الجرائم وأنواعها في ضوء القانون الجنائي المغربي

تصنيف الجرائم بالمغرب: من التقسيم الثلاثي إلى الجرائم المستحدثة

تصميم بصري عن الجرائم في المغرب يظهر تمثال العدالة والعلم المغربي وميزانًا ومطرقة وكتب قانونية، مع عناصر ترمز للإرهاب والجرائم الإلكترونية والشرطة وكاميرا مراقبة، وعنوان: “Types of Crimes in Morocco”.

مقدمة

 

ينص الفصل الأول من مجموعة القانون الجنائي المغربي على أنه:

“يحدد التشريع الجنائي أفعال الإنسان التي يعدها جرائم، بسبب ما تحدثه من اضطراب اجتماعي، ويوجب زجر مرتكبيها بعقوبات أو تدابير وقائية.”

يتبين من هذا النص التأسيسي أن الجريمة تشكل المفهوم المركزي الذي ينبني عليه القانون الجنائي بأسره، إذ تمثل الفعل الذي يُخل بالنظام الاجتماعي ويستوجب تدخل الدولة بسلطتها العقابية. ولما كانت الأفعال الإجرامية تتفاوت في خطورتها وطبيعتها والأضرار التي تلحقها بالمجتمع والأفراد، فقد حرصت مختلف التشريعات الجنائية الحديثة على وضع تصنيفات دقيقة لها، تمكن من ترتيب الاستجابة العقابية بما يتناسب مع جسامة كل فعل.

ويكتسي موضوع “الجرائم وأنواعها” أهمية بالغة على المستويين النظري والعملي، فهو من جهة يشكل مدخلاً أساسياً لفهم البنيان العام للقانون الجنائي، ومن جهة أخرى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالممارسة القضائية اليومية، خاصة بالنسبة للملحقين القضائيين الذين يستعدون لتحمل مسؤولية تطبيق القانون وتحقيق العدالة.

وقد اعتمد المشرع المغربي، منذ صدور مجموعة القانون الجنائي بموجب الظهير الشريف رقم 1.59.413 بتاريخ 26 نونبر 1962، تقسيماً ثلاثياً للجرائم يستند إلى معيار جسامة العقوبة المقررة قانوناً، وهو التقسيم الذي يشكل حجر الزاوية في بنيان المنظومة الجنائية.

 

غير أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة التي عرفها المغرب، لا سيما في العقدين الأخيرين، أفرزت أنماطاً إجرامية مستحدثة فرضت على المشرع تدخلات متعاقبة لتكييف المنظومة الجنائية مع هذه المستجدات.

 

ويتجلى ذلك في صدور قوانين خاصة كالقانون رقم 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، والقانون رقم 07.03 المتعلق بالجرائم الإلكترونية، والقانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، فضلاً عن القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2024، والقانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم قانون المسطرة الجنائية الذي دخل حيز التنفيذ في 8 شتنبر 2025.

 

هذا الوضع يطرح إشكالية محورية تتمثل في التساؤل التالي: إلى أي حد نجح المشرع المغربي في إرساء تصنيف شامل ومتماسك للجرائم يستوعب التقسيمات التقليدية والظواهر الإجرامية المستجدة، وما هي الآثار العملية والقضائية المترتبة عن هذا التصنيف؟

لمقاربة هذه الإشكالية، سنعتمد التصميم المنهجي التالي:

المبحث الأول: الإطار القانوني لتصنيف الجرائم في التشريع المغربي

يقوم بنيان القانون الجنائي المغربي على تصنيف أساسي للجرائم يستند إلى معيار جسامة الفعل والعقوبة المقررة له قانوناً، وهو ما يعرف بالتقسيم الثلاثي

الذي كرسه الفصل 111 من مجموعة القانون الجنائي.

وإلى جانب هذا التصنيف الرئيسي، أقر الفقه الجنائي والتشريع تقسيمات أخرى تساهم في تحليل أعمق لطبيعة الجرائم وخصائصها، مما يعكس ثراء المنظومة الجنائية وتعدد مقارباتها. ويعتبر الأستاذ عبد الواحد العلمي أن “التقسيم الثلاثي يمثل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام الجنائي المغربي بأسره” ، في حين يرى الأستاذ أحمد الخمليشي أن “هذا التقسيم ليس مجرد تصنيف نظري، بل هو أداة عملية تحدد مسار الدعوى العمومية في جميع مراحلها” .

المطلب الأول: التقسيم الثلاثي للجرائم — الأساس والمعيار

يعتبر التقسيم الثلاثي للجرائم إلى جنايات وجنح ومخالفات المعيار الجوهري الذي اعتمده المشرع المغربي لتنظيم المنظومة الجنائية، والذي تترتب عليه آثار قانونية وقضائية بالغة الأهمية تمس مختلف مراحل الدعوى العمومية.

الفقرة الأولى: مبدأ التقسيم الثلاثي ومعيار التمييز بين أنواع الجرائم

كرس المشرع المغربي التقسيم الثلاثي للجرائم في الفصل 111 من مجموعة القانون الجنائي الذي ينص صراحة على أن:

“الجرائم إما جنايات أو جنح تأديبية أو جنح ضبطية أو مخالفات.”

يستند هذا التصنيف إلى معيار موضوعي هو جسامة العقوبة المقررة للجريمة بمقتضى النص القانوني، وليس العقوبة التي يحكم بها القاضي فعلياً في قضية بعينها. وهو ما يعني أن تحديد نوع الجريمة يتم بالرجوع إلى العقوبة الأصلية التي رصدها المشرع لها في النص التجريمي، بصرف النظر عن الظروف المخففة أو المشددة التي قد تؤثر على العقوبة المحكوم بها.

وقد فصّل المشرع هذا التقسيم في الفصول 16 و17 و18 من مجموعة القانون الجنائي على النحو الآتي

:أولاً — الجنايات:

يحدد الفصل 16 العقوبات الجنائية الأصلية التي تميز الجنايات عن غيرها من الجرائم، وتشمل: الإعدام، والسجن المؤبد، والسجن المؤقت من خمس سنوات إلى ثلاثين سنة، والإقامة الإجبارية، والتجريد من الحقوق الوطنية.

وتمثل الجنايات أشد أنواع الجرائم خطورة، وتشمل أفعالاً من قبيل القتل العمد (الفصل 392 ق.ج) الذي يعاقب عليه بالسجن المؤبد، والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد (الفصل 393 ق.ج) المعاقب عليه بالإعدام، والسرقة الموصوفة (الفصل 507 ق.ج)، وجريمة الاختطاف (الفصل 436 ق.ج).

ومن الأمثلة الواقعية البارزة في هذا الصدد، الأحداث الإرهابية التي ضربت مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003 والتي أسفرت عن مقتل 45 شخصاً، وصُنفت كجنايات إرهابية بموجب القانون رقم 03.03، حيث صدرت أحكام بالإعدام والسجن المؤبد في حق عدد من المتورطين.

ثانياً — الجنح:

يحدد الفصل 17 العقوبات الجنحية الأصلية في الحبس الذي يتراوح حده الأدنى بين شهر وخمس سنوات، والغرامة التي تتجاوز 1200 درهم.

وقد ميز المشرع داخل هذه الفئة بين نوعين:

الجنح التأديبية التي تتراوح عقوبتها الحبسية بين سنتين وخمس سنوات،

والجنح الضبطية التي يتراوح حبسها بين شهر وسنتين مع غرامة تزيد عن 1200 درهم.

 

ومن أمثلة الجنح التأديبية:

السرقة البسيطة (الفصل 505 ق.ج) المعاقب عليها بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، وخيانة الأمانة (الفصل 547 ق.ج).

أما الجنح الضبطية فتشمل مثلاً:

الضرب والجرح غير المفضي إلى عاهة (الفصل 400 ق.ج)، والسب العلني (الفصل 44 من قانون الصحافة).

ثالثاً — المخالفات:

يحدد الفصل 18 العقوبات الضبطية الأصلية في الاعتقال لمدة تقل عن شهر والغرامة التي تتراوح بين 30 و1200 درهم.

وتعتبر المخالفات أقل الجرائم خطورة، وتشمل أفعالاً من قبيل مخالفات قواعد السير والجولان، والإزعاج الليلي، ومخالفات النظافة العامة. ورغم بساطتها الظاهرة، فإن المخالفات تشكل الحجم الأكبر من القضايا المعروضة على المحاكم، مما يبرز أهميتها العملية في الحفاظ على النظام العام.

الفقرة الثانية: الآثار القانونية والقضائية المترتبة عن التقسيم الثلاثي

لا يعتبر التقسيم الثلاثي للجرائم مجرد تصنيف نظري أو أكاديمي، بل تترتب عليه نتائج عملية جوهرية تمس مختلف مراحل الدعوى العمومية وتحدد مسارها من بدايتها إلى نهايتها. ويمكن إجمال أبرز هذه الآثار فيما يلي:

على مستوى الاختصاص القضائي:

 

تختص غرف الجنايات بمحاكم الاستئناف بالنظر في الجنايات، وذلك وفقاً للمادة 416 من قانون المسطرة الجنائية، بينما تنظر المحاكم الابتدائية في الجنح والمخالفات طبقاً للمادة 252 من نفس القانون.

وقد أحدث القانون رقم 03.23 الجديد غرفاً جنائية استئنافية لتكريس مبدأ التقاضي على درجتين في الجنايات، وهو ما يمثل تطوراً مهماً في ضمانات المحاكمة العادلة.

على مستوى إجراءات التحقيق:

يكون التحقيق الإعدادي إلزامياً في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو التي يصل حدها الأقصى إلى ثلاثين سنة، واختيارياً في باقي الجنايات وفي الجنح بنص خاص، بينما لا يُجرى في المخالفات (المادة 83 من قانون المسطرة الجنائية).

على مستوى تقادم الدعوى العمومية:

تتقادم الدعوى العمومية في الجنايات بمرور خمس عشرة سنة، وفي الجنح بمرور أربع سنوات، وفي المخالفات بمرور سنة واحدة، وذلك طبقاً للمواد 5 و6 و7 من قانون المسطرة الجنائية.

على مستوى ثبات الوصف القانوني:

أكد المشرع على ثبات التصنيف من خلال الفصل 112 الذي ينص على أنه:

“لا يتغير نوع الجريمة إذا حكم بعقوبة متعلقة بنوع آخر من أنواع الجرائم لسبب من أسباب التخفيف أو لحالة العود.”

غير أن المشرع استثنى من هذه القاعدة حالة ظروف التشديد، حيث ينص الفصل 113 على أن نوع الجريمة يتغير إذا نص القانون على عقوبة متعلقة بنوع آخر بسبب ظرف من ظروف التشديد.

ومن التطبيقات العملية لهذه القاعدة:

تحول جريمة السرقة من جنحة (الفصل 505 ق.ج) إلى جناية إذا اقترنت بظرف الليل أو استعمال السلاح أو التعدد أو التسلق أو الكسر (الفصل 507 ق.ج)، حيث ترتفع العقوبة إلى السجن من خمس إلى عشر سنوات. وكذلك تحول جريمة الضرب والجرح من جنحة (الفصل 400 ق.ج) إلى جناية إذا نتج عنها عاهة مستديمة (الفصل 402 ق.ج) أو وفاة دون نية إحداثها (الفصل 403 ق.ج).

المطلب الثاني: التصنيفات الثانوية للجرائم في الفقه والقانون

إلى جانب التقسيم الثلاثي الذي يشكل الأساس التشريعي، أقر الفقه الجنائي والقانون تصنيفات أخرى تساعد على تحليل الجريمة وفهم طبيعتها من زوايا متعددة، وهي تصنيفات ذات أهمية عملية لا تقل عن التقسيم الرئيسي.

الفقرة الأولى: التصنيف حسب طبيعة الجريمة وشكل النشاط الإجرامي

تصنف الجرائم من حيث طبيعتها إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

 

الجرائم العادية:

وهي التي تمس الحق العام والمصالح الخاصة للأفراد وتخضع للقواعد العامة للقانون الجنائي، كجرائم القتل والسرقة والنصب وخيانة الأمانة والضرب والجرح.

والجرائم السياسية:

وهي التي ترتكب بباعث سياسي وتستهدف النظام السياسي للدولة أو مؤسساتها الدستورية. ولم يضع المشرع المغربي تعريفاً صريحاً للجريمة السياسية، لكنه أشار إليها في عدة نصوص، أبرزها الفصل 26 من القانون الجنائي الذي ينص على أن التجريد من الحقوق الوطنية عندما يكون عقوبة أصلية يحكم به لزجر الجنايات السياسية، وكذا المادة 721 من قانون المسطرة الجنائية التي تمنع تسليم المجرمين إذا كانت الجريمة المطلوب من أجلها التسليم جريمة سياسية أو مرتبطة بجريمة سياسية.

أما الجرائم العسكرية:

فهي التي تمس النظام والانضباط داخل المؤسسة العسكرية، وتخضع لقانون القضاء العسكري الذي يحدد الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة لها والمحكمة المختصة بالنظر فيها، ومن أمثلتها جريمة الفرار من الجندية وجريمة التمرد العسكري وجريمة نبذ الطاعة.

ومن حيث شكل النشاط الإجرامي، تنقسم الجرائم إلى:

 

جرائم إيجابية:

تتمثل في إتيان فعل ينهى عنه القانون، كالقتل (الفصل 392 ق.ج) والسرقة (الفصل 505 ق.ج) والنصب (الفصل 540 ق.ج)،

 

وجرائم سلبية:

(أو جرائم الامتناع) تتمثل في الإحجام عن القيام بفعل يأمر به القانون. ومن أبرز الأمثلة على الجرائم السلبية في القانون المغربي: جريمة عدم تقديم مساعدة لشخص في خطر المنصوص عليها في الفصل 431 من القانون الجنائي الذي يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات كل من أمسك عمداً عن تقديم مساعدة لشخص في خطر ، وكذا جريمة إهمال الأسرة المنصوص عليها في الفصل 479 من القانون الجنائي. كما نميز بين الجرائم البسيطة التي يكتمل ركنها المادي بمجرد وقوع الفعل مرة واحدة، وجرائم الاعتياد التي يتطلب قيامها تكرار الفعل الإجرامي لعدد من المرات، كجريمة ممارسة الطب بدون رخصة بشكل اعتيادي.

الفقرة الثانية: التصنيف حسب العنصر الزمني والركن المادي للجريمة

يلعب العنصر الزمني دوراً محورياً في تصنيف الجرائم وتحديد النظام القانوني المطبق عليها. فمن حيث مدة التنفيذ،

نميز بين الجرائم الفورية (أو الوقتية)

وهي التي تقع وتكتمل في لحظة زمنية محددة غير قابلة للامتداد، كجريمة القتل وجريمة السرقة وجريمة الاغتصاب وجريمة إفشاء السر المهني (الفصل 446 ق.ج).

في المقابل، توجد الجرائم المستمرة

التي يستغرق ركنها المادي فترة من الزمن بإرادة الجاني المتجددة، كجريمة إخفاء أشياء متحصلة من جريمة (الفصول 571 إلى 574 ق.ج)، وجريمة حمل سلاح بدون رخصة، وجريمة حيازة المخدرات. وتكمن الأهمية العملية لهذا التمييز في عدة نقاط أساسية: أولها تحديد بداية سريان تقادم الدعوى العمومية، الذي يبدأ في الجرائم الفورية من يوم ارتكاب الفعل، بينما لا يبدأ في الجرائم المستمرة إلا من اليوم الموالي لانتهاء حالة الاستمرار. وثانيها تحديد القانون الواجب التطبيق من حيث الزمان، إذ يطبق على الجريمة المستمرة القانون الساري وقت انتهاء حالة الاستمرار حتى لو كان أشد من القانون الذي بدأت في ظله.

كما نجد تصنيفاً آخر يرتبط بزمن اكتشاف الجريمة، حيث تميز:

 

المادة 56 من قانون المسطرة الجنائية بين الجريمة المتلبس بها والجريمة غير المتلبس بها.

 

وتتحقق حالة التلبس بجناية أو جنحة في أربع حالات حددتها المادة المذكورة:

 

إذا ضبط الفاعل أثناء ارتكابه الجريمة أو على إثر ارتكابها،

أو إذا كان الفاعل مازال مطارداً بصياح الجمهور، أو إذا وجد بعد مرور وقت قصير حاملاً أسلحة أو أشياء يستدل معها على مشاركته في الفعل الإجرامي، أو إذا ارتكبت الجريمة داخل منزل والتمس مالكه أو ساكنه من النيابة العامة معاينتها.

وتكمن أهمية هذا التمييز في أن حالة التلبس تمنح ضباط الشرطة القضائية سلطات استثنائية واسعة، منها إمكانية وضع المشتبه فيه رهن الحراسة النظرية وإجراء تفتيش المنازل دون إذن مسبق من النيابة العامة في بعض الحالات.

المبحث الثاني: دينامية التصنيف الجنائي في ضوء المستجدات التشريعية والممارسة القضائية

لم تبق منظومة تصنيف الجرائم في القانون الجنائي المغربي جامدة أو حبيسة الإطار التقليدي الذي رسمه ظهير 1962، بل عرفت تطوراً ملحوظاً ومتسارعاً بفعل تدخل المشرع بنصوص خاصة لمواجهة ظواهر إجرامية مستحدثة، وكذا من خلال العمل القضائي الذي اضطلع بدور حيوي في تكييف النصوص مع واقع القضايا المعروضة عليه. وقد أكدت الأستاذ لطيفة المهداتي أن “القانون الجنائي المغربي يعيش مرحلة تحول عميق تتجاوز مجرد التعديلات الجزئية إلى إعادة هيكلة شاملة للمنظومة العقابية”.

المطلب الأول: أثر القوانين الخاصة على التصنيف التقليدي للجرائم

أدت التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي والعالم على المستويات الأمنية والتكنولوجية والاجتماعية إلى ظهور أنماط إجرامية معقدة وعابرة للحدود، مما استدعى من المشرع إصدار قوانين خاصة تكمل وتعدل أحياناً من الإطار العام لمجموعة القانون الجنائي.

الفقرة الأولى: الجرائم الإرهابية وجرائم غسل الأموال — نماذج للجرائم المستحدثة

تعتبر جرائم الإرهاب أبرز مثال على تكييف التشريع الجنائي المغربي مع التهديدات الأمنية الخطيرة التي فرضها السياق الدولي والإقليمي. ففي أعقاب الأحداث الإرهابية المأساوية التي ضربت مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003، حيث نفذ انتحاريون هجمات متزامنة استهدفت خمسة مواقع مختلفة وأسفرت عن مقتل 45 شخصاً من بينهم 12 انتحارياً، سارع المشرع إلى إصدار القانون رقم 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، والذي أضاف فصولاً جديدة (218-1 إلى 218-9) إلى مجموعة القانون الجنائي.

وقد عرف الفصل 1-218 الأفعال الإرهابية بأنها الجرائم المرتبطة عمداً بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف. ولم يكتف هذا القانون بتعريف الجريمة الإرهابية، بل وضع لها نظاماً عقابياً مشدداً يرفع العقوبة المقررة للجريمة الأصلية بدرجة أو أكثر عندما ترتبط بفعل إرهابي، وأقر قواعد مسطرية استثنائية كتمديد مدة الحراسة النظرية وتوسيع صلاحيات التفتيش.

وفي السياق ذاته، جاء القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال ليجرم عمليات تبييض الأموال المتحصلة من مصادر غير مشروعة، وهي جريمة اقتصادية معقدة تتطلب خبرة قانونية ومالية خاصة لإثبات أركانها.

ويعاقب هذا القانون بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 500.000 درهم كل من ارتكب عن علم أحد الأفعال المكونة لجريمة غسل الأموال. وقد أنشأ المشرع وحدة معالجة المعلومات المالية كجهاز متخصص في رصد العمليات المشبوهة، مما يعكس الطابع المؤسساتي لمكافحة هذا النوع من الجرائم. ورغم أن هذه الجرائم تندرج ضمن فئة الجنح من حيث العقوبة المقررة لها، إلا أن طبيعتها العابرة للحدود وتعقيد أساليب ارتكابها جعلت منها فئة ذات خصوصية داخل المنظومة الجنائية.

الفقرة الثانية: الجرائم الإلكترونية وجرائم العنف ضد النساء — استجابة تشريعية لتحديات معاصرة

فرض التطور التكنولوجي المتسارع تحديات غير مسبوقة على المنظومة الجنائية، استجاب لها المشرع المغربي بالقانون رقم 07.03 الذي أتمم مجموعة القانون الجنائي بالفصول المتعلقة بالجرائم الماسة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات (الفصول 607-3 إلى 607-11 ق.ج).

ويعاقب الفصل 607-3 بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبالغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من دخل إلى مجموع أو بعض نظام للمعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال، وتضاعف العقوبة إذا نتج عن ذلك حذف أو تغيير المعطيات المدرجة في النظام.

وتندرج هذه الجرائم في معظمها ضمن فئة الجنح، لكنها استلزمت تعريفاً دقيقاً لأفعال لم تكن معروفة في التشريع التقليدي.

ومن الأمثلة الواقعية على هذه الجرائم: قضايا الاحتيال الإلكتروني والابتزاز عبر الإنترنت التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حيث أشارت تقارير المديرية العامة للأمن الوطني إلى تزايد عدد القضايا المتعلقة بالجرائم الإلكترونية.
وفي سياق اجتماعي وحقوقي مختلف، جاء القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء ، الذي دخل حيز التنفيذ في شتنبر 2018، ليجسد تطور الوعي المجتمعي بضرورة حماية المرأة من مختلف أشكال العنف.

وقد جرم هذا القانون أفعالاً جديدة لم تكن مجرمة من قبل، من أبرزها: التحرش الجنسي في الفضاءات العمومية أو عبر الوسائل الإلكترونية (تعديل الفصل 1-503 ق.ج)، حيث يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم، والإكراه على الزواج، والطرد من بيت الزوجية، وتبديد أو تفويت أموال الأسرة بسوء نية. كما شدد العقوبات على أشكال العنف المختلفة عندما يكون الضحية امرأة أو زوجة. ويعكس هذا القانون توجهاً تشريعياً نحو التخصيص في التجريم، حيث لم يعد المشرع يكتفي بالنصوص العامة بل أصبح يصدر نصوصاً خاصة تراعي خصوصية كل فئة من الضحايا.

المطلب الثاني: تطور المنظومة العقابية وتأثير الاجتهاد القضائي

لم يقتصر التطور على استحداث جرائم جديدة وتوسيع نطاق التجريم، بل شمل أيضاً الفلسفة العقابية ذاتها والممارسة القضائية التي تضطلع بدور حيوي في تفعيل النصوص وتكييفها مع الواقع المتغير.

الفقرة الأولى: العقوبات البديلة وإعادة التفكير في فلسفة العقاب

يمثل صدور القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، بموجب الظهير الشريف رقم 1.24.32 الصادر في 24 يوليو 2024، نقلة نوعية في السياسة الجنائية المغربية وتحولاً عميقاً في فلسفة العقاب.

فقد جاء هذا القانون استجابة لإشكالية الاكتظاظ في المؤسسات السجنية من جهة، ولتطور المقاربة العقابية الحديثة التي تركز على إصلاح الجاني وإعادة إدماجه في المجتمع من جهة أخرى.

وقد حددت المادة 2-35 من هذا القانون أربعة أنواع رئيسية من العقوبات البديلة: العمل لأجل المنفعة العامة الذي يلزم المحكوم عليه بأداء عمل غير مؤدى عنه لفائدة مصلحة عمومية أو جمعية، والمراقبة الإلكترونية عبر سوار إلكتروني، وتقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية، والغرامة اليومية.
ويشترط القانون لتطبيق هذه العقوبات ألا تتجاوز العقوبة الحبسية المحكوم بها خمس سنوات، مع استثناء بعض الجرائم الخطيرة كالجرائم الماسة بأمن الدولة والجرائم العسكرية وجرائم الإرهاب وجرائم غسل الأموال والاتجار بالمخدرات والاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي للقاصرين.

ورغم أن هذا النظام لا يغير من الوصف القانوني للجريمة (تبقى جنحة من حيث التكييف)، إلا أنه يؤثر بعمق على طبيعة الجزاء المطبق فعلياً، مما يفتح نقاشاً فقهياً حول العلاقة بين تصنيف الجريمة وطبيعة العقوبة المنفذة. وقد أصدرت رئاسة النيابة العامة دليلاً استرشادياً لقضاة النيابة العامة حول تنفيذ العقوبات البديلة ، مما يعكس الحرص على التطبيق السليم لهذا المستجد التشريعي.

الفقرة الثانية: دور الاجتهاد القضائي في تكييف وتصنيف الجرائم

يضطلع القضاء المغربي، وعلى رأسه محكمة النقض، بدور أساسي في مواكبة التطور الإجرامي من خلال تفسير النصوص القانونية وتطبيقها على الوقائع المستجدة، مساهماً بذلك في بلورة قواعد قانونية تكمل النص التشريعي وتوضحه.

ففي مجال تكييف الجرائم، أرست محكمة النقض اجتهادات مهمة تتعلق بتحديد الوصف القانوني الصحيح للأفعال المعروضة عليها، وهو ما يتجلى في قرارها الذي أكد أن “لقضاة الزجر كامل الصلاحية للأخذ بما يطمئنون إليه من كافة التصريحات المدلى بها” في تحديد طبيعة الفعل الإجرامي ووصفه القانوني.
ومن القضايا البارزة التي أثارت إشكالات في التكييف القانوني، قضية الصحافي توفيق بوعشرين التي عرضت على محكمة الاستئناف بالدار البيضاء سنة 2018-2019، حيث توبع من أجل تهم متعددة تندرج ضمن الجنايات الخطيرة، من بينها الاتجار بالبشر والاغتصاب ومحاولة الاغتصاب والتحرش الجنسي واستعمال السلطة والنفوذ. وقد صدر في حقه حكم ابتدائي بالسجن 12 سنة نافذة، رفعته محكمة الاستئناف إلى 15 سنة .

وتبرز هذه القضية الدور الحاسم للقضاء في فك تعقيدات الوقائع وتطبيق الوصف القانوني الصحيح لكل فعل على حدة، خاصة عندما تتعدد التهم وتتداخل الأوصاف القانونية بين الجنايات والجنح.
كما يلعب القضاء دوراً مهماً في مجال الجرائم الاقتصادية والمالية، حيث تعمل أقسام الجرائم المالية بالمحاكم المغربية على تكييف وقائع الفساد المالي والرشوة واستغلال النفوذ (الفصول 248 إلى 256 ق.ج) في ضوء النصوص القانونية المتاحة. ويثير موضوع الإثراء غير المشروع جدلاً واسعاً في المغرب، حيث لا يزال تجريمه محل نقاش تشريعي رغم المطالب المتزايدة بذلك.

وفي مجال جرائم المخدرات، يطبق القضاء ظهير 21 ماي 1974 المتعلق بزجر الإدمان على المخدرات السامة ووقاية المدمنين، مميزاً بين الاستهلاك الشخصي (جنحة) والاتجار الدولي (جناية)، وهو تمييز يعكس تطبيقاً عملياً للتقسيم الثلاثي على أرض الواقع.

خاتمة

في ختام هذا التحليل، يتضح أن منظومة تصنيف الجرائم في القانون الجنائي المغربي تتميز بالجمع بين الأصالة المتمثلة في التقسيم الثلاثي التقليدي الذي يشكل العمود الفقري للنظام الجنائي، والمعاصرة المتجلية في القدرة على استيعاب الظواهر الإجرامية المستجدة من خلال نصوص خاصة ومتطورة.

فالتقسيم الثلاثي المكرس في الفصل 111 من مجموعة القانون الجنائي لا يزال يوفر الإطار العام الذي يضمن وضوح المنظومة واستقرارها ويكفل تطبيق مبدأ الشرعية الجنائية المنصوص عليه في الفصل 3 من نفس القانون.
لقد نجح المشرع المغربي، إلى حد كبير، في مواكبة التحولات المجتمعية والتكنولوجية من خلال إصدار ترسانة تشريعية متنوعة، من قانون مكافحة الإرهاب إلى قانون الجرائم الإلكترونية، ومن قانون محاربة العنف ضد النساء إلى قانون العقوبات البديلة.

كما أن التعديلات التي أدخلها القانون رقم 03.23 على قانون المسطرة الجنائية سنة 2025 تعكس استمرار ورش الإصلاح التشريعي، غير أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بضرورة إصدار مجموعة جنائية جديدة ومتكاملة تستوعب كل هذه المستجدات في نص موحد ومنسجم، وكذا تجريم بعض الأفعال التي لا تزال محل جدل كالإثراء غير المشروع.
ويبقى الدور الذي يضطلع به القضاء محورياً وحاسماً في بث الروح في النصوص القانونية وتكييفها مع الوقائع المتغيرة، ضامناً بذلك تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحريات الفردية. إن الاستمرار في تحديث المنظومة الجنائية، مع الحفاظ على مبادئها الأساسية، يعد ضرورة ملحة لمواجهة تحديات الجريمة في عصر العولمة والرقمنة، ولتعزيز ثقة المواطن في منظومة العدالة الجنائية.

المراجع

[1]: مجموعة القانون الجنائي المغربي، الصادرة بموجب الظهير الشريف رقم 1.59.413 بتاريخ 28 جمادى الثانية 1382 (26 نونبر 1962)، مع جميع التعديلات اللاحقة. متاح على: الموقع الرسمي للمحكمة الدستورية
[2]: عبد الواحد العلمي، “شرح القانون الجنائي المغربي — القسم العام”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
[3]: أحمد الخمليشي، “شرح القانون الجنائي — القسم العام”، مكتبة المعارف، الرباط.
[4]: قانون المسطرة الجنائية (القانون رقم 22.01)، كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 03.23 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.55 بتاريخ 13 أغسطس 2025. متاح على: الموقع الرسمي لرئاسة النيابة العامة
[5]: لطيفة المهداتي، “القانون الجنائي المغربي — دراسة تحليلية”، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء.
[6]: القانون رقم 03.03 المتعلق بمكافحة الإرهاب، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.03.140 بتاريخ 28 ماي 2003. متاح على: بنك المغرب — المراجع القانونية
[7]: القانون رقم 43.05 المتعلق بمكافحة غسل الأموال، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.07.79 بتاريخ 17 أبريل 2007، كما تم تعديله وتتميمه.
[8]: القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.18.19 بتاريخ 22 فبراير 2018. متاح على: وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة
[9]: القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.24.32 بتاريخ 24 يوليو 2024، الجريدة الرسمية عدد 7328. متاح على: الأمانة العامة للحكومة
[10]: رئاسة النيابة العامة، “دليل استرشادي لقضاة النيابة العامة حول تنفيذ العقوبات البديلة”، 2025. متاح على: الموقع الرسمي لرئاسة النيابة العامة
[11]: قرار محكمة النقض عدد 66/3 الصادر بتاريخ 13 يناير 2021.
[12]: قضية توفيق بوعشرين — حكم محكمة الاستئناف بالدار البيضاء (2019)، كما أوردته وكالة الأناضول ووسائل إعلام متعددة.
[13]: “جدل بشأن تجريم الإثراء غير المشروع في المغرب”، المفكرة القانونية، مارس 2024. متاح على: Legal Agenda
[14]: عبد الرحيم المودن، “القانون الجنائي العام”، مطبعة الأمنية، الرباط.
[15]: المجلة المغربية للدراسات القانونية والاقتصادية، “التقسيم الثنائي والثلاثي للجرائم الجنائية”، المجلد 01. متاح على: REMEJE

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق