بالدائن ضرراً جسيماً. كما أنه في الالتزامات التي تتطلب تدخلاً شخصياً من المدين، كالالتزام بعمل فني أو فكري، فإن إجباره على التنفيذ العيني قد يمس بحريته الشخصية، ولذلك نص الفصل 261 من قانون الالتزامات والعقود على أن “الالتزام بعمل يتحول عند عدم الوفاء إلى تعويض”.
المطلب الثاني: وسائل إجبار المدين على التنفيذ العيني
لضمان فعالية التنفيذ العيني، وضع المشرع بين يدي الدائن وسائل قانونية متنوعة لإجبار المدين المتمنع على الوفاء بالتزامه.
الفقرة الأولى: الوسائل المباشرة: الحجز التنفيذي
تعتبر طرق التنفيذ الجبري المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية الوسيلة الأكثر فعالية لإجبار المدين على التنفيذ. فبمقتضى سند تنفيذي (حكم قضائي، عقد رسمي…)، يمكن للدائن مباشرة إجراءات الحجز على أموال المدين، سواء كانت منقولة أو عقارية، وبيعها بالمزاد العلني لاستيفاء حقه من ثمنها. وتعتبر هذه الوسيلة هي التطبيق العملي لمبدأ الضمان العام المقرر للدائنين على أموال مدينهم، كما ينص على ذلك الفصل 1241 من قانون الالتزامات والعقود. وتتنوع الحجوز بحسب طبيعة المال المحجوز، فهناك الحجز التنفيذي على المنقولات، والحجز على العقارات، والحجز لدى الغير.
الفقرة الثانية: الوسائل غير المباشرة: الغرامة التهديدية والإكراه البدني
إلى جانب وسائل التنفيذ المباشرة، أقر المشرع وسائل أخرى غير مباشرة تهدف إلى الضغط على إرادة المدين لحمله على التنفيذ. من أبرز هذه الوسائل “الغرامة التهديدية” المنصوص عليها في الفصل 448 من قانون المسطرة المدنية، وهي مبلغ مالي يحكم به القضاء على المدين عن كل يوم أو فترة زمنية يتأخر فيها عن التنفيذ. وتتميز هذه الغرامة بأنها تهديدية وليست تعويضية، ولا يتم الحكم بها إلا إذا كان تنفيذ الالتزام يتوقف على إرادة المدين الشخصية. وهناك أيضاً “الإكراه البدني”، وهو وسيلة لإجبار المدين على الوفاء بدينه عن طريق حبسه، وقد تم تنظيمه بمقتضى ظهير 1960. ورغم الانتقادات الموجهة لهذه الوسيلة لكونها تمس بالحرية الشخصية، إلا أنها لا تزال تطبق في الديون المدنية والتجارية بشروط محددة.
المبحث الثاني: التنفيذ بطريق التعويض كجزاء للإخلال بالالتزام
إذا كان التنفيذ العيني هو الأصل، فإن هناك حالات يتعذر فيها اللجوء إليه، أو يصبح غير ذي جدوى، فيحل محله التنفيذ بطريق التعويض، الذي يعتبر جزاءً للإخلال بالالتزام العقدي. وسنتطرق في هذا المبحث إلى حالات اللجوء إلى التعويض (المطلب الأول)، ثم إلى كيفية تقديره وآثاره (المطلب الثاني).
المطلب الأول: حالات اللجوء إلى التنفيذ بمقابل (التعويض)
يعد التنفيذ بمقابل أو التعويض هو الطريق البديل الذي يلجأ إليه الدائن عند تعذر التنفيذ العيني، سواء كانت هذه الاستحالة راجعة لفعل المدين أو لسبب أجنبي.
الفقرة الأولى: استحالة التنفيذ العيني
تعتبر استحالة التنفيذ العيني هي الحالة الرئيسية التي تفتح الباب أمام التنفيذ بطريق التعويض. وقد تكون هذه الاستحالة راجعة إلى خطأ المدين أو تدليسه، كأن يقوم بإتلاف الشيء الذي التزم بتسليمه. في هذه الحالة، ينص الفصل 259 من قانون الالتزامات والعقود على حق الدائن في التعويض. وقد تكون الاستحالة راجعة لسبب أجنبي لا يد للمدين فيه، وهو ما يعرف بـ “القوة القاهرة” أو “الحادث الفجائي”، والتي عرفها الفصل 269 من نفس القانون بأنها “كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه… ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً”. وفي هذه الحالة، ينقضي التزام المدين دون تعويض، ما لم يكن في حالة مطل وقت وقوع القوة القاهرة (الفصل 266)، أو ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك.
الفقرة الثانية: اتفاق الأطراف أو طلب الدائن
قد يتم اللجوء إلى التعويض حتى مع إمكانية التنفيذ العيني. فقد يتفق الطرفان ابتداءً على أنه في حالة إخلال المدين بالتزامه، يكون ملزماً فقط بأداء تعويض معين، وهو ما يسمى بالشرط الجزائي أو التعويض الاتفاقي. كما قد يختار الدائن بنفسه المطالبة بالتعويض بدلاً من التنفيذ العيني، إذا كان هذا الأخير قد أصبح مرهقاً للمدين بشكل كبير، أو لم يعد يحقق للدائن الفائدة المرجوة منه. ويخضع هذا الخيار للسلطة التقديرية للقاضي الذي يوازن بين مصلحة الطرفين، كما يستفاد من روح الفصل 259 من قانون الالتزامات والعقود.
المطلب الثاني: تقدير التعويض وآثاره
يخضع تقدير التعويض لسلطة القضاء، ما لم يكن محدداً باتفاق الأطراف، ويرمي إلى جبر الضرر الذي لحق الدائن.
الفقرة الأولى: أنواع التعويض وطرق تقديره
يمكن أن يكون التعويض قضائياً، حيث تتولى المحكمة تقديره بناء على ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب، كما ينص على ذلك الفصل 264 من قانون الالتزامات والعقود. ويراعى في التقدير خطأ المدين وتدليسه. وقد يكون التعويض اتفاقياً، وهو ما يعرف بـ “الشرط الجزائي”، حيث يحدد الطرفان مقدماً مبلغ التعويض المستحق عند الإخلال. وقد منح المشرع المغربي، بموجب التعديل الذي طال الفصل 264، للقاضي سلطة تعديل هذا التعويض المتفق عليه، بالزيادة إذا كان زهيداً، أو بالتخفيض إذا كان مبالغاً فيه، وذلك بهدف إعادة التوازن العقدي وحماية الطرف الضعيف.
الفقرة الثانية: آثار الفسخ والتعويض
عندما يستحيل التنفيذ العيني، يكون للدائن الخيار بين طلب التنفيذ عن طريق التعويض فقط، أو طلب فسخ العقد مع التعويض إن كان له محل، وذلك وفقاً للفصل 259 من قانون الالتزامات والعقود. والفسخ قد يكون قضائياً، حيث لا يقع إلا بحكم من المحكمة، أو اتفاقياً إذا تضمن العقد شرطاً فاسخاً صريحاً (الفصل 260). ويترتب على الفسخ إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد، مع إلزام الطرف المسؤول عن الإخلال بالتعويض عن الضرر الذي لحق بالطرف الآخر نتيجة عدم تنفيذ العقد.
خاتمة
من خلال تحليلنا لموضوع تنفيذ الالتزام في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، يتضح أن المشرع قد وضع ترسانة قانونية متكاملة تهدف إلى ضمان احترام القوة الملزمة للعقد. فقد جعل من التنفيذ العيني هو الأصل، إعمالاً لإرادة المتعاقدين، وأحاطه بمجموعة من الضمانات والوسائل الجبرية لضمان تحققه. وفي نفس الوقت، لم يغفل الحالات التي يتعذر فيها هذا النوع من التنفيذ، ففتح الباب أمام التنفيذ بطريق التعويض كبديل وجزاء للإخلال بالالتزام.
ويبدو أن المشرع المغربي، خاصة من خلال التعديلات الأخيرة كمنح القاضي سلطة تعديل الشرط الجزائي، يسعى إلى تحقيق توازن عادل بين الأطراف، فلا يترك الدائن دون حماية في مواجهة مدين مماطل، ولا يسمح بالتعسف في استعمال الحق في مواجهة مدين حسن النية حالت ظروف قاهرة دون وفائه بالتزامه. غير أن فعالية هذه النصوص تبقى رهينة بمدى قدرة القضاء على تطبيقها تطبيقاً سليماً وعادلاً، يراعي في كل حالة ظروفها الخاصة، ويحقق الغاية الأسمى للقانون، وهي تحقيق العدالة التعاقدية واستقرار المعاملات.
المراجع
1.ظهير 12 غشت 1913 بمثابة قانون الالتزامات والعقود.
2.قانون المسطرة المدنية.
3.د. عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام.
4.د. مأمون الكزبري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي.
5.د. عبد القادر العرعاري، النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المغربي.
6.مقال: “مؤسسة الفسخ في القانون المغربي”، جاد المصطفى وخديجة جليلي، منشورات مجلة aljami3a.com.
7.مقال: “التنفيذ الجبري للالتزامات في التشريع المغربي”، منشورات مجلة المختبر القانوني.













