ذ/الزكراوي محمد:تسليم نسخ المحاضر الانتخابية: حدود المسؤولية الجنائية وأثر المخالفة على العملية الانتخابي

تسليم المحاضر الانتخابية بين الحماية الجنائية وأثر المخالفة على صحة الاقتراع

عالـم القانونساعة واحدة ago
الزكراوي محمد، باحث قانوني وقضائي، نائب رئيس المركز الوطني للأبحاث القانونية والقضائية.

 

مقــــدمة:

 

تكتسي المحاضر الانتخابية أهمية بالغة في النظام القانوني للانتخابات، باعتبارها الوثائق الرسمية التي توثق العمليات التي تتم داخل مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء، وتثبت النتائج التي أسفرت عنها عملية الاقتراع والفرز والإحصاء. ولذلك لم يتعامل المشرع المغربي مع المحاضر باعتبارها مجرد وثائق إدارية، وإنما أحاط إعدادها وتوقيعها وحفظها وتسليم نسخ منها إلى ممثلي لوائح الترشيح بمجموعة من الضمانات القانونية التي ترمي إلى تأمين شفافية العملية الانتخابية وتمكين المتنافسين من مراقبة نتائج الاقتراع وممارسة حقهم في المنازعة عند الاقتضاء،
وتزداد أهمية هذه الضمانات بالنظر إلى الدور الذي يضطلع به ممثلو لوائح الترشيح داخل مكاتب التصويت، إذ لا يقتصر وجودهم على مجرد الحضور المادي، وإنما يخول لهم القانون مراقبة عمليات التصويت وفرز الأصوات وإحصائها، وطلب تضمين الملاحظات التي يبدونها في محاضر مكاتب التصويت، ويشكل حقهم في الحصول على نسخة من المحضر امتدادا طبيعيا لهذه الوظيفة الرقابية، لأنه يمكنهم من الاحتفاظ بوثيقة رسمية تسمح لهم بمقارنة النتائج التي سجلت بمكتب التصويت مع النتائج التي يتم تجميعها لاحقا على مستوى المكاتب المركزية ولجان الإحصاء.
وفي إطار الاستعدادات المتعلقة بالانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، وجه وزير الداخلية دورية إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات، ذكّر فيها بالضمانات القانونية المتعلقة بالمحاضر، وأكد أن القانون التنظيمي رقم 27.11 يكفل لممثلي لوائح الترشيح الحق في الحصول على نسخ محاضر مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء، وأن لهذه النسخ نفس حجية نظائرها الأصلية، كما وجه رؤساء هذه المكاتب واللجان إلى إعداد نسخ مطابقة للنظائر الأصلية وتسليمها فورا إلى ممثلي لوائح الترشيح الحاضرين، مقابل إشهاد، بعد ترقيم وتوقيع النسخ من طرف رؤساء وأعضاء المكاتب واللجان.
وتكتسي هذه الدورية أهمية خاصة من الناحية العملية، لأنها لا تنشئ حقا جديدا، وإنما تؤكد كيفية تنفيذ حق مصدره القانون التنظيمي، وتضع الجهات المكلفة بالإشراف على العملية الانتخابية أمام التزام واضح باحترام الإجراءات المتعلقة بإعداد النسخ وتسليمها وإثبات واقعة التسلم.
ولم يكتف المشرع بتقرير هذا الحق، وإنما أحاطه بحماية جنائية، إذ تعاقب المادة 57 من القانون التنظيمي رقم 27.11 رئيس مكتب التصويت الذي يمتنع عن تسليم نسخة من محضر العمليات الانتخابية لممثل لائحة ترشيح كان حاضرا بقاعة التصويت ساعة إعداد نسخ المحضر وتسليمها، بالحبس من ستة أشهر إلى سنة وبغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم. وقد ذكرت دورية وزير الداخلية صراحة هذا الجزاء في معرض تذكيرها بالضمانات المتعلقة بتسليم المحاضر.
غير أن تقرير حماية جنائية لحق الحصول على نسخة من المحضر يثير إشكالا قانونيا يتجاوز مجرد إثبات وجود هذا الحق؛ ذلك أن المسؤولية الجنائية عن الامتناع عن التسليم لا تتطابق بالضرورة مع الأثر الذي يمكن أن يترتب عن هذا الامتناع على صحة نتيجة الاقتراع، فقد يكون الفعل مخالفا للقانون وقابلا للجزاء الجنائي، دون أن يؤدي ذلك، بصورة آلية، إلى إلغاء نتيجة الانتخاب.
وقد حسمت المحكمة الدستورية هذا التمييز في عدد من قراراتها، وكررت بصورة واضحة أن عدم تسليم نسخ المحاضر، حتى على فرض ثبوته، يعتبر إجراء لاحقا على العملية الانتخابية، وأن عدم التقيد به لا يؤدي في حد ذاته إلى إلغاء نتيجة الاقتراع، فقد كرست هذه القاعدة في قرارات متعددة، من بينها القرار رقم 771 بتاريخ 2 يوليوز 2009، والقرار رقم 1073، والقرار رقم 2053، والقرار رقم 2058.
ومن جهة أخرى، لم تتعامل المحكمة الدستورية مع الادعاءات المتعلقة بعدم تسليم المحاضر بصورة مجردة، بل اشترطت تحديد الوقائع وتقديم ما يثبتها. ففي القرار رقم 1073، رفضت المحكمة مأخذا يتعلق بتسلم نسخ من المحاضر دون الملاحظات ودون التوقيع الأصلي، لأن الطاعن لم يثبت أن النسخ التي توصل بها لا تتوفر على المواصفات القانونية، كما أن الاجتهاد القضائي يبين أن مجرد الادعاء بعدم تسليم المحاضر، إذا جاء عاما ومجردا من وسائل الإثبات، لا يكفي لتأسيس الطعن، وقد أكدت المحكمة هذا الأمر في القرار رقم 771، كما كررته في القرار رقم 2022، حيث اعتبرت أن الادعاء جاء عاما لعدم تحديد أرقام ومقار مكاتب التصويت المعنية، فضلا عن أن عدم التسليم، على فرض ثبوته، لا يؤدي في حد ذاته إلى إلغاء النتيجة.

وعليه، فإن الإشكال لا يتمثل فقط في معرفة ما إذا كان ممثل لائحة الترشيح يملك حقا في الحصول على نسخة من المحضر، وإنما في تحديد الطبيعة القانونية لهذا الحق، وشروط ممارسة هذا الحق، والعناصر التي تقوم بها المسؤولية الجنائية عن الامتناع عن التسليم، ثم تحديد الأثر الذي يمكن أن ينتج عن الإخلال بهذا الالتزام في مجال المنازعة الانتخابية.

ومن هنا تطرح الدراسة الإشكالية المركزية التالية:
إلى أي حد أحاط المشرع المغربي حق ممثلي لوائح الترشيح في الحصول على نسخ المحاضر الانتخابية بضمانات قانونية وزجرية، وما أثر الإخلال بهذا الحق على صحة نتائج الاقتراع؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من التساؤلات، من بينها: ما الأساس القانوني لحق ممثل لائحة الترشيح في الحصول على نسخة المحضر؟ وما الشروط والكيفيات التي تحكم عملية التسليم؟ ومتى يتحول الامتناع عن التسليم إلى جريمة انتخابية؟ وما القيمة القانونية للنسخة المسلمة؟ وما الفرق بين عدم التسليم وعدم احترام شروط إعداد النسخة أو توقيعها؟ وهل يؤدي عدم تسليم المحضر إلى إلغاء نتيجة الاقتراع أم أن الأمر يتوقف على إثبات تأثير المخالفة في النتيجة؟ وأخيرا، ما القيمة القانونية لدورية وزير الداخلية في تنظيم هذه العملية؟
وعليه، سيتم تناول الموضوع من خلال أربعة محاور مترابطة، يخصص أولها لبيان الأساس القانوني لحق ممثلي لوائح الترشيح في الحصول على نسخ المحاضر، فيما يتناول الثاني شروط المسؤولية الجنائية عن الامتناع عن التسليم، ويخصص الثالث لحجية المحاضر والنسخ المسلمة منها، بينما يتناول الرابع أثر عدم التسليم على المنازعة الانتخابية وصحة نتيجة الاقتراع.

 

المحور الأول: الأساس القانوني لحق ممثلي لوائح الترشيح في الحصول على نسخ المحاضر

 

لم يقرر المشرع المغربي حق ممثلي لوائح الترشيح في الحصول على نسخ المحاضر باعتباره حقا منفصلا عن وظيفة هؤلاء الممثلين، وإنما أدرجه ضمن منظومة متكاملة ترمي إلى تمكينهم من مراقبة مختلف مراحل العملية الانتخابية، فممثل لائحة الترشيح يمارس وظيفة رقابية داخل مكتب التصويت، إذ يحق له مراقبة عمليات التصويت وفرز الأصوات وإحصائها، كما يحق له طلب تضمين الملاحظات التي يدلي بها بشأن هذه العمليات في المحضر، وقد أكدت وزارة الداخلية في دوريتها المتعلقة بانتخابات 23 شتنبر 2026 هذه الصلاحيات، كما أكدت حق ممثلي اللوائح في حضور أشغال المكاتب المركزية ولجان الإحصاء.
ومن الطبيعي أن تكتمل هذه الوظيفة الرقابية بتمكين الممثل من نسخة من المحضر الذي يوثق العمليات التي عاينها وشارك في مراقبتها، ولهذا نظم القانون التنظيمي رقم 27.11 كيفية تحرير المحاضر وإعداد نسخ منها وتسليمها إلى ممثلي اللوائح.
وتكتسي هذه النسخ قيمة قانونية خاصة، إذ لا تعتبر مجرد صور عادية للوثائق الأصلية، وإنما منحها المشرع نفس حجية نظائرها الأصلية، وقد أكدت المحكمة الدستورية هذه القاعدة بصورة واضحة في قرارها رقم 889 الصادر بتاريخ 4 أكتوبر 2012، حين ميزت بين أصول المحاضر التي تودع وفق الكيفيات القانونية وبين النسخ التي يتسلمها ممثلو المرشحين، موضحة أن هذه النسخ تعد باستخدام أية وسيلة متوفرة، وترقم وتوقع، وتكتسي بذلك نفس حجية نظائرها الأصلية،
وهذا المعطى له أهمية عملية كبيرة؛ لأن ممثل اللائحة لا يحصل على مجرد وثيقة إعلامية، وإنما على نسخة لها قيمة إثباتية تسمح له بمقارنة ما سجل بمكتب التصويت مع ما يرد لاحقا في محاضر المكاتب المركزية ولجان الإحصاء، وقد أكدت دورية وزير الداخلية لسنة 2026 هذا المبدأ عندما أوجبت إعداد نسخ مطابقة للنظائر الأصلية وتسليمها فورا إلى ممثلي لوائح الترشيح الحاضرين، بعد ترقيم وتوقيع كل نسخة من طرف رؤساء وأعضاء المكاتب واللجان، مقابل إشهاد بالتسلم.
ومن المهم هنا التمييز بين حق ممثل لائحة الترشيح في تسلم النسخة أثناء العملية الانتخابية وبين حق المترشح في الاطلاع على المحاضر بعد وضعها لدى السلطة المختصة.
فالحق الأول يمارس مباشرة عند انتهاء العمليات التي يحرر بشأنها المحضر، في حين أن الحق الثاني يمارس خلال الأجل الذي حدده القانون بعد إيداع المحاضر، وفي هذا الاتجاه أكدت المحكمة الدستورية في القرار رقم 2058 أن الغاية من تمكين المترشحين من الاطلاع على نظائر المحاضر هي، بوجه خاص، تسهيل ولوجهم إلى القضاء في حالة رغبتهم في ممارسة حق الطعن، وأن هذا الاطلاع إجراء لاحق على العملية الانتخابية وإعلان نتائجها.
وهكذا يتضح أن النظام القانوني للمحاضر يقوم على ضمانتين متكاملتين: الأولى فورية تتمثل في تسليم النسخة لممثل اللائحة، والثانية لاحقة تتمثل في تمكين المترشح من الاطلاع على المحاضر لدى السلطة المختصة.

 

المحور الثاني: إشكالية الامتناع عن تسليم المحضر وشروط قيام المسؤولية الجنائية

 

إذا كان المشرع قد قرر حق ممثلي لوائح الترشيح في الحصول على نسخ المحاضر، فإنه لم يترك هذا الحق دون حماية، وإنما أقر له حماية جنائية صريحة، وتنص المادة 57 من القانون التنظيمي رقم 27.11، في صيغتها النافذة بعد تعديل القانون التنظيمي رقم 53.25، على معاقبة رئيس مكتب التصويت الذي يمتنع عن تسليم نسخة من محضر العمليات الانتخابية لممثل لائحة ترشيح كان حاضرا بقاعة التصويت ساعة إعداد نسخ المحضر وتسليمها، بالحبس من ستة أشهر إلى سنة وبغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم، وقد أعادت دورية وزير الداخلية التأكيد على هذا الجزاء صراحة.
ويكشف هذا النص عن عناصر دقيقة ينبغي توافرها حتى يكون السلوك داخلا في نطاق التجريم، فالمشرع حدد أولا صفة الفاعل، وهو رئيس مكتب التصويت، وحدد ثانيا موضوع السلوك المجرم، وهو الامتناع عن تسليم نسخة من محضر العمليات الانتخابية، كما حدد ثالثا المستفيد من النسخة، وهو ممثل لائحة ترشيح، وأخيرا اشترط النص أن يكون ممثل لائحة الترشيح حاضرا بقاعة التصويت ساعة إعداد نسخ المحضر وتسليمها، ومن ثم لا يجوز التوسع في نطاق النص الجنائي وإدخال حالات لم يقررها المشرع صراحة.
وتبرز أهمية هذا التحديد أيضا عند التمييز بين عدم التسليم وبين وجود عيب في النسخة المسلمة، فقد يتسلم ممثل اللائحة نسخة من المحضر، ثم يدعي أنها غير مرقمة أو غير موقعة أو أنها لا تتضمن البيانات أو الملاحظات التي كان يتعين تضمينها فيها، وهذه الواقعة تختلف من حيث التكييف عن واقعة الامتناع الكامل عن التسليم.
وقد عالجت المحكمة الدستورية هذه المسألة في القرار رقم 1073، عندما عرض عليها مأخذ مفاده أن أحد الطاعنين لم يتوصل إلا بنسخ من المحاضر لا تتضمن ملاحظات ولا تحمل توقيعا أصليا، فأكدت المحكمة أن الفقرة الأخيرة من المادة 80 تشترط أن تكون نسخ محاضر مكاتب التصويت مرقمة وموقعة، وأن المادة 57 ترتب جزاء زجريا على رئيس مكتب التصويت الذي يمتنع عن تسليم النسخة، لكنها رفضت المأخذ لأن الطاعن لم يثبت أن المحاضر التي توصل بها لا تتوفر على المواصفات القانونية.
ويستخلص من ذلك أن الإدعاء وحده لا يكفي، بل ينبغي إثبات الواقعة المدعى بها، وهذه النتيجة تتفق مع طبيعة المنازعة الانتخابية التي تتطلب تحديد المكتب أو المكاتب المعنية، وتحديد الواقعة محل الطعن، وتقديم ما يسمح للمحكمة بالتحقق منها.
وقد أكدت المحكمة هذا الاتجاه في القرار رقم 771 بتاريخ 2 يوليوز 2009، عندما اعتبرت أن الادعاء بعدم تسليم محاضر مكاتب التصويت جاء عاما ومجردا من أي حجة تثبته، كما أكدت ذلك في القرار رقم 2022، حين اعتبرت أن الادعاء بامتناع عدد كبير من رؤساء مكاتب التصويت عن تسليم المحاضر جاء عاما لعدم تحديد أرقام ومقار مكاتب التصويت المعنية.
ومن الناحية العملية، تكتسب الدورية الوزارية لسنة 2026 أهمية في مجال الإثبات، لأنها نصت على أن النسخ تسلم مقابل إشهاد، وهذا الإشهاد يمثل وسيلة عملية لإثبات واقعة التسلم، ولا ينبغي الخلط بينه وبين مصدر الحق، إذ إن مصدر الحق هو القانون التنظيمي، بينما يمثل الإشهاد وسيلة لإثبات كيفية تنفيذ الالتزام القانوني.

 

المحور الثالت : حجية المحاضر والنسخ المسلمة إلى ممثلي لوائح الترشيح

 

تتجلى أهمية النسخ المسلمة لممثلي لوائح الترشيح في كونها تشكل إحدى الوسائل الأساسية للتحقق من النتائج الانتخابية ومقارنتها بالمعطيات التي ترد في المراحل اللاحقة من عملية الإحصاء، وقد ميز المشرع بين أصول المحاضر وبين النسخ التي تسلم للممثلين، دون أن يجعل هذه الأخيرة عديمة القيمة القانونية، بل منحها نفس حجية النظائر الأصلية متى أعدت وفقا للشروط القانونية.
وقد أكدت المحكمة الدستورية ذلك في القرار رقم 889 بتاريخ 4 أكتوبر 2012، عندما نظرت في ادعاء يتعلق بعدم تسليم أصول بعض المحاضر، وأوضحت أن ممثلي المرشحين يتسلمون نسخا من المحاضر يتم إعدادها باستخدام أية وسيلة متوفرة، وتكون مرقمة وموقعة، وتكتسي بذلك نفس حجية نظائرها الأصلية.
وتظهر أهمية هذا المبدأ بصورة أوضح عندما تكون هناك منازعة بشأن اختلاف النتائج بين محاضر مكاتب التصويت ومحاضر المكاتب المركزية أو لجان الإحصاء، ففي القرار رقم 1056، واجهت المحكمة الدستورية ادعاءات تتعلق بمحاضر مكاتب التصويت وبوجود اختلافات بين بعض المحاضر وما تم نقله إلى محاضر لاحقة، واستندت في فحصها إلى نظائر المحاضر المودعة لديها وإلى النسخ المدلى بها، وقارنت بين المعطيات الواردة في الوثائق الانتخابية.
وهذا يبرز الوظيفة الحقيقية للنسخة المسلمة إلى ممثل اللائحة، فهي ليست فقط ضمانة إجرائية، وإنما وسيلة تمكن المتنافس من مراقبة انتقال النتائج من مستوى مكتب التصويت إلى مستوى التجميع والإحصاء، وقد سبق للمحكمة الدستورية أن واجهت حالة ادعى فيها الطاعن أن نسخ بعض المحاضر التي تسلمها تضمنت نتائج تختلف عن النتائج التي ظهرت لاحقا، وفي قرارها رقم 771، أشارت المحكمة إلى وجود أخطاء مادية وقع تصحيحها، لكنها لاحظت أن تلك الأخطاء كانت تتعلق بلوائح غير فائزة، وبالتالي لم تؤثر في النتيجة النهائية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين وجود مخالفة في المحضر وبين تأثير هذه المخالفة في نتيجة الاقتراع.
فليس كل خطأ مادي يؤدي إلى إلغاء الانتخاب، كما أن مجرد وجود اختلاف بين وثيقتين لا يكفي وحده، وإنما يتعين تحديد طبيعة الاختلاف وبيان أثره على النتيجة.
ومن جهة أخرى، فإن حجية النسخة المسلمة لممثل اللائحة لا تعني أنها تصبح هي الأصل القانوني للعملية الانتخابية، وإنما تعني أن لها نفس الحجية القانونية للنظير الأصلي وفق الشروط التي حددها المشرع.
ولهذا فإن المطالبة بتسليم الأصل إلى ممثل اللائحة لا تستقيم قانونا باعتبار أن النظام التشريعي جعل ممثل اللائحة يتسلم نسخة من المحضر، بينما توزع النظائر الأصلية وفق الكيفيات التي حددها القانون.
وقد أوضحت المحكمة الدستورية هذه المسألة بصورة صريحة في القرار رقم 889، عندما رفضت مأخذا يتعلق بعدم تسليم أصول بعض المحاضر، وميزت بين النظائر الأصلية التي تحفظ لدى الجهات المحددة قانونا وبين النسخ التي تسلم للممثلين.

 

المحور الرابع : أثر عدم تسليم المحضر على صحة نتيجة الاقتراع في ضوء الاجتهاد القضائي

 

يعتبر هذا المحور جوهر الإشكال القانوني، لأن عدم التمييز بين المسؤولية عن عدم التسليم وأثر هذه المخالفة على نتيجة الاقتراع يمكن أن يؤدي إلى استنتاج غير صحيح مفاده أن كل امتناع عن تسليم نسخة من المحضر يؤدي تلقائيا إلى إلغاء الانتخاب.
والواقع أن الاجتهاد القضائي للمحكمة الدستورية يسير في اتجاه مغاير،
فقد قررت المحكمة في القرار رقم 771 بتاريخ 2 يوليوز 2009 أن تسليم المحاضر إجراء لاحق لعملية الاقتراع، وأن عدم التقيد به ليس من شأنه، في حد ذاته، التأثير في النتيجة، كما أكدت أن الادعاء بعدم التسليم إذا جاء عاما ومجردا من الحجة لا يكون كافيا لتأسيس الطعن، ثم كرست المحكمة المبدأ نفسه في القرار رقم 1071، حين اعتبرت أن عدم تسليم نسخ المحاضر المتعلقة بالدائرة الانتخابية المحلية، على فرض ثبوته، إجراء لاحق على العملية الانتخابية وليس من شأن عدم التقيد به، في حد ذاته، أن يؤدي إلى إلغاء نتيجة الاقتراع.
وأكدت المحكمة كذلك في القرار رقم 2053 أن عدم تسليم نسخ المحاضر، على فرض ثبوته، إجراء لاحق على العملية الانتخابية، وليس من شأن عدم التقيد به، في حد ذاته، أن يؤدي إلى إلغاء نتيجة الاقتراع.
وفي القرار رقم 2055، الذي تناول جملة من المآخذ المتعلقة بسير الاقتراع وفرز الأصوات وتحرير المحاضر، واجهت المحكمة أيضا مأخذا يتعلق برفض تمكين ممثلي الطاعن من نسخة محضر مكتب تصويت، فاعتبرت أن الطاعن لم يدل بما يكفي لإثبات الادعاء، وأن عدم تسليم النسخ، على فرض ثبوته، لا يؤثر في النتيجة في حد ذاته.
أما القرار رقم 2058، فيعد من أهم القرارات الحديثة في هذا المجال، إذ تناول صراحة مأخذا يتعلق بادعاء امتناع رؤساء مكاتب التصويت عن تسليم المحاضر لممثلي الطاعن، وبعد فحص الإفادات المدلى بها، لاحظت المحكمة أن بعضها يتضمن إقرارا بتسلم ممثلي الطاعن نسخا من محضري مكتبين، ثم قررت أن عدم تسليم نسخ المحاضر، على فرض ثبوته، إجراء لاحق على العملية الانتخابية، وليس من شأن عدم التقيد به، في حد ذاته، أن يؤدي إلى إلغاء نتيجة الاقتراع.
وهذه العبارة القضائية دقيقة جدا، لأنها لا تعني أن عدم التسليم مشروع، ولا تعني أن الحق في الحصول على النسخة غير ملزم، وإنما تعني أن الجزاء الانتخابي المتمثل في إلغاء النتيجة لا يترتب آليا عن هذه المخالفة وحدها،
وبالتالي ينبغي الفصل بين مستويين مختلفين:
المستوى الأول يتعلق بحماية الحق في تسلم النسخة، وهي حماية أكدها القانون التنظيمي وعضدها بجزاء جنائي.
أما المستوى الثاني فيتعلق بصحة نتيجة الاقتراع، وهي مسألة أخرى تبحث فيها المحكمة في مدى تأثير المخالفة المدعى بها في النتيجة.
ومن ثم يمكن أن توجد مسؤولية جنائية مستقلة عن عدم تسليم المحضر، دون أن يكون ذلك وحده سببا كافيا لإلغاء الانتخاب.
وهذه النتيجة لا تعني أن عدم التسليم عديم الأهمية في المنازعة الانتخابية، بل إن أهميته قد تظهر عندما يكون مرتبطا بوقائع أخرى تمس جوهر العملية الانتخابية، مثل وجود اختلافات جوهرية بين المحاضر، أو تغيير في النتائج، أو أخطاء في نقل الأصوات، أو مخالفات في الفرز والإحصاء يمكن أن يكون له أثر على النتيجة.
وفي هذه الحالة لا تنظر المحكمة إلى واقعة عدم التسليم باعتبارها سببا آليا للإلغاء، وإنما تنظر في مجموع الوقائع والأدلة لتحديد ما إذا كانت المخالفات المثارة قد أثرت فعلا في النتيجة،
وقد أكدت المحكمة هذا المنهج في القرار رقم 1056، إذ لم تكتف بمجرد الادعاءات المتعلقة بالمحاضر، وإنما فحصت نظائر المحاضر المودعة لديها، وقارنت بينها وبين النسخ المدلى بها، ونظرت في البيانات التي تم تصحيحها وأثرها على النتائج، كما أن القرار رقم 771 يبرز بصورة واضحة أن المحكمة قد تفرق بين وجود خطأ في نقل بعض النتائج وبين تأثير ذلك الخطأ في النتيجة النهائية، إذ سجلت المحكمة وجود أخطاء مادية تم تصحيحها، لكنها لاحظت أن الأخطاء تعلقت بلوائح غير فائزة، وبالتالي لم يكن لها تأثير في النتيجة.
ومن هنا يمكن استخلاص قاعدة دقيقة مفادها أن عدم تسليم نسخة المحضر قد يشكل إخلالا قانونيا مستقلا، وقد تقوم بشأنه المسؤولية الجنائية متى استجمعت شروط المادة 57، لكن هذا الإخلال لا يتحول إلى سبب لإلغاء الانتخاب إلا إذا استند الطعن إلى عناصر أخرى تثبت تأثير المخالفة في سلامة الاقتراع أو نتيجته وفقا للقواعد التي تحكم المنازعة الانتخابية.

 

خاتمة:

وختاما، يتضح من خلال الاطلاع على النصوص القانونية والاجتهاد القضائي أن المشرع المغربي أقام نظاما متكاملا لحماية حق ممثلي لوائح الترشيح في الحصول على نسخ المحاضر الانتخابية، باعتبار أن هذا الحق يشكل إحدى الضمانات الأساسية لمراقبة العملية الانتخابية والتحقق من النتائج، حيث
كرس القانون التنظيمي رقم 27.11 هذا الحق، ونظم كيفية إعداد النسخ وتسليمها، ومنحها نفس حجية النظائر الأصلية، كما أحاط الحق في التسلم بحماية جنائية من خلال المادة 57، وهو ما اكدته دورية وزير الداخلية الصادرة بمناسبة انتخابات 23 شتنبر 2026 من خلال إعتبار أن رؤساء مكاتب التصويت والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء ملزمون عمليا بإعداد نسخ مطابقة للنظائر الأصلية، وترقيمها وتوقيعها وتسليمها فورا إلى ممثلي لوائح الترشيح الحاضرين مقابل إشهاد.
غير أن القيمة القانونية لهذه الضمانة يجب أن تفهم في إطار التمييز بين المسؤولية الجنائية وبين المنازعة في صحة الانتخاب، فالمادة 57 تحمي حق ممثل اللائحة في الحصول على النسخة من خلال تجريم الامتناع عن التسليم في الحالة التي حددها النص، بينما لا تجعل قواعد المنازعة الانتخابية من مجرد عدم التسليم سببا آليا لإلغاء نتيجة الاقتراع.
وقد استقر الاجتهاد القضائي للمحكمة الدستورية على هذه القاعدة في العديد من قراراتها، يستخلص منها بأن المحكمة لا تكتفي بالادعاء، وإنما تبحث عن الإثبات، وتطلب تحديد مكاتب التصويت والوقائع محل المنازعة، كما تميز بين المخالفة الإجرائية وبين مدى تأثيرها في النتيجة، ومن ثم فإن عدم تسليم نسخة المحضر لا ينبغي أن يوصف قانونا بأنه عديم الأثر، كما لا يجوز اعتباره في المقابل سببا آليا لإلغاء الانتخاب، فهو من جهة، إخلال بالتزام قانوني يمكن أن تكون له آثار زجرية متى استجمعت شروط المادة 57، ومن جهة أخرى لا يصبح سببا للإلغاء إلا إذا ارتبط، وفقا لما تثبته عناصر النزاع، بمخالفات من شأنها المساس بسلامة العملية الانتخابية أو التأثير في نتيجتها.
وهكذا يتبين أن الحماية الجنائية لحق الحصول على المحضر والحماية القضائية لسلامة النتيجة الانتخابية تعملان في مستويين مختلفين، وإن كانا يلتقيان في الغاية العامة المتمثلة في ضمان شفافية الاقتراع وسلامة التعبير عن إرادة الناخبين، ويظل أهم ما يستخلص من الاجتهاد القضائي في هذا المجال أن الجريمة الانتخابية لا تساوي بالضرورة سبب الإبطال الانتخابي، فقد يقوم الفعل المجرم دون أن تتوافر، في النزاع الانتخابي، الشروط التي تجعل من شأنه التأثير في النتيجة، وهذه هي الحدود الدقيقة التي ينبغي مراعاتها عند دراسة الآثار القانونية لعدم تسليم المحاضر الانتخابية.

 

المراجع :

_ قرار المجلس الدستوري رقم 771 بتاريخ 2 يوليوز 2009: قرر أن عدم تسليم المحاضر، على فرض ثبوته، إجراء لاحق على الاقتراع ولا يؤثر في النتيجة في حد ذاته، مع اشتراط إثبات الادعاء.

_،قرار المجلس الدستوري رقم 889 بتاريخ 4 أكتوبر 2012: ميز بين أصول المحاضر والنسخ التي يتسلمها ممثلو المرشحين، وأكد حجية النسخ المرقمة والموقعة.
_ قرار المحكمة الدستورية رقم 1073: أكد شروط ترقيم وتوقيع نسخ المحاضر، وربط المأخذ بضرورة الإثبات.
_ قرار المحكمة الدستورية رقم 1056: يكتسي أهمية في مسألة مقارنة نظائر المحاضر والنسخ وتصحيح الأخطاء المادية وأثرها على النتيجة.
_ قرار المحكمة الدستورية رقم 1071: أكد أن عدم تسليم النسخ، على فرض ثبوته، لا يؤدي في حد ذاته إلى إلغاء النتيجة.
_ قرار المحكمة الدستورية رقم 2022: أكد ضرورة تحديد مكاتب التصويت وعدم الاكتفاء بادعاء عام بشأن عدم تسليم المحاضر.
_ قرار المحكمة الدستورية رقم 2053: كرر قاعدة عدم تأثير عدم التسليم، في حد ذاته، في نتيجة الاقتراع.
_ قرار المحكمة الدستورية رقم 2055: عالج ادعاء عدم تمكين ممثلي الطاعن من نسخة محضر، وأكد ضرورة الإثبات وعدم كفاية الواقعة المجردة.
_ قرار المحكمة الدستورية رقم 2058: من أهم القرارات في الموضوع، لأنه تناول مباشرة مأخذ الامتناع عن تسليم المحاضر، وربط أثر عدم التسليم بكونه

Source ذ/ الزكراوي محمد باحث في الشؤون القانونية و القضائية نائب رئيس المركز الوطني للأبحاث القانونية و القضائية عضو مركز ليكسوس للباحثين الشباب
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق