مقدمة
تقوم العلاقات الالتزامية، في صورتها البسيطة، على رابطة تجمع دائنا واحدا بمدين واحد، يكون لهذا الأخير بمقتضاها واجب تنفيذ الأداء المستحق، سواء تعلق الأمر بدفع مبلغ مالي أو القيام بعمل أو الامتناع عنه. غير أن الواقع العملي أكثر تنوعا من هذه الصورة؛ فقد يتعدد أطراف الالتزام، فيوجد إلى جانب الدائن الواحد عدد من المدينين، أو يتعدد الدائنون في مواجهة مدين واحد.
ويثير تعدد المدينين سؤالا بشأن حدود التزام كل واحد منهم: هل يحق للدائن أن يطالب أيا منهم بالدين كله، أم يجب عليه أن يوزع مطالبته بينهم بحسب حصة كل واحد؟ وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يكون محل الالتزام قابلا للانقسام، كما هو الشأن بالنسبة إلى المبالغ المالية، إذ قد يترتب على انقسام الدين أن يجد الدائن نفسه مضطرا إلى مطالبة كل مدين على حدة، مع تحمل خطر إعسار أحدهم.
والأصل، في هذه الحالة، أن ينقسم الدين القابل للانقسام بين المدينين، فلا يلتزم كل واحد منهم تجاه الدائن إلا بقدر حصته، مع مراعاة الاستثناءات التي يقررها القانون. غير أن المشرع المغربي أقر إلى جانب هذا الأصل نظام التضامن بين المدينين، أو ما يسمى أيضا بالتضامن السلبي، الذي يسمح للدائن بمطالبة أي مدين متضامن بالدين كله أو ببعضه، دون أن يكون له الحق في استيفاء الدين أكثر من مرة واحدة.
وتظهر أهمية هذا النظام في كونه يعزز ضمان الدائن؛ فبدل أن يتوقف استيفاء حقه على ملاءة مدين واحد، يصبح له، من حيث المبدأ، أن يطالب أيا من المدينين المتضامنين. غير أن هذه الحماية تقابلها كلفة قد يتحملها المدين الذي يطالَب بأداء الدين كله، رغم أن نصيبه النهائي فيه قد لا يتجاوز جزءا منه. ولهذا لم يجعل المشرع التضامن قاعدة عامة، بل أحاط نشأته وآثاره بضوابط ترمي إلى التوفيق بين حماية الائتمان وعدم تحميل المدين التزاما لم يثبت مصدره.
وتبرز أهمية الموضوع كذلك في التمييز بين مستويين من العلاقة القانونية: أولهما علاقة الدائن بالمدينين، حيث يجوز له التمسك بالتضامن في الحدود المقررة قانونا؛ وثانيهما العلاقة بين المدينين أنفسهم، حيث يتوزع العبء النهائي للدين وفق حصصهم ومصلحة كل منهم في المعاملة
وانطلاقا من ذلك، تطرح الدراسة الإشكالية الآتية:
ما مصادر التضامن بين المدينين في القانون المغربي، وما الآثار التي يرتبها في علاقة الدائن بالمدينين المتضامنين، وفي العلاقة الداخلية بين هؤلاء المدينين؟
ولمعالجة هذه الإشكالية، سيتم تناول مفهوم التضامن بين المدينين ومصادره في المطلب الأول، على أن تخصص دراسة آثاره الخارجية والداخلية لـالمطلب الثاني.
المطلب الأول: مفهوم التضامن بين المدينين ومصادره
لا يتحدد مدلول التضامن بين المدينين بمجرد القول إن الدائن يستطيع مطالبة أحدهم بالدين كله، لأن فهم هذا النظام يقتضي أيضا بيان خصائصه وتمييزه عن أوضاع قانونية قد تتشابه معه في بعض النتائج. كما أن تحديد مفهومه يظل مرتبطا بمعرفة مصادره، بالنظر إلى أن تضامن المدينين لا يقوم، في الأصل، على مجرد تعددهم أو اجتماعهم في معاملة واحدة.
وعليه، سيتم تخصيص الفرع الأول لماهية التضامن وتمييزه عن الأنظمة المشابهة، في حين يتناول الفرع الثاني مصادره.
الفرع الأول: ماهية التضامن وتمييزه عن الأنظمة المشابهة
يقوم التضامن السلبي على تنظيم خاص لعلاقة الدائن بعدة مدينين، بما يجعل من الضروري الوقوف عند عناصره والوظيفة التي يؤديها في المعاملات. غير أن فهم خصوصيته يقتضي أيضا مقارنته بعدم قابلية الالتزام للانقسام والكفالة والالتزام التضاممي، لأن التشابه بينها في إمكان المطالبة بكامل الأداء لا يعني خضوعها بالضرورة للأحكام نفسها.
لذلك، ستتناول الفقرة الأولى عناصر التضامن السلبي ووظيفته، بينما تخصص الفقرة الثانية لتمييزه عن الأنظمة المشابهة.
الفقرة الأولى: عناصر التضامن السلبي ووظيفته
نظم المشرع المغربي التضامن بين المدينين في الفصول من 164 إلى 180 من قانون الالتزامات والعقود. ويستفاد من الفصل 166 أن التضامن يتحقق عندما يكون كل مدين ملتزما شخصيا بتمام الدين، بحيث يحق للدائن أن يطالب أيا منهم بأدائه كله أو بعضه، على ألا يستوفيه إلا مرة واحدة.[1]
ويقوم هذا التنظيم على عناصر مترابطة: تعدد المدينين، وارتباطهم تجاه الدائن بدين أو أداء مشترك، والتزام كل واحد منهم، في مواجهة الدائن، بالوفاء بكامل الدين متى توافرت شروط مطالبته به. وبذلك لا يستطيع المدين الذي يطالبه الدائن بالدين المستحق أن يدفع مطالبته بمجرد أن له شركاء آخرين في الالتزام، أو أن حصته النهائية في الدين أقل من المبلغ المطلوب منه.
فإذا اقترض ثلاثة أشخاص تسعين ألف درهم، واتفقوا مع المقرض صراحة على تضامنهم، جاز لهذا الأخير، عند حلول الدين ومراعاة ما قد يكون خاصا برابطة كل مدين، أن يطالب أحدهم بالمبلغ كله. وإذا وفى هذا المدين كامل الدين، برئت ذمم الجميع تجاه الدائن، مع احتفاظ الموفي بحقه في الرجوع على المدينين الآخرين وفق القواعد المنظمة للعلاقة الداخلية بينهم.
وتتجلى وظيفة التضامن هنا في تقوية ضمان الدائن؛ إذ يتيح له مطالبة أكثر من ذمة مالية بالوفاء بالدين نفسه. ومع ذلك، فإن هذا التعدد لا يجعل للدائن حقوقا مالية مستقلة تتجاوز قيمة دينه، بل تظل المطالبات المتعددة مقيدة بحد الاستيفاء الواحد.
وإذا كانت وحدة الدين أو الأداء تمثل إحدى خصائص التضامن، فإن ذلك لا يمنع من تعدد الروابط التي تجمع الدائن بكل مدين. ولهذا أجاز الفصل 167 أن يكون التزام أحد المدينين مقترنا بأجل أو معلقا على شرط، بينما يكون التزام مدين آخر باتا ومنجزا. كما ينص الفصل نفسه على أن نقص أهلية أحد المدينين لا يعيب الالتزام الذي تعاقد عليه الآخرون.[1]
ويعني ذلك أن التضامن لا يلغي خصوصية كل رابطة، فلا يجوز، مثلا، مطالبة مدين منح له أجل خاص قبل حلول ذلك الأجل، لمجرد أن الدين أصبح مستحقا بالنسبة إلى مدين آخر. ومن ثم، فإن حماية الدائن تظل مرتبطة باحترام الأوصاف والدفوع التي يخولها القانون لكل مدين.
الفقرة الثانية: التمييز عن عدم القابلية للانقسام والتضامم والكفالة
قد يقترب التضامن في نتائجه من بعض الأنظمة القانونية الأخرى، غير أن هذا التقارب لا يلغي اختلاف الأساس والأحكام.
فالتضامن يختلف، أولا، عن عدم قابلية الالتزام للانقسام. فالدين التضامني قد يكون قابلا للتجزئة بطبيعته، كما هو الحال بالنسبة إلى مبلغ مالي، لكن التضامن يمنع المدين المطلوب بالوفاء من فرض تجزئة المطالبة على الدائن. أما عدم القابلية للانقسام، فيمكن أن تنشأ، وفق الفصل 181، من طبيعة محل الالتزام أو من السند المنشئ له أو من القانون، عندما يتبين أن التنفيذ لا يمكن أن يكون جزئيا.[1]
وقد تتشابه النتيجة أمام الدائن، لأن كل مدين في الالتزام غير القابل للانقسام قد يكون ملزما أيضا بأداء الدين بتمامه، وفق الفصل 182. لكن الفارق يظهر في بعض الآثار؛ فالفصل 185 يجعل قطع التقادم الحاصل ضد أحد المدينين بالتزام غير قابل للانقسام منتجًا أثره ضد الباقين، بينما يقرر الفصل 176، بالنسبة إلى المدينين المتضامنين، أن قطع التقادم أو وقفه بالنسبة إلى أحدهم لا يقطعه ولا يوقفه بالنسبة إلى الآخرين.[1]
ويختلف التضامن، ثانيا، عن الكفالة. فالكفالة تقوم على ضمان الكفيل تنفيذ التزام المدين الأصلي، في حين يكون المدين المتضامن ملتزمًا شخصيا تجاه الدائن بكامل الدين. ويترتب عن هذا الاختلاف أن للكفيل، في الحالات التي يحددها القانون، أن يطلب تجريد المدين الأصلي من أمواله وفق شروط الفصل 1136، بينما لا يملك المدين المتضامن أن يشترط على الدائن مطالبة مدين متضامن آخر قبله.
غير أن هذا التمييز لا يمنع من اجتماع الكفالة والتضامن في علاقة واحدة؛ فالفصل 1133 ينص على أن الكفالة لا تقتضي التضامن ما لم يشترط صراحة، كما يخضع آثار الكفالة لقواعد التضامن في الحالة التي تعتبر فيها الكفالة عملًا تجاريًا بالنسبة إلى الكفيل. ويجب، لذلك، التمييز بين المدين المتضامن والكفيل الذي يلتزم متضامنًا، مع مراعاة طبيعة كل التزام وأحكامه.[1]
أما الالتزام التضاممي، أو l’obligation in solidum، فيقصد به، في الاستعمال الفقهي المقارن، وضع يلتزم فيه عدة أشخاص بأداء التعويض الكامل عن ضرر واحد، مع اختلاف الأساس الذي تقوم عليه مسؤولية كل واحد منهم، ودون أن تترتب بالضرورة جميع الآثار المرتبطة بالتضامن.
وقد أثارت علاقة التضامم بالتضامن نقاشًا فقهيًا في القانون المغربي. فبينما يرى اتجاه أن عبارة «النتيجة الحتمية لطبيعة المعاملة» الواردة في الفصل 164 تسمح باستيعاب بعض الحالات التي توصف بالتضامم، يناقش اتجاه آخر مدى الحاجة إلى الاعتراف بالتضامم بوصفه نظامًا مستقلًا. ولذلك، لا يصح تقديم استيعاب الفصل 164 لجميع حالات التضامم باعتباره قاعدة تشريعية صريحة أو موقفًا فقهيًا محسوما.
الفرع الثاني: مصادر التضامن
إذا كان التضامن يقوي مركز الدائن، فإنه يرتب في المقابل التزاما قد يكون أشد على المدين من مجرد أداء حصته في الدين. ولهذا اهتم المشرع بتحديد الأسس التي يمكن أن ينشأ عنها، سواء تعلق الأمر بإرادة الأطراف أو بالنص القانوني أو بالنتيجة التي تفرضها طبيعة المعاملة.
وعليه، سيتم تناول الاتفاق الصريح في الفقرة الأولى، ثم دراسة القانون وطبيعة المعاملة في الفقرة الثانية.
الفقرة الأولى: الاتفاق الصريح
قرر الفصل 164 من قانون الالتزامات والعقود أن التضامن بين المدينين لا يفترض، وأنه يجب أن ينتج صراحة عن السند المنشئ للالتزام أو عن القانون، أو أن يكون نتيجة حتمية لطبيعة المعاملة.
ويترتب على ذلك أن مجرد تعدد الأشخاص الذين وقعوا عقدًا واحدًا لا يكفي وحده، في الالتزامات التي تخضع لقاعدة عدم افتراض التضامن، للحكم بأن كل واحد منهم ملتزم تجاه الدائن بكامل الدين. كما أن تشابه مصالح المدينين أو استفادتهم من المعاملة لا يغني، في حد ذاته، عن البحث في المصدر الذي يجيز تقرير التضامن.
ويتحقق التضامن الاتفاقي عندما تتجه إرادة الأطراف، بصورة واضحة، إلى تحميل كل مدين مسؤولية الوفاء بكامل الدين تجاه الدائن. ولا يتوقف الأمر بالضرورة على استعمال لفظ معين، متى كانت صياغة السند تدل صراحة وبلا لبس على هذا المعنى. أما إذا بقي الشك قائمًا بعد تفسير بنود العقد وفق قواعد التأويل، فلا يجوز استنتاج التضامن من مجرد احتمال أو افتراض، مع مراعاة القواعد القانونية الخاصة التي قد تقرره.
وفي هذا السياق، يورد أحد الشروح القانونية مثالًا يتعلق بمشغلة التزمت باقتطاع أقساط قرض من أجرة أحد مستخدميها، ولم يُعتبر هذا الالتزام، بحسب ما أورده الشرح، كافيًا وحده للحكم عليها بالتضامن في أداء القرض بعد انتهاء علاقة الشغل. وتبرز من هذا المثال ضرورة التمييز بين الالتزام بالمساعدة على تنفيذ الأداء والالتزام الشخصي بكامل الدين.
ومع أهمية هذه الدلالة، فإن المرجع المذكور نقل القرار المنسوب إلى محكمة الاستئناف بالرباط دون أن يورد رقمه أو نصه الكامل؛ ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه إحالة غير مباشرة إلى القرار، وليس بديلًا عن الرجوع إلى حيثياته الأصلية عند الاستشهاد القضائي التفصيلي.
الفقرة الثانية: القانون وطبيعة المعاملة
لا يتوقف قيام التضامن دائمًا على اتفاق الأطراف، إذ قد يقرره المشرع حمايةً للدائن أو للمضرور في حالات يرى فيها أن انقسام المطالبة لا يحقق الحماية المطلوبة.
ومن أمثلة التضامن القانوني ما ينص عليه الفصل 99 من قانون الالتزامات والعقود، عندما يقع الضرر من أشخاص متعددين عملوا متواطئين؛ إذ يكون كل واحد منهم مسؤولًا بالتضامن عن النتائج وفق الشروط التي يقررها النص. كما يطبق الفصل 100 الحكم نفسه إذا تعدد المسؤولون عن الضرر وتعذر تحديد فاعله الأصلي من بينهم، أو تعذر تحديد نسبة مساهمة كل واحد منهم في إحداثه.
وتكشف هاتان الحالتان أن التضامن قد يؤدي وظيفة مهمة في مجال المسؤولية المدنية؛ فهو يخفف عن المضرور عبء توزيع مطالبته على المسؤولين عندما تتحقق الشروط القانونية، مع بقاء مسألة توزيع العبء بينهم خاضعة للقواعد الواجبة التطبيق.
ويبرز التضامن القانوني كذلك في المعاملات التجارية. فقد نصت المادة 335 من مدونة التجارة على أنه «يفترض التضامن في الالتزامات التجارية». كما يقرر الفصل 165 من قانون الالتزامات والعقود قيام التضامن بحكم القانون في الالتزامات المتعاقد عليها بين التجار لأغراض المعاملات التجارية، ما لم يصرح السند المنشئ للالتزام أو القانون بعكسه.
وينبغي هنا الانتباه إلى أن الفصل 165 يتحدث تحديدًا عن الالتزامات المتعاقد عليها بين التجار لأغراض تجارية، بينما جاءت صياغة المادة 335 متعلقة بالالتزامات التجارية. ولذلك، فإن تطبيق القرينة يقتضي التحقق من طبيعة الالتزام والصفة التي يتخذها بالنسبة إلى كل مدين، ولا سيما عندما تجمع المعاملة بين التزام تجاري وآخر مدني. مديرية التشريع والدراسات
وإلى جانب الاتفاق والقانون، قد يكون التضامن، وفق الفصل 164، نتيجة حتمية لطبيعة المعاملة. ويقتضي هذا المصدر البحث في طبيعة العملية وظروفها ومضمون الالتزام، للتأكد مما إذا كانت تفرض فعلًا التزام كل مدين بكامل الأداء.
غير أن تطبيق هذا المقتضى يجب أن يتم بحذر؛ فلا يكفي أن يكون التضامن أكثر ملاءمة للدائن أو أن يؤدي إلى تقوية ضمانه، لأن ذلك قد يحول الاستثناء إلى قاعدة عامة. وإنما يجب أن تكون النتيجة الحتمية مستمدة من طبيعة المعاملة نفسها، مع تعليل سبب استبعاد مجرد انقسام الدين بين المدينين.
المطلب الثاني: آثار التضامن بين المدينين
لا تقف أهمية التضامن عند تحديد مصدره، بل تظهر بوضوح عند تنفيذ الالتزام أو انقضائه. ففي علاقة الدائن بالمدينين، يخول هذا النظام للدائن ضمانًا أوسع، مع إبقاء بعض الآثار مرتبطة بالرابطة الخاصة بكل مدين. أما في العلاقة الداخلية، فإن أداء أحد المدينين للدين لا يعني بالضرورة تحمله النهائي له كله.
لذلك، سيتم تناول آثار التضامن في علاقة الدائن بالمدينين في الفرع الأول، ثم دراسة آثاره في العلاقة الداخلية بين المدينين في الفرع الثاني.
الفرع الأول: الآثار في علاقة الدائن بالمدينين
تقوم العلاقة الخارجية للتضامن على موازنة بين حق الدائن في مطالبة أي مدين بالدين المستحق، وبين ضرورة احترام ما قد يميز التزام كل مدين من أوصاف ودفوع. كما أن التصرفات التي تقع بين الدائن وأحد المدينين لا تنتج جميعها الأثر نفسه بالنسبة إلى الباقين.
وعليه، ستعالج الفقرة الأولى وحدة الدين وحرية المطالبة، في حين تتناول الفقرة الثانية تعدد الروابط والدفوع وأثر التصرفات.
الفقرة الأولى: وحدة الدين وحرية المطالبة
يترتب على التضامن، وفق الفصل 166، أن للدائن الحق في مطالبة أي مدين متضامن بالدين كله أو ببعضه، مع مراعاة حلول الالتزام بالنسبة إلى المدين المطلوب وعدم وجود دفع يحول دون مطالبته. كما يجوز له أن يوجه مطالبته إلى أكثر من مدين، ما دام لم يستوف حقه كاملا.
ويؤكد الفصل 176 أن مطالبة أحد المدينين لا تمتد بذاتها إلى الآخرين، لكنها لا تمنع الدائن من توجيه مطالبة مماثلة إليهم. فرفع الدعوى ضد مدين واحد لا يعني تخلي الدائن تلقائيًا عن حقه في الرجوع على الباقين، وإنما تظل له هذه الإمكانية إلى أن ينقضي الدين أو يسقط حقه في مواجهتهم وفق سبب يقرره القانون.
ويمكن توضيح ذلك بمثال دين تضامني قدره مائة ألف درهم على ثلاثة مدينين: يجوز للدائن أن يطالب أحدهم بالمبلغ كله، كما يجوز له أن يستوفي ستين ألف درهم من الأول، ثم يطالب مدينًا آخر بالأربعين ألف درهم المتبقية. أما إذا استوفى المائة ألف درهم كاملة، فلا يجوز له أن يطالب أحدًا منهم بالمبلغ نفسه مرة ثانية.
ولا تتوقف سلطة الدائن في المطالبة، من حيث الأصل، على معرفة التوزيع النهائي للحصص بين المدينين. فقد يطالب المدين الذي لا تزيد حصته الداخلية على ثلث الدين بكامل المبلغ، على أن يحتفظ هذا المدين، إذا وفى الدين، بحقه في الرجوع على الآخرين وفق الأحكام المنظمة لذلك.
وفي المقابل، فإن وفاء أحد المدينين بالدين المستحق يفيد الباقين في حدود ما تم الوفاء به. ويمتد هذا الأثر، وفق الفصل 169، إلى حالات أخرى بينها الوفاء بمقابل والمقاصة والإيداع، متى تحققت شروطها القانونية وبقدر ما تؤدي إليه من انقضاء الدين.
الفقرة الثانية: تعدد الروابط والدفوع وأثر التصرفات
رغم أن الدائن يطالب بدين واحد، فإن الرابطة القانونية التي تجمعه بكل مدين تحتفظ بخصائصها. ولهذا يجيز الفصل 168 لكل مدين متضامن أن يتمسك بالدفوع الشخصية الخاصة به، وبالدفوع المشتركة بين جميع المدينين، دون الدفوع الشخصية المحضة المتعلقة بمدين آخر.
فإذا كان سبب بطلان الالتزام متعلقًا بالعقد المشترك ذاته، أمكن التمسك به بحسب طبيعته وشروطه. أما إذا تعلق الأمر بدفع شخصي محض، كنقص أهلية أحد المدينين أو بأجل خاص منح له وحده، فإن المدين الآخر لا يستطيع، لمجرد وجود التضامن، أن يتمسك به لنفسه.
وتظهر أهمية التمييز بين وحدة الدين وتعدد الروابط عند بحث أثر التصرفات وأسباب الانقضاء. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الإبراء من الدين: فالفصل 172 يقرر أن الإبراء الحاصل لأحد المدينين المتضامنين يفيد الآخرين، ما لم يظهر الدائن صراحة رغبته في أن يقتصر الإبراء على ذلك المدين وبالنسبة إلى حصته من الدين.
وفي هذه الحالة الأخيرة، يبقى حق الدائن في مطالبة الآخرين في حدود ما بقي من الدين، ولا يرجع هؤلاء على المدين المبرأ، من حيث حصته التي شملها الإبراء، إلا فيما يخص نصيبه في حصة المعسرين منهم، وفق ما ينص عليه الفصل المذكور. ويؤكد هذا الحكم أن الإبراء من الدين لا يجوز الخلط بينه وبين مجرد قبول الدائن تجزئة الدين لصالح أحد المدينين، وهي حالة ينظمها الفصل 173.
أما الصلح المبرم بين الدائن وأحد المدينين، فإنه يفيد الآخرين إذا تضمن إبراء من الدين أو طريقًا آخر من طرق انقضائه، ولا يجوز أن يحملهم بالتزام أو يزيد فيما هم ملتزمون به دون رضاهم، طبقًا للفصل 174. وفي حالة اتحاد الذمة بين الدائن وأحد المدينين، لا ينقضي الالتزام، وفق الفصل 175، إلا بالنسبة إلى حصة ذلك المدين.
ويستدعي التقادم بدوره انتباهًا خاصًا. فالفصل 176 ينص صراحة على أن وقف التقادم أو قطعه بالنسبة إلى أحد المدينين المتضامنين لا يوقفه ولا يقطعه بالنسبة إلى الآخرين، كما أن التقادم الذي يتم لصالح أحدهم لا يفيد الباقين. ولذلك لا تكفي مطالبة مدين واحد أو اتخاذ إجراء قاطع للتقادم في مواجهته للمحافظة تلقائيًا على آثار ذلك الإجراء تجاه سائر المدينين.
وفي الاتجاه نفسه، يقرر الفصل 177 أن خطأ أحد المدينين أو مطله لا يضر بالآخرين، وأن سقوط الأجل إضرارًا بأحدهم لا ينتج أثره إلا في حقه. كما أن قوة الأمر المقضي لا تنتج، من حيث الأصل، آثارها إلا بالنسبة إلى المدين الذي كان طرفًا في الدعوى، فيما قضي به له أو عليه، ما لم ينتج خلاف ذلك عن السند المنشئ للالتزام أو عن طبيعة المعاملة.
وتبين هذه الأحكام أن القول بوحدة الدين لا يكفي وحده لتحديد أثر كل تصرف أو إجراء؛ إذ ينبغي الرجوع في كل حالة إلى النص الذي ينظمها، مع التمييز بين ما يتعلق بالدين المشترك وما يرتبط بالرابطة الخاصة بأحد المدينين.
الفرع الثاني: الآثار في العلاقة الداخلية بين المدينين
إذا كان الدائن يستطيع مطالبة أحد المدينين المتضامنين بكامل الدين، فإن تحديد من يتحمل هذا الدين نهائيًا يخضع لمنطق آخر. فالعلاقة بين المدينين تقوم، من حيث الأصل، على توزيع العبء بينهم، مع إمكان تأثر هذا التوزيع بمصلحة كل واحد منهم أو بإعسار أحدهم أو غيابه.
وعليه، ستخصص الفقرة الأولى لانقسام الدين وحق الرجوع، بينما تتناول الفقرة الثانية أثر المصلحة في المعاملة وحصة المدين المعسر أو الغائب.
الفقرة الأولى: انقسام الدين وحق الرجوع
ينص الفصل 179 من قانون الالتزامات والعقود على أن الالتزام المتعاقد عليه تضامنيًا تجاه الدائن ينقسم بقوة القانون بين المدينين. والمقصود بذلك أن التضامن، رغم أثره في مواجهة الدائن، لا يؤدي من حيث الأصل إلى تحميل كل مدين نهائيًا كامل الدين في علاقته بالمدينين الآخرين.
ويظهر الأثر العملي لهذا الانقسام عندما يؤدي أحد المدينين الدين كله، أو يقع بينه وبين الدائن ما يؤدي إلى انقضاء الدين بتمامه وفق الحالات التي ينظمها القانون. ففي هذه الحالة، لا يحق له، من حيث الأصل، الرجوع على كل واحد من المدينين الآخرين إلا بقدر حصته في الدين، مع مراعاة الأحكام الخاصة بالإعسار أو الغياب وما قد يقضي به الاتفاق.[1]
فإذا كان الدين التضامني تسعين ألف درهم بين ثلاثة مدينين، وكانت حصصهم الداخلية متساوية، ثم أدى أحدهم المبلغ كله للدائن، فإنه يتحمل في النهاية ثلاثين ألف درهم، ويجوز له الرجوع على كل واحد من المدينين الآخرين بثلاثين ألف درهم، ما لم توجد ظروف أو شروط قانونية تؤثر في هذا التوزيع.
ويستطيع المدين الموفي أن يؤسس رجوعه، بحسب الأحوال، على العلاقة التي تربطه بباقي المدينين، كما يمكن أن يستفيد من الحلول القانوني في حقوق الدائن. وقد نص الفصل 214، في البند الثالث منه، على الحلول بقوة القانون لفائدة من وفى دينًا كان ملتزمًا به مع المدين أو عنه، وذكر من أمثلته المدين المتضامن.
غير أن حلول المدين الموفي محل الدائن لا يعني إطلاق حقه في مطالبة كل شريك بكامل الدين كما كان للدائن الأصلي أن يفعل؛ إذ يظل رجوعه بين المدينين خاضعًا لأحكام توزيع العبء الداخلي، وفي مقدمتها الفصل 179، مع مراعاة ما قد يقرره القانون أو الاتفاق بشأن الحالات الخاصة.
وتكتسي التفرقة بين الرجوع الشخصي والرجوع بطريق الحلول أهمية عملية، لأن أساس كل دعوى والدفوع والضمانات التي قد ترتبط بها يمكن أن تختلف بحسب طبيعة العلاقة والظروف المحيطة بالوفاء.
الفقرة الثانية: تحمل المصلحة وحصة المعسر
قد تتعدد الذمم الملتزمة تجاه الدائن، دون أن تكون مصلحة المدينين في المعاملة واحدة. ولهذا خص المشرع حالة استفادة أحدهم وحده من المعاملة بحكم متميز.
فالفصل 180 من قانون الالتزامات والعقود يقضي بأنه إذا كانت المعاملة التي من أجلها حصل التعاقد على الالتزام التضامني لا تخص إلا أحد المدينين المتضامنين، فإن هذا المدين يلتزم تجاه الباقين بكل الدين، ولا يعتبر هؤلاء بالنسبة إليه إلا ككفلاء.
ومؤدى ذلك أن توزيع العبء النهائي لا يتحدد دائمًا على أساس عدد المدينين. فإذا ثبت، مثلًا، أن ثلاثة أشخاص التزموا تضامنيًا بقرض خُصص لمصلحة أحدهم وحده، ثم أدى أحد الآخرين الدين للدائن، أمكنه الرجوع على صاحب المصلحة وفق مقتضيات الفصل 180 والقواعد الواجبة التطبيق. غير أن القول بانفراد أحد المدينين بالمصلحة يقتضي التحقق من حقيقة المعاملة وظروفها، ولا يستنتج بمجرد ادعاء أحد الأطراف ذلك.
ولا يغير هذا التنظيم الداخلي، في حد ذاته، من مركز الدائن الذي ثبت له التضامن؛ إذ تظل مطالبته خاضعة لشروط الرابطة القائمة بينه وبين كل مدين، بينما تحدد العلاقة الداخلية من يتحمل العبء النهائي.
وقد تواجه هذه العلاقة صعوبة أخرى تتمثل في إعسار أحد المدينين أو غيابه. وفي هذا الصدد، يقرر الفصل 179 توزيع حصة المدين المعسر أو الغائب بين المدينين الآخرين الموجودين والمليئي الذمة، مع احتفاظ من دفعوا عنه بحقهـم في الرجوع عليه، وذلك ما لم يوجد شرط يقضي بخلافه.
ولتوضيح ذلك، إذا كان الدين تسعين ألف درهم بين ثلاثة مدينين متساوي الحصص، وأداه المدين الأول كاملًا، ثم تعذر الرجوع على المدين الثالث بسبب إعساره، فإن حصة هذا الأخير، وقدرها ثلاثون ألف درهم، توزع في هذا المثال بين المدين الأول والمدين الثاني الموجودين والمليئي الذمة. وبالنظر إلى تساوي حصتيهما، يتحمل كل واحد منهما خمسة عشر ألف درهم من حصة المعسر.
وعليه، يرجع المدين الأول على المدين الثاني بمبلغ خمسة وأربعين ألف درهم: ثلاثين ألفًا تمثل حصته الأصلية، وخمسة عشر ألفًا تمثل نصيبه في حصة المدين المعسر. ويحتفظ من دفع عن المعسر بحقه في الرجوع عليه وفق الفصل 179.
كما تجدر الإشارة إلى أن الفصل 178 يحيل، في تنظيم العلاقات بين المدينين المتضامنين، على أحكام الوكالة والكفالة. غير أن تطبيق هذه الأحكام يظل مرتبطًا بطبيعة العلاقة وبالنصوص الخاصة التي وضعها المشرع، ولا سيما الفصلين 179 و180، دون افتراض أن جميع المدينين المتضامنين يتخذون المركز القانوني نفسه في كل الأحوال.
خاتمة
يتبين من دراسة التضامن بين المدينين أن المشرع المغربي جعل منه وسيلة لتقوية ضمان الدائن وتيسير استيفاء حقه عند تعدد المدينين، دون أن يفصل هذه الحماية عن الضوابط التي تحدد مصدر الالتزام ومداه. فتمكين الدائن من مطالبة أي مدين بالدين كله لا يعني جواز افتراض التضامن في جميع المعاملات، بل يقتضي التحقق من قيام أحد مصادره المقررة في الفصل 164، مع مراعاة الأحكام الخاصة، ومنها قرينة التضامن في الالتزامات التجارية.
كما أظهرت الدراسة أن خصوصية هذا النظام تتجلى في الجمع بين وحدة الدين أو الأداء في مواجهة الدائن وتعدد الروابط القانونية التي تجمعه بكل مدين. وتفسر هذه الخصوصية إمكان اختلاف الأجل أو الشرط أو الدفوع من مدين إلى آخر، كما تفسر اختلاف أثر الإبراء والصلح واتحاد الذمة والتقادم بحسب القاعدة التي خصصها المشرع لكل حالة.
وتؤكد الأحكام المنظمة للرجوع أن وفاء أحد المدينين بكامل الدين لا يجعله، من حيث الأصل، متحملًا نهائيًا لجميع أعبائه؛ إذ ينقسم الدين في العلاقة الداخلية، مع مراعاة مصلحة كل مدين، وحالة انفراد أحدهم بالاستفادة من المعاملة، والقواعد الخاصة بحصة المعسر أو الغائب.
ومن ثم، فإن التطبيق السليم للتضامن يقتضي التمييز الدقيق بين التزام المدين بالدين تجاه الدائن ومقدار ما يتحمله نهائيًا تجاه شركائه. كما يقتضي تجنب إلحاق آثار موحدة بجميع التصرفات والإجراءات، والرجوع في كل حالة إلى النص المنظم لها. وبهذا المعنى، يظل التضامن أداة لتحقيق الثقة في المعاملات، على أن تقترن فعاليته باحترام الحدود التي رسمها القانون لحماية المدينين أنفسهم.
الهوامش والمراجع
[1] ظهير 9 رمضان 1331، الموافق لـ12 أغسطس 1913، بمثابة قانون الالتزامات والعقود، كما تم تغييره وتتميمه، ولا سيما الفصول 99 و100 و164 إلى 187 و214 و461 وما بعده و1133 إلى 1140. اعتمدتُ الصيغة المحينة بتاريخ 16 يوليوز 2026، الصادرة عن وزارة العدل والمعاد نشر صورتها عبر ويكيميديا: الاطلاع على النسخة بصيغة PDF.
[2] القانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.96.83 بتاريخ فاتح أغسطس 1996، ولا سيما المادة 335. نسخة وزارة العدل. مديرية التشريع والدراسات
[3] معتصم فرتات، «الالتزام بين التضامن والتضامم: دراسة على ضوء قانون الالتزامات والعقود»، منشور بموقع مغرب القانون، بتاريخ 14 مارس 2021.
[4] محمد أزهري، «التضامن والتضامم في التشريع المغربي: دراسة في ضوء قانون الالتزامات والعقود»، مجلة القضاء المدني، السنة الخامسة، العدد العاشر، خريف 2014، ص. 21–42.
[5] عبد الخالق الحجوجي، «التضامن بين المدينين في الالتزامات التعاقدية»، المدونة القانونية، 20 أكتوبر 2020: قراءة المقال. أشار الكاتب إلى قرار لمحكمة الاستئناف بالرباط بتاريخ 27 فبراير 2008،
[6] بدر بنجمل، «رجوع المدين الموفي على المدينين المتضامنين في التضامن السلبي: دراسة على ضوء قانون الالتزامات والعقود»، مجلة المتوسط للدراسات القانونية والقضائية، العدد الأول، يونيو 2016، ص. 209–215.
[7] Samira Benboubker, «L’obligation solidaire», Cours de régime de l’obligation en droit marocain.













