رقمنة المساطر والإجراءات القضائية بين متطلبات النجاعة وضمانات حقوق المتقاضين

التحول الرقمي للعدالة بالمغرب: إسهاماته في تكريس المحاكمة العادلة والأجل المعقول

حافظة ملفات زجاجية خضراء محمية بقفل، بجوار ساعة ومدخل بناية، يعلوها عنوان «العدالة الرقمية وضمانات المحاكمة العادلة» بالعربية والإنجليزية

المقدمة

يشهد مرفق العدالة تحولات متسارعة بفعل اتساع استعمال التكنولوجيا في تدبير الشأن العام، وتزايد انتظارات المتقاضين بشأن جودة الخدمات القضائية وسرعة الحصول عليها. وقد أبرزت الممارسة أن تعقيد الإجراءات وتكرار التنقلات وبطء التبليغ وصعوبة تتبع الملفات أعباء تؤثر في قدرة الأفراد على حماية حقوقهم. فصاحب الحق يحتاج، إلى جانب حكم ينصفه، إلى مسار قضائي مفهوم يستطيع الولوج إليه ومتابعته، وإلى إجراءات لا تستنزف وقته وموارده دون مبرر.
ويقصد بالتحول الرقمي للعدالة إدماج الوسائل الإلكترونية في تنظيم العمل القضائي وتدبير إجراءاته، بما يشمل الإيداع والتبادل والتبليغ وتتبع القضايا وتنفيذ المقررات، وفق الشروط القانونية المقررة لكل إجراء. وتختلف هذه العملية عن مجرد تصوير الوثائق الورقية، إذ تقتضي إعادة تنظيم تداول المعلومات وتحديد صلاحيات المتدخلين وضبط الآثار القانونية للإجراءات المنجزة إلكترونيا. ولذلك تتوقف قيمتها على ما تحققه للمتقاضي من حماية فعلية، وعلى قدرتها على تحسين سير الخصومة مع صون حقوق الدفاع.
وتكتسي دراسة الموضوع أهمية خاصة في المغرب، حيث أرسى دستور 2011 ضمانات لحماية الحقوق والحريات والولوج إلى القضاء، وكرس في الفصل 120 الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول. كما يربط الفصل 154 تنظيم المرافق العمومية بالمساواة في الولوج وجودة الخدمات والشفافية. وتقتضي هذه المرجعية أن يخضع تحديث المحاكم لتقييم قانوني واجتماعي يراعي أوضاع المرتفقين، ويجعل النجاعة القضائية متصلة بالإنصاف واحترام الضمانات الإجرائية.
وقد تعزز التأطير التشريعي لهذا المسار بالمادة 25 من القانون رقم 38.15 المتعلق بالتنظيم القضائي، ثم بالقانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، المنشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 23 فبراير 2026، والذي أصبح نافذا في 24 غشت 2026. وخصص هذا الأخير قسما لرقمنة المساطر والإجراءات القضائية، من المادة 623 إلى المادة 639. غير أن نفاذ القانون يظل متميزا عن مستوى التفعيل التقني لخدماته؛ فبعض الكيفيات أحيل تحديدها إلى نصوص تنظيمية، ويقتضي تطبيقها تجهيزا وتأهيلا وتنسيقا بين الجهات المعنية.
وتبرز أهمية الموضوع العلمية في بحث العلاقة بين فعالية الإجراءات وضمانات المحاكمة العادلة، بينما تتجلى أهميته العملية في أثر الرقمنة على المتقاضي والقاضي وكتابة الضبط ومهنيي العدالة.

ومن هنا تثار الإشكالية الآتية: إلى أي حد يسهم التحول الرقمي للعدالة في تكريس الحق في محاكمة عادلة داخل أجل معقول، وما الضمانات وشروط الحكامة اللازمة حتى يتحقق هذا الإسهام دون الإخلال بالمساواة وحقوق الدفاع؟

ولمعالجة هذه الإشكالية، يعتمد المقال مقاربة تحليلية للنصوص القانونية، تستحضر إكراهات الممارسة وتستأنس بالدراسات العلمية المرتبطة بالموضوع، وذلك من خلال مبحثين: المبحث الأول لإسهام الرقمنة في جودة العدالة وفعاليتها، والمبحث الثاني لضمانات التحول الرقمي ورهانات تنفيذه.

المبحث الأول: إسهام الرقمنة في جودة العدالة وفعاليتها

تتيح الرقمنة معالجة جانب من الصعوبات التي تواجه المتقاضي في الوصول إلى المحكمة ومتابعة دعواه، كما توفر للقاضي وباقي المتدخلين وسائل لتنظيم العمل واستثمار المعلومات. غير أن تقييم إسهامها يستلزم الجمع بين تيسير الخدمة وتحسين مضمون العمل القضائي. وعلى هذا الأساس، يعالج هذا المبحث الرقمنة مدخلا للولوج إلى القضاء في المطلب الأول، ثم دورها في دعم جودة القرار القضائي في المطلب الثاني.

المطلب الأول: الرقمنة مدخل للولوج إلى القضاء

يتحقق الولوج إلى القضاء عندما يستطيع صاحب الحق مباشرة دعواه ومتابعتها دون أعباء غير مبررة، والحصول على الحماية القضائية في الوقت المناسب. وتسهم الرقمنة في ذلك من خلال تقريب الخدمة وتبسيط الإجراءات، وهو موضوع الفرع الأول، ومن خلال تحسين تدبير الزمن القضائي بما يخدم الأجل المعقول، وهو موضوع الفرع الثاني.

الفرع الأول: تقريب الخدمة القضائية وتبسيط الإجراءات

يرتبط تقريب الخدمة القضائية بقدرة المرتفق على إنجاز الإجراء والحصول على المعلومة بطريقة واضحة ومأمونة. وتتجلى مساهمة الرقمنة في هذا الجانب عبر الخدمات المقدمة عن بعد وتيسير الإيداع والتتبع في الفقرة الأولى، وعبر تخفيف كلفة التقاضي وتجاوز أثر البعد الجغرافي في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: الخدمات القضائية عن بعد وتيسير الإيداع والتتبع

تتيح الخدمات القضائية الرقمية إنجاز عدد من الإجراءات ومتابعة مآلها دون تكرار الحضور إلى المحكمة. وقد نظمت المادة 628 من القانون رقم 58.25 إيداع المقالات والطلبات والطعون وأداء الرسوم والمصاريف عبر المنصة الإلكترونية وفق كيفيات تحدد بنص تنظيمي، مع توصل المودع فور كل عملية بوصل يتضمن تاريخ الإجراء وساعته. وتكمن أهمية هذا الوصل في إثبات إنجاز الإجراء داخل أجله؛ فالمحامي الذي يرفع مقال استئناف يحتاج إلى وثيقة تثبت حصول الإيداع، لا إلى إشعار تقني يفيد بدء تحميل الملف فقط.
ويساعد التتبع عن بعد على معرفة تاريخ الجلسة والإجراءات المتخذة ووضعية القضية، فيخفف الزيارات المخصصة للاستفسار عن معلومة إدارية. وتدعم المادة 630 هذا المسار بإقرار تضمين نتائج الجلسات والإجراءات والمقررات في النظام المعلوماتي. كما تعفي المادة 631 مودع الوثائق إلكترونياً من تقديم نسخ بعدد الأطراف، مع بقاء حق المحكمة في طلب الأصول عند الاقتضاء. وهكذا يتصل تبسيط الإجراء بضمان إمكانية التحقق من الوثيقة وسلامة تداولها.

الفقرة الثانية: خفض الكلفة وتجاوز البعد الجغرافي

تشمل كلفة التقاضي، إلى جانب الرسوم والمصاريف القانونية، نفقات التنقل وفقدان ساعات العمل وتكرار الزيارات إلى المحكمة. وقد يجد أجير يقيم بعيداً عن مقرها نفسه مضطراً إلى التغيب لمجرد الاطلاع على موعد جلسة أو الاستفسار عن وثيقة. وتتيح الخدمات الرقمية، متى كانت قابلة للاستعمال، تخفيف هذه الأعباء وتوسيع الاستفادة من الخدمة القضائية. ومع ذلك، فإن إنجاز الإجراء إلكترونياً لا يعني إعفاءه من الرسوم المستحقة قانوناً.
ولا يكتمل هذا الأثر إذا أصبح استعمال المنصة يتطلب تجهيزات مكلفة أو وساطة تقنية يضطر المرتفق إلى دفع مقابلها. لذلك يلزم تصميم خدمات بسيطة وإرشادات واضحة ومساعدة ملائمة لمن يحتاجها، مع مراعاة أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة وضعف الاتصال في بعض المناطق. فخفض الكلفة ينبغي أن يقاس بما يتحمله المتقاضي فعلاً منذ شروعه في الإجراء إلى إتمامه، حتى لا تنتقل الأعباء من التنقل إلى صعوبة الاستعمال الرقمي.

الفرع الثاني: الرقمنة وتحقيق الأجل المعقول

يستدعي الأجل المعقول تنظيم مراحل الخصومة بما يسمح بإصدار الحكم في وقت يتناسب مع طبيعة النزاع، كما تقتضي فعالية الحماية القضائية متابعة تنفيذه. ويبحث هذا الفرع دور التدبير الرقمي للملفات وتبادل المعطيات في تسريع الإجراءات في الفقرة الأولى، ثم أثر رقمنة التبليغ والتنفيذ في الحد من التأخير في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: تدبير الملفات وتبادل المعطيات وتسريع الإجراءات

يساعد التدبير الرقمي على تنظيم الوثائق وضبط تواريخ الإيداع وتحديد الإجراءات المنتظرة، ويقلل تكرار إدخال المعلومات والبحث اليدوي عنها. ففي دعوى تجارية يتبادل أطرافها المذكرات، يتيح الملف الإلكتروني تحديد ما أودع وما أتيح للطرف الآخر، بما يساعد القاضي على تجهيز القضية وتفادي تأجيلها بسبب نقص إداري قابل للتدارك. وتؤطر المادة 630 تبادل المذكرات والمستنتجات عبر النظام المعلوماتي تحت إشراف القاضي المختص بتجهيز الملف.
وتلتقي هذه الإمكانات مع التزام القاضي بإصدار حكمه داخل أجل معقول بموجب المادة 5، ومع الفصل 120 من الدستور. غير أن معقولية الأجل تراعى فيها صعوبة القضية وسلوك الأطراف وطبيعة الإجراءات اللازمة للبت. فالرقمنة تستطيع تقليص فترات الانتظار غير المبرر، لكنها لا تسوغ تقليص مهلة الدفاع إلى حد يعوق إعداد الجواب. كما أن توفير البيانات يساعد المسؤول القضائي على معرفة أسباب التأخير واتخاذ التدبير المناسب، دون الاقتصار على احتساب عدد الملفات المنجزة.

الفقرة الثانية: التبليغ والتنفيذ الإلكترونيان ومحاربة بطء العدالة

يؤثر التبليغ في تقدم الدعوى وفي سريان بعض الآجال. وقد نظمت المادة 629 توجيه الاستدعاءات إلكترونياً مع مراعاة المادتين 626 و627، وأقرت صدور إشعار بالتوصل عند توجيه التبليغ إلى الحساب المهني وإشعار المعني برسالة نصية. ولذلك تحدد صحة التبليغ وفق شروطه القانونية، ولا يشترط دائماً إثبات قراءة صاحبه الفعلية للرسالة. كما تراعي المادة 633 موافقة المحامي عند تبليغ المقررات القضائية من خلال حسابه المهني. وتقتضي الحماية الإجرائية التحقق من احترام هذه الشروط وإتاحة مناقشة الاختلال الذي يثار بشأنها.
وتوفر المادة 634 إطاراً لتدبير إجراءات تبليغ المقررات وتنفيذها عبر النظام المعلوماتي، وتبادل نتائجها مع المفوض القضائي، تحت إشراف قاضي التنفيذ. كما تحد المادة 635 من تكرار إدراج بيانات التنفيذ. وتساعد هذه الآليات طالب التنفيذ على معرفة الإجراء المنجز وموطن التعثر. غير أن رقمنة تدبير التنفيذ لا تجعل الحجز أو البيع إجراءً آلياً؛ إذ تبقى خاضعة لشروطها القانونية وضمانات المنفذ عليه وحقوق الأغيار.

المطلب الثاني: الرقمنة كضمان لجودة القرار القضائي

تتوقف جودة القرار القضائي على سلامة الوقائع المعروضة ووضوح المسار الإجرائي وحسن تطبيق القانون. ويمكن للرقمنة دعم هذه العناصر إذا نظمت المعلومة وأتاحت التحقق منها. لذلك يتناول هذا المطلب التتبع والشفافية وتوحيد المعلومة في الفرع الأول، ثم التأصيل الدستوري والتشريعي الذي يحدد وظيفة الرقمنة وحدودها في الفرع الثاني.

الفرع الأول: التتبع والشفافية وتوحيد المعلومة

يحتاج القاضي والأطراف إلى ملف منظم يبين الإجراءات المتخذة، وإلى معرفة قانونية موثوقة تساعد على بناء الحكم والدفوع. ويعالج هذا الفرع قابلية تتبع الإجراءات والحد من ضياع الوثائق والتلاعب بها في الفقرة الأولى، ثم دور قواعد البيانات والاجتهاد القضائي في تعزيز الأمن القانوني في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: قابلية التتبع ومحاربة الضياع والتلاعب

تعني قابلية التتبع الاحتفاظ بسجل يوضح الجهة التي أنجزت الإجراء وتاريخه ومضمونه وعلاقته بالملف. وتسمح هذه الخاصية بالتحقق، مثلاً، من تاريخ إيداع مذكرة أو إدراج محضر تبليغ، وتساعد على تحديد سبب اختلاف البيانات عند المنازعة. وبذلك يستطيع المتقاضي إثبات ما قام به، ويستطيع المسؤول المختص مراقبة سلامة التدبير وتدارك الأخطاء.
وتقلل الأرشفة الرقمية المنظمة مخاطر تلف الوثائق أو سوء ترتيبها، لكنها تحتاج إلى ضوابط تحدد صلاحيات الولوج والتعديل وتحفظ أثر كل تغيير. وقد دعمت المادة 637 التحقق من صدقية النسخ المستخرجة من النظام المعلوماتي بإلزام تضمينها مراجع حفظها. ومع ذلك، فإن سلامة السجل الرقمي تظل مرتبطة بأمن النظام وإمكان مراجعة عملياته؛ فلا يكفي وجود أثر إلكتروني للقول إنه محصن من الخطأ أو التغيير غير المشروع.

الفقرة الثانية: قواعد البيانات والاجتهاد القضائي والأمن القانوني

تيسر قواعد البيانات الاطلاع على النصوص القانونية المحينة والاجتهادات القضائية، وتساعد على استحضار الحلول المعتمدة في منازعات متشابهة. ويؤدي ذلك إلى تحسين التعليل وتعزيز قدرة الأطراف على توقع المسار القانوني لنزاعهم. غير أن الاطلاع على الاجتهاد لا يحول الحكم إلى نتيجة جاهزة؛ فالقاضي يظل مطالباً بفحص وقائع النازلة وتمييزها عن الوقائع التي صدرت بشأنها القرارات السابقة، وبتعليل اختياره في حدود القانون.
ويستفيد الدفاع والباحثون من نشر الاجتهاد وتصنيفه، خصوصاً عندما تكون قاعدة البحث متاحة ومنتظمة ومحينة. وتؤكد دراسة فاطمة اليعقوبي أهمية ربط رقمنة الإجراءات بمدى جاهزية المحاكم واحترام الضمانات الدستورية، وهو ما يبرز ضرورة بناء منظومة منسجمة للمعلومة القضائية. كما ينبغي التحقق من صحة النتائج التي تنتجها أدوات البحث الآلي، وحماية المعطيات الشخصية عند النشر، حتى تدعم المعرفة المتاحة جودة القرار دون أن تقود إلى تداول أحكام مبتورة أو معلومات غير دقيقة.

الفرع الثاني: التأصيل الدستوري والتشريعي

تستمد الرقمنة مشروعيتها من خدمتها للحقوق، وتحتاج في تطبيقها إلى نصوص تضبط حجية الإجراءات واختصاص المتدخلين. ولتوضيح هذا التأصيل، تعرض الفقرة الأولى دلالة الفصول 117 إلى 120 و154 من الدستور، بينما تتناول الفقرة الثانية القانونين 38.15 و58.25 ودخول الأخير حيز التنفيذ.

الفقرة الأولى: الفصول 117 إلى 120 و154 من الدستور

يسند الفصل 117 إلى القاضي حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي، ويضمن الفصل 118 حق التقاضي. ويكرس الفصل 119 قرينة البراءة في نطاق الاتهام الجنائي، بينما يقرر الفصل 120 حق كل شخص في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، ويضمن حقوق الدفاع أمام جميع المحاكم. وتؤطر هذه الضمانات استعمال التكنولوجيا، وتلزم بإخضاع آثارها الإجرائية للحقوق التي يحميها الدستور.
أما الفصل 154 فيؤطر المرافق العمومية بالمساواة في الولوج والإنصاف في تغطية التراب الوطني والاستمرارية، وبمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة. ويستفاد من ذلك أن الخدمة القضائية الرقمية تقيم بمدى إتاحتها واستقرارها ووضوح المسؤولية عن تدبيرها. ويكمل هذا الأساس الفصلان 125 و126 بشأن تعليل الأحكام وإلزاميتها والمساعدة على تنفيذها؛ إذ يظل الهدف من تحسين تداول المعلومة تمكين القضاء من حماية الحقوق بحكم معلل وقابل لإنتاج أثره القانوني.

الفقرة الثانية: القانونان 38.15 و58.25 ودخول الأخير حيز التنفيذ

تنص المادة 25 من القانون رقم 38.15 على اعتماد المحاكم الإدارة الإلكترونية للإجراءات والمساطر القضائية، وفق برامج تضعها وتنفذها السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، بتنسيق وثيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، كل فيما يخصه. ويظهر من هذا المقتضى أن التحديث الرقمي يقوم على تنسيق مؤسساتي يحترم اختصاص كل جهة، وأن تطوير الأدوات الإدارية للمحاكم يحتاج إلى مواكبة قانونية تضبط الآثار الإجرائية لاستعمالها.
وقد جاء القانون رقم 58.25، المنفذ بالظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، بتأطير أكثر تفصيلاً، ولا سيما في مواده 623 إلى 639. وتقرر المادة 643 نفاذه بعد ستة أشهر من نشره، مع أحكام انتقالية تخص الاختصاص بالنسبة للقضايا الجاهزة للحكم، والآجال التي بدأ سريانها، وطرق الطعن في الأحكام السابقة. ويجب مراعاة هذه الأحكام عند التطبيق، مع التمييز بين قواعد النفاذ ومتطلبات تشغيل الخدمات الرقمية، وبين المقتضيات المدنية والنصوص الخاصة بالإجراءات الجنائية.

المبحث الثاني: ضمانات التحول الرقمي ورهانات تنفيذه

يرتبط نجاح الرقمنة بقدرتها على حماية المتقاضي في مختلف مراحل الدعوى، وبوجود تنظيم مؤسساتي وتقني يضمن استمرار الخدمة وسلامة إجراءاتها. ولذلك يتناول هذا المبحث حماية حقوق المتقاضين في البيئة الرقمية في المطلب الأول، ثم شروط حكامة العدالة الرقمية في المطلب الثاني، باعتبارهما عنصرين متكاملين في تحقيق النجاعة القضائية.

المطلب الأول: حماية حقوق المتقاضين في البيئة الرقمية

تثير مباشرة الإجراءات إلكترونياً صعوبات ترتبط بتفاوت القدرة على استعمال الوسائل الرقمية وبكيفية إثبات الإيداع والتبليغ، كما تطرح مخاطر تخص سرية المعلومات وسلامة الأنظمة. ويخصص الفرع الأول للمساواة والوجاهية وحقوق الدفاع، بينما يبحث الفرع الثاني حماية المعطيات والأمن السيبراني.

الفرع الأول: المساواة والوجاهية وحقوق الدفاع

تقتضي عدالة الخصومة أن يستطيع كل طرف الوصول إلى الإجراء والاطلاع على ما قدم ضده والرد عليه في ظروف مناسبة. ويتناول هذا الفرع أثر الفجوة الرقمية وخطر الإقصاء في الفقرة الأولى، ثم ضمانات الهوية الرقمية والتوصل وحق المناقشة في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: الفجوة الرقمية وخطر الإقصاء

تتمثل الفجوة الرقمية في تفاوت امتلاك الأجهزة والاتصال والمعرفة اللازمة لاستعمال المنصات. فقد تتوافر الخدمة لشخص متمكن منها، بينما يعجز آخر عن إتمام الإجراء رغم امتلاكه حقاً يحتاج إلى الحماية. ويتفاقم هذا التفاوت بالنسبة لبعض كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة وسكان المناطق ضعيفة الاتصال. وتبين دراسة حسناء بنسكسال أثر الإكراهات التقنية والبشرية في تنزيل الرقمنة، وما يمكن أن ينشأ عنها من تفاوت في الاستفادة من خدمات العدالة.
ويقتضي التحليل القانوني التمييز بين المادة 626، التي تلزم أشخاص القانون العام بالإدلاء ببياناتهم الإلكترونية، والمادة 627، التي تتيح لأشخاص القانون الخاص الإدلاء بها مع التصريح بقبول التبليغ. فلا يصح افتراض إلزام جميع المتقاضين على نحو واحد. وفي المقابل، لا يعفي الطابع الاختياري لبعض الإجراءات من توفير المساعدة والتصميم الملائم، حتى يستطيع المرتفق اختيار المسار الرقمي عن معرفة وقدرة، ويتحقق مبدأ المساواة بصورة عملية.

الفقرة الثانية: الهوية الرقمية والتوصل الفعلي وحق المناقشة

تقتضي نسبة الإجراء إلى صاحبه التحقق من هوية المستعمل وصفته وصلاحية حسابه، خصوصاً عند الإيداع والتوقيع والتبليغ. وقد نظمت المادة 625 الحسابات المهنية، بينما ربطت المادة 627 اعتماد بيانات أشخاص القانون الخاص بالتصريح بقبول التبليغ، وألزمت المعني بالإشعار بتغييرها عبر المنصة حتى يعتد به. ولذلك ينبغي توعية المستعمل بآثار تسجيل بياناته وتغييرها، وتأمين الحسابات من الاستعمال غير المأذون، مع الفصل بين التوصل القانوني والعلم الفعلي الذي قد ينازع فيه الطرف.
وتبقى الوجاهية، أي تمكين كل طرف من الاطلاع على أدلة خصمه ومناقشتها، أساساً للعمل القضائي. وتلزم المادة 6 باستدعاء الأطراف قانوناً وتمكينهم من الدفاع، وبعرض الأسباب والأدلة داخل أجل مناسب تحدده المحكمة. فإذا أودع طرف وثيقة مؤثرة قبيل حجز الملف للمداولة، تعين على المحكمة التحقق من إتاحتها ومناقشتها قبل اعتمادها. كما تسند المادة 10 مواجهة استعمال المسطرة بسوء نية، ومن ذلك التعمد في إرباك الخصم بالإيداعات المتأخرة أو المتكررة بحسب ظروف النازلة.

الفرع الثاني: حماية المعطيات والأمن السيبراني

تجمع الملفات القضائية معلومات قد يمس تداولها غير المشروع الحياة الخاصة أو المصالح الاقتصادية للأطراف، كما قد يؤدي تعطل الأنظمة إلى الإضرار بممارسة الحقوق الإجرائية. ولهذا تعالج الفقرة الأولى السرية والمعطيات الشخصية، بينما تبحث الفقرة الثانية سلامة الأنظمة واستمرارية المرفق وحجية الأثر الرقمي.

الفقرة الأولى: السرية والمعطيات الشخصية

تتضمن القضايا بيانات تتعلق بالهوية والصحة والمعاملات المالية والأسرار المهنية، ويزيد حفظها رقمياً من إمكان تداولها على نطاق واسع. وتستند حمايتها إلى الفصل 24 من الدستور والقانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، مع مراعاة مجال تطبيقه والقواعد الخاصة بالمعالجة القضائية. ويقتضي ذلك تحديد غرض المعالجة وحصر البيانات فيما يلزم له، وضبط الولوج والحفظ وفق المتطلبات القانونية، واحترام السر المهني.
كما يجب التمييز بين علنية الجلسات والنطق بالأحكام وفق القانون، وبين إتاحة جميع وثائق الملف وبيانات أطرافه للعموم. فنشر الاجتهاد لأغراض المعرفة القانونية يمكن أن يقترن بإخفاء ما يسمح بالتعرف على الأشخاص عندما تستدعي حماية حقوقهم ذلك. ويجب تنظيم الولوج بحسب صفة المستعمل ومصلحته، حتى يتمكن صاحب الحق من الوثائق اللازمة لدفاعه، مع منع الاطلاع غير المبرر أو إعادة استعمال البيانات في أغراض لا صلة لها بالقضية.

الفقرة الثانية: سلامة الأنظمة واستمرارية المرفق وحجية الأثر الرقمي

يتطلب الأمن السيبراني حماية الأنظمة من الولوج غير المشروع والتغيير وفقدان المعلومات، وتوفير نسخ احتياطية وخطط لاستمرار الخدمة. ويشكل القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني مرجعاً لهذا الجانب وفق مجال تطبيقه. أما حجية الوثيقة والإجراء فتقتضي التحقق من المصدر وسلامة الحفظ والتوقيع عند اشتراطه، في ضوء تشريع المعاملات الإلكترونية، ومنه القانون رقم 43.20 المتعلق بخدمات الثقة. ولا تمنح رقمنة صورة وثيقة حجية الأصل بصورة آلية، وهو ما يفسر احتفاظ المادة 631 بإمكان طلب أصول الوثائق.
وقد نظم المشرع أثر تعطل المنصة في المادة 639: إذا تعذر الولوج إليها في اليوم الأخير من الأجل القانوني، امتد الأجل إلى أول يوم يلي استئناف خدماتها بصورة عادية، وتنشر الإدارة المختصة بلاغاً يثبت العطب ومدته. وتحيل المادة ذاتها إلى الفقرة الأخيرة من المادة 602 التي تنظم استمرار احتساب الأجل الإلكتروني إلى منتصف ليل اليوم الأخير. وهذه ضمانة مقررة قانوناً، وليست مجرد اقتراح، ويجب تمييز عطب المنصة عن صعوبة اتصال تخص جهاز المستعمل وحده.

المطلب الثاني: شروط حكامة العدالة الرقمية

تحتاج حماية الحقوق المقررة في النصوص إلى مؤسسات وموارد ومعايير تجعلها قابلة للتطبيق. فالحكامة تحدد طريقة تنظيم الرقمنة ومتابعة نتائجها وتدارك أعطابها. ويتناول هذا المطلب البنية والموارد والتنسيق في الفرع الأول، ثم مقتضيات جعل الرقمنة متمحورة حول الإنسان في الفرع الثاني.

الفرع الأول: البنية والموارد والتنسيق

تؤثر جودة الشبكات والتجهيزات وتأهيل المستعملين وتنسيق المتدخلين في سلامة الإجراء القضائي. ويبحث هذا الفرع الاستثمار والتكوين والتشغيل البيني في الفقرة الأولى، ثم توحيد المعايير وتحديد مسؤولية المتدخلين في الفقرة الثانية، باعتبارها شروطاً لاستقرار العمل الرقمي.

الفقرة الأولى: الاستثمار والتكوين والتشغيل البيني

تتطلب الرقمنة استثماراً مستمراً في التجهيز والصيانة والأرشفة والحماية، وتكويناً يناسب مهام القضاة وموظفي كتابة الضبط ومهنيي العدالة. ويجب أن يجمع التكوين بين الاستعمال التقني وفهم الآثار القانونية، لأن الخطأ في الإيداع أو التبليغ قد يؤثر في حقوق الأطراف. كما ينبغي أن يوضح حدود أدوات المساعدة والذكاء الاصطناعي؛ فاقتراح معلومة أو صياغة لا يعفي مستعملها من التحقق، ولا يحل محل سلطة القاضي في تقدير الوقائع وتطبيق القانون وتعليل الحكم.
ويقصد بالتشغيل البيني قدرة الأنظمة على تبادل المعلومات واستعمالها دون إعادة إدخالها كل مرة. فإذا انفصل نظام تسجيل القضايا عن نظام التبليغ أو التنفيذ، بقي جزء من التأخير قائماً رغم رقمنة كل خدمة. وتؤطر المادة 624 تدبير النظام المعلوماتي وقاعدة معطياته من طرف السلطة القضائية بتنسيق مع السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، كل في حدود اختصاصه، مع نظام محكمة النقض. ويجب أن يراعي الربط بين الأنظمة صلاحيات الولوج وحماية المعلومات التي لا تحتاج الجهة المتلقية إليها.

الفقرة الثانية: توحيد المعايير ومسؤولية المتدخلين

يساعد توحيد معايير الإيداع والتوقيع والتبادل والأرشفة على استقرار الممارسة وتقليل المنازعات الشكلية. ويحتاج المستعمل إلى معرفة صيغ الوثائق المقبولة وكيفية الحصول على الوصل والتصرف عند تعذر الإجراء، وإلى قواعد معلنة تطبق بصورة منسجمة بين المحاكم. ويزداد هذا الأمر أهمية بالنسبة للكيفيات التي أحال القانون تحديدها إلى نصوص تنظيمية، ومنها الإيداع والأداء الإلكترونيان والمشاركة عن بعد في البيع بالمزاد العلني.
كما تقتضي الحكامة تحديد مسؤولية الجهات المشرفة على النظام والمكلفين بتدبيره والمستعملين ومقدمي الخدمات التقنية عند الاقتضاء. فإذا لم تدرج وثيقة مودعة في الملف، وجب الرجوع إلى سجلات العملية لمعرفة سبب الخلل والجهة المختصة بتداركه، دون تحميل المتقاضي نتيجة عطب خارج عن إرادته. وتظل المسؤولية خاضعة لطبيعة الخطأ والضرر والرابطة بينهما وللقواعد القانونية الواجبة التطبيق، مع مراعاة اختصاص كل جهة واستقلال العمل القضائي.

الفرع الثاني: رقمنة متمحورة حول الإنسان

تظهر القيمة العملية للرقمنة في قدرة الإنسان على استعمالها والحصول بواسطتها على حماية حقوقه. ولهذا يتناول الفرع البديل الحضوري والمساعدة الرقمية في الفقرة الأولى، ثم التقييم المستمر وربط الرقمنة بجودة الحكم والخدمة القضائية في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: البديل الحضوري والمساعدة الرقمية

يسمح الجمع المنضبط بين الوسائل الرقمية والحضورية بمراعاة اختلاف قدرات المتقاضين وطبيعة الإجراءات. وتعتد المادة 631 بالوثائق المودعة إلكترونياً أو ورقياً، كما تتيح المادة 636 المشاركة في البيع بالمزاد العلني حضورياً أو عن بعد وفق شروط تنظيمية. وتبرز دراسة حسناء بنسكسال أهمية هذا التوجه في مراعاة الفوارق الرقمية. ومع ذلك، فإن اختيار طريقة مباشرة إجراء معين يرجع إلى النص المنظم له؛ فلا يستفاد من هذه المقتضيات وجود حق مطلق في استبدال كل إجراء إلكتروني بإجراء حضوري.
ويمكن أن تتخذ المساعدة صورة شباك للإرشاد أو دعم تقني داخل المحكمة أو تعليمات مبسطة تشرح خطوات الإيداع والتتبع. وينبغي توفير ترتيبات تلائم الأشخاص ذوي الإعاقة، وتمكين المستعمل من فهم ما يترتب على الإجراء الذي ينجزه. وتبقى المساعدة التقنية محددة في وظيفتها؛ فإرشاد المرتفق إلى طريقة رفع وثيقته لا يمنح الموظف صلاحية اختيار طلباته أو توجيه دفاعه، وهي حدود تحمي حياد المرفق وحقوق الطرف الآخر.

الفقرة الثانية: التقييم المستمر وربط الرقمنة بجودة الحكم لا بسرعة الأرقام فقط

يتطلب التقييم قياس مدة معالجة القضايا وأسباب تأجيلها وفعالية التبليغ والتنفيذ، إلى جانب سهولة استعمال الخدمات وعدد الأعطاب والشكايات وأثرها على حقوق الدفاع. فقد يرتفع عدد الإيداعات الإلكترونية دون أن تنخفض مدة النزاع، وقد يقل الحضور إلى المحكمة مع استمرار صعوبة الحصول على المعلومة. ولذلك ينبغي استثمار المؤشرات في تحديد مواضع الخلل وتحسين الخدمة، مع الاستماع إلى المتقاضين ومهنيي العدالة والعاملين بالمحاكم.
وترتبط جودة الحكم بحسن فهم الوقائع والتعليل واحترام حدود طلبات الأطراف، وفق المادة 13، وبتمكين كل طرف من عرض دفاعه. كما تتيح المادتان 8 و9 الصلح والوساطة وفق شروطهما، ويمكن للوسائل الرقمية أن تسهل التواصل بشأنهما دون تجاوز إرادة الأطراف أو ضماناتهم. ويظل التقييم مجدياً عندما يبين ما إذا كان التحديث قد أفضى إلى حماية قضائية أوضح وأكثر فعالية، وإلى عمل يسمح للقاضي وكتابة الضبط بأداء مهامهما على نحو سليم.

خاتمة

يتبين من تحليل الموضوع أن التحول الرقمي يوفر إمكانات لتحسين الولوج إلى القضاء وتخفيف أعباء التقاضي وتنظيم تداول الملفات، كما يساعد على ضبط الإجراءات وتسريع التبليغ وتتبع التنفيذ. وتستمد هذه الإمكانات معناها القانوني من اتصالها بالحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، ومن إسهامها في تمكين الأطراف من المعرفة والمناقشة والدفاع.
وقد عزز القانون رقم 58.25 هذا المسار بتنظيم جوانب الإيداع والتبادل والتبليغ والتنفيذ الإلكتروني، وإقرار ضمانات تخص الوصل الرقمي والوثائق والآجال عند تعطل المنصة، إلى جانب الأساس المؤسساتي الذي تقرره المادة 25 من قانون التنظيم القضائي. غير أن وجود هذا التأطير لا يكفي لإثبات تحقق النجاعة في الممارسة؛ فذلك يظل مرتبطاً بجاهزية الأنظمة وحسن تنزيل النصوص واحترام اختصاص المتدخلين.
وتخلص الدراسة إلى أن الأولوية العملية تتمثل في استكمال شروط التشغيل المأمون، وتوحيد الكيفيات المقررة قانوناً، وتأهيل الموارد البشرية، وتوفير مساعدة تراعي الفوارق بين المرتفقين. كما تقتضي حماية الحقوق توثيق الأعطاب وإعلانها، وصون سرية البيانات، والتحقق من صحة التبليغ، وإتاحة وقت مناسب لمناقشة الحجج. وينبغي أن يقترن ذلك بتقييم دوري يربط سرعة الإجراء بجودة الحكم وفعالية تنفيذه.
وعلى هذا الأساس، يتحدد نجاح العدالة الرقمية بما تحدثه في تجربة المتقاضي وفي سلامة العمل القضائي: قدرة أوضح على مباشرة الدعوى ومتابعتها، وضمانات محفوظة أثناء نظرها، وحكم معلل يمكن تنفيذ مقتضاه. وكلما اقتربت الرقمنة من هذه النتائج، أصبحت أداة عملية لتكريس الحماية القضائية التي يقررها الدستور.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق