مقدمة
يعتبر قطاع التأمين من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، إلا أن شريحة واسعة من المجتمع كانت تحجم عن الانخراط فيه لاعتبارات دينية. واستجابة لهذا المطلب المجتمعي والاقتصادي، وتماشياً مع إرساء منظومة المالية التشاركية بالمغرب، تدخل المشرع المغربي بتعديل مدونة التأمينات بموجب القانون رقم 87.18، لإحداث إطار قانوني ينظم التأمين التكافلي وإعادة التأمين التكافلي. ويقوم هذا النظام البديل على مبادئ التعاون والتضامن بين المشتركين، بما يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
الإشكالية: إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال التعديلات المدخلة على مدونة التأمينات إرساء نظام قانوني متكامل للتأمين التكافلي يضمن توافقه مع أحكام الشريعة الإسلامية ويحقق في ذات الوقت نجاعته الاقتصادية؟
المبحث الأول: مفهوم التأمين التكافلي والأسس التي يقوم عليها.
المبحث الثاني: قواعد تدبير صندوق التأمين التكافلي وآليات المراقبة.
المبحث الأول: مفهوم التأمين التكافلي والأسس التي يقوم عليها
المطلب الأول: مفهوم التأمين التكافلي وخصائصه
الفقرة الأولى: التعريف القانوني للتأمين التكافلي
عرفت المادة الأولى من مدونة التأمينات (كما تم تعديلها) التأمين التكافلي بأنه عملية تأمين تتم وفق الآراء بالمطابقة الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى، وتهدف إلى تغطية الأخطار بواسطة صندوق يسمى صندوق التأمين التكافلي. يُسير هذا الصندوق من طرف مقاولة للتأمين معتمدة لهذا الغرض، مقابل أجرة تسيير. ويتضح أن التأمين التكافلي ليس عقداً تبادلياً بين المؤمن والمؤمن له، بل هو اتفاق تعاوني بين المشتركين أنفسهم لجبر الضرر الذي قد يلحق بأحدهم.
الفقرة الثانية: خصائص التأمين التكافلي
يتميز التأمين التكافلي بعدة خصائص جوهرية تميزه عن التأمين التجاري التقليدي. فمن أبرز هذه الخصائص الانفصال التام بين الذمة المالية لمقاولة التأمين (المسيرة) والذمة المالية لصندوق التأمين التكافلي (المشتركين)، مما يعني أن أموال المشتركين محمية من مخاطر المقاولة. كما أن المقاولة المسيرة لا تتحمل المخاطر من مالها الخاص، فهي مجرد وكيل يدير الصندوق بأجر معلوم. ويخضع التأمين التكافلي لرقابة شرعية صارمة من طرف المجلس العلمي الأعلى لضمان خلو العمليات من الربا والغرر الفاحش. كما يلتزم المشتركون بأداء اشتراكات على سبيل التبرع المتبادل، وليس أقساطاً مقابل التغطية.
المطلب الثاني: أسس ومبادئ التأمين التكافلي
الفقرة الأولى: مبدأ التبرع والتعاون
يعتبر مبدأ التبرع (الالتزام بالتبرع) حجر الزاوية في التأمين التكافلي. فالمشترك عندما يدفع اشتراكه، فإنه يتبرع به أو بجزء منه لفائدة الصندوق، بقصد التعاون مع باقي المشتركين لتعويض من ينزل به الخطر المضمون. وبذلك ينتفي الغرر المفسد للعقد في التأمين التجاري، لأن عقود التبرعات تغتفر فيها الجهالة بخلاف عقود المعاوضات. وهذا التعاون يجسد مبدأ التكافل الاجتماعي الذي حثت عليه الشريعة الإسلامية.
الفقرة الثانية: مبدأ توزيع الفوائض وتحمل العجز
على عكس التأمين التجاري حيث تستأثر الشركة بالأرباح، فإن الفائض التقني والمالي الذي قد يحققه صندوق التأمين التكافلي يعود حصرياً للمشتركين، ويتم توزيعه عليهم وفق القواعد المحددة في النظام الأساسي للصندوق. وفي المقابل، إذا واجه الصندوق عجزاً مالياً، تلتزم المقاولة المسيرة بتقديم تسبيق تكافلي (قرض حسن بدون فائدة) للصندوق لسد هذا العجز، ويسترد هذا التسبيق من الفوائض المستقبلية.
المبحث الثاني: قواعد تدبير صندوق التأمين التكافلي وآليات المراقبة
المطلب الأول: قواعد التدبير المحاسبي والمالي
الفقرة الأولى: الاستقلالية المالية والمحاسبية
ألزمت مدونة التأمينات مقاولات التأمين التكافلي بمسك محاسبة مستقلة لكل صندوق تأمين تكافلي تديره، منفصلة تماماً عن المحاسبة الخاصة بالمقاولة نفسها. ويمنع على المقاولة المسيرة خلط أموالها الخاصة بأموال الصندوق، أو استعمال أموال الصندوق لتسديد ديونها الخاصة. وتعتبر هذه الاستقلالية ضمانة أساسية لحماية أموال المشتركين من أي مخاطر قد تتهدد المقاولة المسيرة.
الفقرة الثانية: توظيف أموال الصندوق
تخضع عملية استثمار أموال صندوق التأمين التكافلي لضوابط صارمة. فمن جهة، يجب أن يتم التوظيف وفقاً للقواعد الاحترازية التي تحددها هيئة مراقبة التأمينات (ACAPS). ومن جهة أخرى، يجب أن تكون جميع أدوات التوظيف (كصكوك الاستثمار، الودائع التشاركية) متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وحاصلة على الرأي بالمطابقة من المجلس العلمي الأعلى. ويمنع منعاً باتاً توظيف أموال الصندوق في أنشطة ربوية أو محرمة شرعاً.
المطلب الثاني: آليات المراقبة المزدوجة
الفقرة الأولى: الرقابة التقنية والمالية (ACAPS)
تمارس هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي (ACAPS) رقابة صارمة على مقاولات التأمين التكافلي، شأنها شأن باقي مقاولات التأمين. وتتجلى هذه الرقابة في منح الاعتماد لممارسة هذا النشاط، ومراقبة مدى احترام القواعد الاحترازية والمحاسبية، والتأكد من قدرة المقاولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المشتركين.
الفقرة الثانية: الرقابة الشرعية (المجلس العلمي الأعلى)
تعتبر الرقابة الشرعية ميزة حصرية للتأمين التكافلي. وتُناط هذه المهمة بـ اللجنة الشرعية للمالية التشاركية التابعة للمجلس العلمي الأعلى، وهي الجهة الوحيدة المخولة بإصدار الآراء بالمطابقة (Les avis de conformité). وتلزم المقاولة المسيرة بعرض جميع منتجات التأمين التكافلي ونماذج العقود وقواعد توزيع الفوائض على أنظار هذه اللجنة قبل تسويقها. كما يجب إحداث وظيفة للتدقيق الشرعي الداخلي.
خاتمة
نخلص مما سبق إلى أن المشرع المغربي قد نجح في إرساء بنية قانونية ومؤسساتية صلبة للتأمين التكافلي من خلال تعديل مدونة التأمينات. وقد حرص على التوفيق بين المتطلبات التقنية الصارمة لقطاع التأمين، وبين الضوابط الشرعية. غير أن نجاح هذه التجربة الفتية يظل رهيناً بمدى قدرة الفاعلين على ابتكار منتجات تكافلية تنافسية.













