الزواج الفاسد في مدونة الأسرة المغربية: أنواعه وحالاته وآثاره القانونية

أحكام الزواج الفاسد بين الفسخ والتصحيح قبل البناء وبعده في القانون المغربي

الدرس الثاني: أحكام الزواج الفاسد وآثاره القانونية في مدونة الأسرة المغربية، مع ميزان العدالة ومطرقة القاضي وخاتمي زواج

مقدمة

يحتل الزواج مكانة مركزية في نظام الأسرة، باعتباره الإطار الشرعي والقانوني لتكوينها وترتيب الحقوق والواجبات بين أفرادها.

وقد عرفته المادة 4 من مدونة الأسرة بأنه «ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة، برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة».

ولضمان قيام هذا الميثاق على أساس سليم، أحاطه المشرع بمجموعة من الأركان وشروط الصحة، ورتب على استجماعها اعتبار الزواج صحيحا ومنتجا لجميع آثاره القانونية، وفقا للمادة 50 من المدونة.
غير أن عقد الزواج قد يعتريه خلل يمس ركنا من أركانه أو شرطا من شروط صحته، فيخرج بذلك من دائرة الزواج الصحيح. وقد صنفت المادة 56 الزواج غير الصحيح إلى زواج باطل وزواج فاسد، فالزواج الباطل هو الذي يشوبه خلل جسيم في ركن من أركانه، أو يقوم بين طرفيه مانع من موانع الزواج، أو ينعدم فيه التطابق بين الإيجاب والقبول، بينما الزواج الفاسد هو الذي يختل فيه شرط من شروط الصحة وفق الحالات التي حددتها المادتان 60 و61 من المدونة.
وتبرز أهمية الزواج الفاسد في كونه لا يخضع لحكم واحد، فمنه ما يفسخ قبل البناء ويصحح بعده، وهو الزواج الفاسد لصداقه، ومنه ما يفسخ قبل البناء وبعده، وهو الزواج الفاسد لعقده. كما أن المشرع لم يكتف بتحديد أسباب الفساد، بل ميز في الآثار بين المرحلة السابقة على البناء والمرحلة اللاحقة له، مراعاة لاستقرار العلاقات الأسرية وحماية للحقوق التي يكون الواقع قد أنشأها، ولا سيما الصداق والنسب والعدة وحرمة المصاهرة.

وتثير دراسة الموضوع إشكالية محورية مفادها: إلى أي حد وفق المشرع المغربي في تحديد حالات الزواج الفاسد والتمييز بين الفاسد لصداقه والفاسد لعقده، وفي تنظيم آثاره القانونية قبل البناء وبعده؟

وتتفرع عن هذه الإشكالية أسئلة تتعلق بمعيار التمييز بين نوعي الفساد، وحدود تصحيح كل منهما، والطبيعة القضائية للفسخ، ومدى ترتيب آثار الزواج الصحيح بعد البناء.

ولمعالجة ذلك، سيتم اعتماد المنهج الوصفي التحليلي من خلال الوقوف على مقتضيات المواد 59 إلى 64 من مدونة الأسرة وربطها بالمقتضيات المكملة لها، وذلك وفق التصميم الآتي:

 

– المبحث الأول: ماهية الزواج الفاسد وحالاته.
– المبحث الثاني: الآثار القانونية المترتبة عن الزواج الفاسد.

 

 

المبحث الأول: ماهية الزواج الفاسد وحالاته

 

نصت المادة 59 من مدونة الأسرة على أن الزواج يكون فاسدا إذا اختل فيه شرط من شروط صحته طبقا للمادتين 60 و61، وميزت بين نوعين يختلفان من حيث مصدر الخلل ومآل العقد. فإذا اتصل العيب بالصداق كان الزواج فاسدا لصداقه، أما إذا اتصل بأحد الأوضاع المحددة حصرا في المادة 61 كان فاسدا لعقده. لذلك سنتناول الزواج الفاسد لصداقه في المطلب الأول، ثم الزواج الفاسد لعقده في المطلب الثاني.

 

المطلب الأول: الزواج الفاسد لصداقه

 

يقوم الزواج الفاسد لصداقه عندما يكون الخلل منصبا على الصداق لا على أصل التراضي بالزواج. ولتحديد نطاقه بدقة، ينبغي أولا بيان مفهومه والحالات التي يتحقق فيها، ثم توضيح مآله القانوني قبل البناء وبعده. وعليه، سنخصص الفرع الأول لمفهوم الفساد المرتبط بالصداق وحالاته، والفرع الثاني لأحكام فسخه وتصحيحه.

 

الفرع الأول: مفهوم الفساد المرتبط بالصداق وحالاته

 

يتطلب ضبط هذا النوع من الفساد بيان أساسه التشريعي وصوره العملية، مع تمييزه عن حالات قريبة لا تؤدي إلى فساد الزواج. لذلك سنتناول في الفقرة الأولى شروط الصداق والحالات التي يؤدي اختلالها إلى الفساد، ثم نميز في الفقرة الثانية بين فساد الصداق وعدم تسميته أو مجرد عدم أدائه.

 

الفقرة الأولى: الأساس القانوني وحالات فساد الصداق

 

يقوم الصداق، بحسب المادة 26 من مدونة الأسرة، على قيمة معنوية ورمزية تعبر عن رغبة الزوج في إنشاء أسرة والعيش في مودة، وليس على قيمته المادية. كما تقضي المادة 28 بأن كل ما صح الالتزام به شرعا صلح أن يكون صداقا، مع الحث على تخفيفه. ويشترط كذلك، بموجب المادة 13، عدم اتفاق الزوجين على إسقاط الصداق.

وبناء عليه، يكون الزواج فاسدا لصداقه إذا اتفق الطرفان صراحة على إسقاط الصداق، أو إذا سمي صداق لا تتوافر فيه الشروط الشرعية، كأن يكون محله خمرا أو مالا لا يجوز الالتزام به شرعا. فالخلل هنا لا يصيب ركن الرضا، وإنما يصيب شرطا من شروط صحة الصداق، ولذلك خصه المشرع بحكم يختلف باختلاف وقوع البناء من عدمه.

 

الفقرة الثانية: تمييز فساد الصداق عن عدم تسميته أو عدم أدائه

 

لا ينبغي الخلط بين الاتفاق على إسقاط الصداق وبين عدم تحديد مقداره وقت إبرام العقد. فالمادة 27 تجيز عدم تسمية الصداق عند العقد وتفويض أمر تحديده إلى الزوجين، وهو ما يعرف بزواج التفويض، فإذا وقع البناء ولم يتفقا على مقداره، تولت المحكمة تحديده مراعية الوسط الاجتماعي لكل واحد منهما. ومن ثم، فإن مجرد عدم ذكر مقدار الصداق في العقد لا يجعل الزواج فاسدا ما دام الطرفان لم يتفقا على إسقاطه.

كما أن عدم أداء الصداق لا يؤدي بذاته إلى فساد الزواج. فإذا كان الصداق محددا ولم يؤده الزوج، بقي دينا في ذمته، ويصبح كله مستحقا بعد البناء وفقا للمادتين 31 و32 من المدونة. لذلك فالعبرة في فساد الزواج لصداقه ليست بالتأخر في الأداء، وإنما بعدم مشروعية الصداق أو بالاتفاق على إسقاطه.

 

الفرع الثاني: مآل الزواج الفاسد لصداقه

 

أخضع المشرع هذا الزواج لنظام مزدوج يراعي ما إذا كان قد حصل البناء أم لم يحصل، إذ جعل الفسخ هو الجزاء قبل البناء، في حين أجاز التصحيح بعده حماية لاستقرار الأسرة. لذلك سنتناول حكمه قبل البناء في الفقرة الأولى، ثم كيفية تصحيحه بعد البناء في الفقرة الثانية.

 

الفقرة الأولى: فسخ الزواج قبل البناء

 

تنص المادة 60 على فسخ الزواج الفاسد قبل البناء إذا لم تتوافر في الصداق شروطه الشرعية، ولا تستحق الزوجة في هذه الحالة أي صداق. وينسجم هذا الحكم مع المادة 32 التي تقضي بعدم استحقاق الصداق عند فسخ عقد الزواج قبل البناء. ويتقرر الفسخ بحكم قضائي، لأن فسخ عقد الزواج لا يتم بمجرد إرادة الطرفين أو اتفاقهما، وإنما وفق الحالات والشروط التي حددتها المدونة.

ويترتب على هذا الفسخ اعتبار العلاقة غير منتجة لآثار الزواج، ما دام البناء لم يقع، دون أن يحول ذلك دون إمكان إبرام عقد جديد صحيح بين الطرفين مستقبلا بعد إزالة سبب الفساد، متى لم يوجد مانع قانوني آخر.

 

الفقرة الثانية: تصحيح الزواج بعد البناء

 

إذا وقع البناء، فإن الزواج الفاسد لصداقه لا يفسخ، وإنما يصحح بصداق المثل. وتتولى المحكمة تحديد هذا الصداق مع مراعاة الوسط الاجتماعي لكل من الزوجين، وفقا للمادة 60. وصداق المثل هو الصداق الذي يناسب وضع الزوجة وما يجري به العمل بالنسبة إلى من تماثلها، مع مراعاة الوضع الاجتماعي للزوجين.

ويترتب على التصحيح استمرار العلاقة الزوجية دون حاجة إلى تجديد عقد الزواج، لأن الخلل كان متصلا بالصداق وقد أزاله الحكم بصداق المثل. وهذه الخصوصية تميز الزواج الفاسد لصداقه عن الزواج الفاسد لعقده، الذي لا يقبل التصحيح كأصل عام، بل يفسخ قبل البناء وبعده.

 

المطلب الثاني: الزواج الفاسد لعقده

 

يرتبط الزواج الفاسد لعقده بحالات محددة حصرا في المادة 61 من مدونة الأسرة، وهو أشد خطورة من الفساد المتعلق بالصداق لأن الخلل يتصل بوضع قانوني يمس العقد ذاته. وللإحاطة بأحكامه، سنعرض في الفرع الأول حالاته القانونية، ثم نبين في الفرع الثاني مآله ونميزه عن الأنظمة القريبة منه.

 

الفرع الأول: حالات الزواج الفاسد لعقده

 

حصرت المادة 61 حالات هذا النوع في ثلاث صور، تتمثل في الزواج المنعقد في المرض المخوف، وزواج التحليل، والزواج بدون ولي عند وجوبه. وسنخصص الفقرة الأولى للمرض المخوف وزواج التحليل، ثم نتناول في الفقرة الثانية الزواج بدون ولي في حالة وجوبه.

 

الفقرة الأولى: الزواج في المرض المخوف وزواج التحليل

 

تتمثل الحالة الأولى في انعقاد الزواج أثناء المرض المخوف لأحد الزوجين. ويقصد به، فقها وقضاء، المرض الجدي الذي يغلب معه الهلاك ويعجز المصاب به عن مباشرة شؤونه المعتادة، ولا يكفي مجرد وجود مرض عادي أو مزمن ما لم تبلغ خطورته الحد المعتبر. ومع ذلك، استثنت المادة 61 حالة شفاء المريض بعد الزواج، فيزول عندئذ سبب الفساد ولا يبقى محل للفسخ استنادا إلى المرض.

أما الحالة الثانية فتتحقق إذا قصد الزوج بالزواج تحليل المرأة المبتوتة لمن طلقها ثلاثا. والمبتوتة هي من انتهت علاقتها بزوجها الأول بطلاق مكمل للثلاث، فلا تحل له حتى تتزوج زوجا آخر زواجا صحيحا مقصودا لذاته، يقع فيه البناء، ثم تنتهي هذه العلاقة بصورة طبيعية وتنقضي عدتها. فإذا كان الزواج الثاني مجرد وسيلة متفق عليها أو مقصودة للتحليل، كان فاسدا لعقده، لأن الزواج لا يجوز أن يتحول إلى إجراء صوري للتحايل على حكم الطلاق البائن بينونة كبرى.

 

الفقرة الثانية: الزواج بدون ولي في حالة وجوبه

 

تتمثل الحالة الثالثة في إبرام الزواج بدون ولي عندما تكون ولايته واجبة قانونا. ويجب فهم هذه الحالة في ضوء المادتين 24 و25 من المدونة؛ فالولاية حق للمرأة الراشدة تمارسه بحسب اختيارها ومصلحتها، ولها أن تعقد زواجها بنفسها أو أن تفوض ذلك إلى أبيها أو أحد أقاربها. ومن ثم، لا يعتبر زواج المرأة الراشدة فاسدا لمجرد أنها أبرمته بنفسها دون ولي.

وتنصرف حالة الولي الواجب إلى الأوضاع التي تشترط فيها المدونة تدخل النائب الشرعي أو الولي، ولا سيما ما يتصل بزواج القاصر وما يفرضه من موافقة النائب الشرعي، مع خضوعه للإذن القضائي. ومن المفيد إبراز هذا القيد، حتى لا يفهم من المادة 61 أن الولي شرط عام في كل زواج تبرمه المرأة، وهو ما يخالف الاختيار الصريح الذي أخذت به المدونة بالنسبة إلى المرأة الراشدة.

 

الفرع الثاني: مآل الزواج الفاسد لعقده وتمييزه عن الحالات القريبة

 

يتميز الزواج الفاسد لعقده بوجوب فسخه قبل البناء وبعده، غير أن المدونة ربطت إنهاء العلاقة بحكم قضائي ووضعت قواعد خاصة للطلاق السابق على الحكم. كما نظمت حالات أخرى قريبة منه، مثل الشروط المخالفة لمقاصد الزواج والإكراه والتدليس، دون أن تدرجها ضمن صور المادة 61. لذلك سنتناول مآل الزواج الفاسد لعقده في الفقرة الأولى، ثم نميزه عن هذه الحالات في الفقرة الثانية.

 

الفقرة الأولى: وجوب الفسخ والطبيعة القضائية للحكم

 

تقضي المادة 61 بفسخ الزواج الفاسد لعقده قبل البناء وبعده في الحالات الثلاث المذكورة. وعلى خلاف الزواج الفاسد لصداقه، لا يصحح هذا الزواج بعد البناء، باستثناء زوال سبب المرض المخوف بشفاء المريض بعد الزواج، وهي حالة استثناها النص صراحة. ويصدر الفسخ بحكم قضائي، طبقا للمادة 77 التي تقرر أن فسخ عقد الزواج يكون بحكم قبل البناء أو بعده في الحالات والشروط المنصوص عليها في المدونة.

وإذا وقع طلاق أو تطليق قبل صدور الحكم بالفسخ في إحدى حالات المادة 61، اعتد به قانونا. كما أن الأحكام القضائية الصادرة بفسخ الزواج لا تقبل أي طعن في الجزء الذي ينهي العلاقة الزوجية، وفقا للمادة 128، دون أن يمنع ذلك من سلوك طرق الطعن في الأجزاء الأخرى القابلة له وفق القواعد القانونية.

 

الفقرة الثانية: تمييز فساد العقد عن بطلان الشروط والإكراه والتدليس

 

لا يصح اعتبار كل شرط مخالف لمقاصد الزواج سببا لفساد العقد. فالمادة 47 تقضي بأن الشروط المخالفة لأحكام عقد الزواج ومقاصده أو للقواعد الآمرة تكون باطلة، بينما يظل عقد الزواج صحيحا. وبذلك، فإن اشتراط أحد الزوجين إسقاط واجب جوهري، كالمساكنة الشرعية أو النفقة المستحقة قانونا، يؤدي في الأصل إلى بطلان الشرط لا إلى فساد الزواج. وإذا اقترن الإيجاب أو القبول بأجل أو شرط واقف أو فاسخ، أحالت المادة 62 على أحكام المادة 47.

أما الإكراه والتدليس، فقد خصتهما المادة 63 بنظام مستقل، إذ يجوز للزوج الذي وقع عليه الإكراه أو كان التدليس هو الدافع إلى قبوله الزواج أن يطلب الفسخ قبل البناء أو بعده خلال أجل لا يتجاوز شهرين من يوم زوال الإكراه أو من تاريخ العلم بالتدليس، مع حقه في طلب التعويض. ولذلك ينبغي عدم إدراج الإكراه أو التدليس ضمن الحالات الثلاث للزواج الفاسد لعقده الواردة حصرا في المادة 61، رغم اشتراكها معها في إمكان الحكم بالفسخ.

 

المبحث الثاني: الآثار القانونية المترتبة عن الزواج الفاسد

 

لم يرتب المشرع على الزواج الفاسد حكما موحدا، بل جعل البناء معيارا حاسما في تحديد آثاره. فالزواج الذي يفسخ قبل البناء لا ينتج أي أثر، بينما تترتب بعد البناء آثار العقد الصحيح إلى تاريخ الحكم بالفسخ، وفقا للمادة 64. ولبيان نطاق هذه القاعدة، سنعالج في المطلب الأول آثار الفسخ قبل البناء، ثم نخصص المطلب الثاني للآثار المترتبة بعد البناء.

 

المطلب الأول: آثار الزواج الفاسد قبل البناء

 

يؤدي فسخ الزواج قبل البناء إلى تجريده من آثاره الزوجية والمالية والعائلية، لأن العلاقة لم تنتقل بعد إلى مرحلة يرتب عليها القانون حماية خاصة. غير أن هذا الأثر الموضوعي يرتبط بحكم قضائي ينهي العقد، كما ينبغي تمييزه عن الأحكام المقررة للزواج الباطل. وعليه، سنتناول في الفرع الأول انعدام الآثار الموضوعية، ثم نبحث في الفرع الثاني الطبيعة القضائية للفسخ والتمييز بينه وبين البطلان.

 

الفرع الأول: انعدام الآثار الموضوعية قبل البناء

 

تفيد المادة 64 أن الزواج الذي يفسخ تطبيقا للمادتين 60 و61 لا ينتج أي أثر قبل البناء. ويشمل ذلك الآثار المالية والشخصية بين الزوجين، وكذلك الآثار العائلية التي تفترض قيام زواج منتج لآثاره. لذلك سنتناول في الفقرة الأولى الآثار المتعلقة بالزوجين، ثم نخصص الفقرة الثانية للآثار المتصلة بالأسرة والغير.

 

الفقرة الأولى: انعدام الحقوق المالية والشخصية بين الزوجين

 

لا تستحق الزوجة صداقا إذا فسخ الزواج الفاسد قبل البناء، وهو ما أكدته المادتان 60 و32. كما لا تترتب نفقة زوجية ولا حقوق وواجبات المعاشرة والمساكنة، لأن المادة 64 تنفي كل أثر للعقد في هذه المرحلة. ولا تجب العدة بسبب الفسخ قبل البناء، ما دام البناء لم يحصل ولم تنشأ ضرورة استبراء الرحم.

وبذلك يعامل العقد، من حيث آثاره الموضوعية، كما لو لم ينتج علاقة زوجية كاملة، مع بقاء ضرورة صدور الحكم القضائي بفسخه. ولا محل للمطالبة بنصف الصداق، لأن استحقاق نصف الصداق قبل البناء يتعلق بحالة الطلاق في الزواج الصحيح، ولا ينسحب على فسخ الزواج الفاسد.

 

الفقرة الثانية: انعدام التوارث والنسب وحرمة المصاهرة

 

لا يثبت التوارث بين الزوجين إذا تحقق سبب الإرث قبل البناء في زواج تقرر فسخه، لأن التوارث من آثار الزواج الصحيح التي نفتها المادة 64 في هذه المرحلة. كما لا تترتب حرمة المصاهرة الناشئة عن الزواج الفاسد قبل البناء، ولا تثبت سائر الآثار العائلية المبنية على قيام رابطة زوجية منتجة لآثارها.

أما النسب، فإن الحديث عنه يفترض في الأصل حصول اتصال يمكن أن ينشأ عنه حمل، وهو ما يدخل عمليا في معنى البناء الذي رتب عليه القانون آثار العقد الصحيح. ولهذا فإن القاعدة المقررة قبل البناء هي انعدام الآثار، بينما تتجه الحماية القانونية للنسب أساسا إلى الحالة التي يكون فيها البناء قد حصل فعلا.

 

الفرع الثاني: الطبيعة القضائية للفسخ وتمييزه عن البطلان

 

رغم انعدام آثار الزواج الفاسد قبل البناء، فإن إنهاء العقد يخضع لتدخل القضاء. كما تختلف أحكام هذا الفسخ عن التصريح ببطلان الزواج، سواء من حيث الأسباب أو بعض الآثار المترتبة بعد البناء. لذلك سنتناول في الفقرة الأولى دور الحكم القضائي، ثم نوضح في الفقرة الثانية الفارق بين الزواج الفاسد والزواج الباطل.

 

الفقرة الأولى: دور الحكم القضائي في إنهاء العقد

 

يصدر فسخ الزواج بحكم قضائي وفقا للمادة 77، فلا يكفي اتفاق الزوجين على إنهاء العلاقة أو قيامهما بإزالة العقد من تلقاء نفسيهما. وتتحقق المحكمة من قيام سبب الفساد ومن وقوع البناء أو عدمه، لأن ذلك يؤثر مباشرة في الصداق وفي بقية النتائج القانونية.

وتبرز أهمية تحديد تاريخ الحكم بصفة خاصة بعد البناء، لأن المادة 64 ترتب آثار الزواج الصحيح إلى أن يصدر الحكم بالفسخ. كما تتولى المحكمة اتخاذ ما يلزم لترتيب النتائج المترتبة على الحكم، ويوجه مستخرج منه إلى ضابط الحالة المدنية قصد تضمين البيان الهامشي وفقا للإجراءات المقررة في المدونة.

 

الفقرة الثانية: تمييز الزواج الفاسد عن الزواج الباطل

 

الزواج الباطل هو الذي اختل فيه ركن من أركان المادة 10، أو وجد بين الزوجين مانع من موانع المواد 35 إلى 39، أو انعدم فيه التطابق بين الإيجاب والقبول. وتصرح المحكمة ببطلانه بمجرد اطلاعها عليه أو بطلب ممن يعنيه الأمر، طبقا للمادتين 57 و58.

ويختلف الباطل عن الفاسد في أن الزواج الباطل لا يرتب بعد البناء إلا الصداق والاستبراء، ويلحق به النسب وتثبت حرمة المصاهرة عند حسن النية، أما الزواج الفاسد لعقده، فتترتب عنه بعد البناء آثار العقد الصحيح كلها إلى تاريخ الحكم بالفسخ. لذلك لا يجوز استعمال مصطلحي البطلان والفسخ باعتبارهما مترادفين، لأن لكل واحد منهما أسبابه وآثاره.

 

المطلب الثاني: آثار الزواج الفاسد بعد البناء

 

إذا حصل البناء، تدخل المشرع لحماية الوضع الأسري القائم والحقوق التي نشأت عنه. غير أن النتائج تختلف بحسب نوع الفساد،  فالزواج الفاسد لصداقه يصحح ولا يفسخ، بينما يفسخ الزواج الفاسد لعقده مع ترتيب آثار الزواج الصحيح إلى تاريخ الحكم. ولتوضيح ذلك، سنتناول في الفرع الأول الآثار المتعلقة بالزوجين، ثم نخصص الفرع الثاني للآثار المتصلة بالأطفال والقرابة.

 

الفرع الأول: الآثار المترتبة بين الزوجين

 

تشمل آثار البناء الحقوق المالية الناشئة عن الزواج، كما تشمل استمرار العلاقة أو انتهائها بحسب نوع الفساد، فضلا عن وجوب العدة عند الحكم بالفسخ بعد البناء. لذلك سنبين في الفقرة الأولى الآثار المالية واستمرار العلاقة، ثم نتناول في الفقرة الثانية انتهاء الزواج والعدة.

 

الفقرة الأولى: الصداق والنفقة والتوارث إلى تاريخ الحكم

 

إذا كان الزواج فاسدا لصداقه، فإنه يصحح بعد البناء بصداق المثل الذي تحدده المحكمة مراعية الوسط الاجتماعي للزوجين، وتستمر العلاقة الزوجية بعد التصحيح. أما إذا كان الزواج فاسدا لعقده، فإنه يفسخ، غير أن المادة 64 ترتب عليه آثار العقد الصحيح من وقت البناء إلى تاريخ صدور الحكم بالفسخ. ويشمل ذلك استحقاق الصداق، والنفقة الزوجية عن المدة السابقة على الحكم، وسائر الحقوق والواجبات الزوجية التي يكون سببها قد نشأ خلال تلك الفترة.

كما يدخل التوارث ضمن آثار الزواج الصحيح المنصوص عليها في المادة 51؛ ولذلك يثبت بين الزوجين إذا تحقق سببه بعد البناء وقبل صدور الحكم بالفسخ، ما لم يوجد مانع قانوني آخر. أما بعد الحكم، فتنتهي الرابطة الزوجية ولا تنشأ حقوق زوجية جديدة بين الطرفين. وينبغي التمييز بين النفقة الزوجية المستحقة إلى تاريخ الحكم وبين نفقة العدة بعد الفسخ؛ فهذه الأخيرة لا تقررها المادة 64 صراحة على نحو مستقل، وإنما يرجع بشأنها إلى المقتضيات المنظمة للعدة والنفقة وطبيعة الفرقة.

 

الفقرة الثانية: انتهاء الرابطة ووجوب العدة

 

يترتب على الحكم بفسخ الزواج الفاسد لعقده إنهاء الرابطة الزوجية من تاريخ صدوره. وتبدأ العدة من تاريخ الفسخ وفقا للمادة 129 من المدونة، ما دام البناء قد حصل. وتكون عدة الحامل إلى وضع حملها أو سقوطه، بينما تخضع عدة غير الحامل للمدد المقررة قانونا بحسب حالتها.

ولا يجوز الخلط بين العدة والاستبراء، فالمدونة استعملت الاستبراء ضمن الآثار المحدودة للزواج الباطل بعد البناء في المادة 58، بينما أحالت في حالة فسخ الزواج على العدة في المادة 129.

 

الفرع الثاني: الآثار المتعلقة بالأطفال والقرابة

 

تتجلى الوظيفة الحمائية لأحكام الزواج الفاسد بعد البناء بصورة خاصة في صيانة نسب الأطفال واستقرار مركزهم القانوني، إلى جانب ترتيب حرمة المصاهرة. لذلك سنتناول في الفقرة الأولى ثبوت النسب وما ينتج عنه، ثم نعرض في الفقرة الثانية لحرمة المصاهرة والآثار التي تستمر بعد الفسخ.

 

الفقرة الأولى: ثبوت النسب وحماية حقوق الأطفال

 

بما أن المادة 64 ترتب على الزواج الفاسد بعد البناء آثار العقد الصحيح إلى تاريخ الحكم، فإن نسب الطفل الناتج عن هذه العلاقة يثبت لأبيه متى استجمعت شروط ثبوت النسب المقررة في المدونة. ولا يتأثر مركز الطفل بفساد العقد الذي لم يكن طرفا فيه، بل تترتب له جميع آثار النسب الشرعي، ومنها الاسم والنفقة والإرث والحضانة والتمثيل الشرعي وسائر حقوق القرابة.

وتستمر حقوق الطفل بعد فسخ الزواج، لأن الحكم ينهي العلاقة الزوجية بين الأبوين ولا يمحو النسب الذي ثبت قانونا. وهذا يعكس توجه المشرع إلى حماية مصلحة الطفل ومنع تحميله نتائج خلل قانوني يرجع إلى عقد أبرمه الزوجان.

 

الفقرة الثانية: حرمة المصاهرة واستمرار الآثار النهائية

 

تترتب بعد البناء حرمة المصاهرة باعتبارها من آثار الزواج الصحيح التي أحالت عليها المادة 64. وبذلك تثبت الموانع الناشئة عن المصاهرة وفق القواعد المقررة في المادة 37 وما يليها، ولا يؤدي فسخ الزواج لاحقا إلى زوال الحرمة التي استقرت متى توافرت شروطها القانونية.

وبعد صدور الحكم بالفسخ تتوقف الآثار المتجددة للرابطة الزوجية، كالمساكنة والنفقة الزوجية والتوارث عن أسباب لاحقة، بينما تستمر الآثار التي استقرت قبل الحكم أو تتصف بطبيعة دائمة، وفي مقدمتها النسب وحقوق الطفل وحرمة المصاهرة والحقوق المالية التي سبق استحقاقها.

 

خاتمة

 

يتضح من خلال دراسة الزواج الفاسد أن المشرع المغربي أقام نظاما قانونيا متدرجا يقوم على التمييز بين مصدر الخلل ومرحلة اكتشافه. فإذا تعلق الفساد بالصداق، فسخ الزواج قبل البناء دون صداق، بينما صحح بعد البناء بصداق المثل مراعاة لاستقرار الأسرة. أما إذا تعلق الفساد بالعقد في إحدى الحالات الثلاث المحددة في المادة 61، وهي المرض المخوف وزواج التحليل والزواج بدون ولي عند وجوبه، فإن الزواج يفسخ قبل البناء وبعده، مع ترتيب آثار العقد الصحيح بعد البناء إلى تاريخ الحكم.
ويكشف هذا التنظيم عن سعي المشرع إلى التوفيق بين احترام شروط الزواج ومقاصده من جهة، وحماية المراكز القانونية التي نشأت في الواقع من جهة أخرى. لذلك لم يرتب أي أثر على الزواج الفاسد قبل البناء، في حين ضمن بعده الصداق والحقوق الزوجية السابقة على الحكم وثبوت النسب وحقوق الأطفال والعدة وحرمة المصاهرة، بحسب نوع الفساد وطبيعة الأثر.
كما تبين أن الدقة الاصطلاحية ضرورية في هذا الموضوع؛ فعدم تسمية الصداق لا يعني إسقاطه، وعدم أدائه لا يفسد الزواج، والشرط المخالف لمقاصد العقد يكون باطلا مع بقاء الزواج صحيحا، كما أن الإكراه والتدليس يخضعان لنظام خاص وأجل قصير لممارسة دعوى الفسخ. ويختلف الزواج الفاسد كذلك عن الزواج الباطل من حيث الأسباب والآثار، ولا يجوز الجمع بينهما تحت حكم واحد.
ومع ذلك، يظل التنظيم التشريعي في حاجة إلى مزيد من التوضيح، خاصة بشأن المقصود بالمرض المخوف، والحالات الدقيقة لوجوب الولي بعد إقرار حق المرأة الراشدة في مباشرة زواجها بنفسها، وبعض الآثار المالية المترتبة بعد الفسخ، ولا سيما ما يتصل بنفقة العدة. ومن شأن هذا التوضيح أن يحد من اختلاف التأويل ويعزز الأمن القانوني والقضائي في المنازعات الأسرية.
وخلاصة القول، إن البناء يمثل الحد الفاصل في أحكام الزواج الفاسد: **فقبل البناء يغلب جزاء الفسخ وانعدام الآثار، وبعد البناء تغلب حماية الحقوق والمراكز الأسرية؛ مع تصحيح الفاسد لصداقه ووجوب فسخ الفاسد لعقده.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق