مقـــــدمة:
يشكل نزع الملكية لأجل المنفعة العامة أحد أهم القيود الواردة على حق الملكية، باعتباره وسيلة استثنائية خولها المشرع للإدارة من أجل تمكينها من إنجاز المشاريع ذات النفع العام، مع ضمان تعويض المالك تعويضا عادلا ومسبقا طبقا للفصل 35 من دستور المملكة لسنة 2011، الذي نص على أن حق الملكية مضمون، ولا يمكن الحد من نطاقه أو ممارسته إلا بموجب القانون، وأن نزع الملكية لا يتم إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون، مقابل تعويض عادل، وتجسيدا لهذا المبدأ الدستوري صدر القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، محددا شروط وإجراءات مباشرة هذه المسطرة، ومكرسا التوازن بين متطلبات تحقيق المنفعة العامة وحماية الحقوق الفردية،
غير أن التطبيق العملي لهذا القانون يثير إشكالات قانونية دقيقة لا يجد لها الباحث جوابا صريحا في نصوص قانون نزع الملكية، خاصة عندما يكون العقار المراد نزعه مثقلا بحقوق عينية لفائدة الغير، كالرهن الرسمي أو الامتيازات أو حقوق الانتفاع، أو يكون محلا لتدابير تحفظية كالحجز التحفظي أو الحجز التنفيذي أو العقل الجنائي الصادر في إطار المتابعة الزجرية، ففي هذه الحالات يثور التساؤل حول مدى تأثير هذه الحقوق أو التدابير على إمكانية مباشرة الإدارة لمسطرة نزع الملكية، وهل تشكل مانعا قانونيا يحول دون انتقال ملكية العقار للإدارة، أم أن المشرع قصد حماية هذه الحقوق بطريقة أخرى دون تعطيل تحقيق المنفعة العامة.
وتزداد أهمية هذا الموضوع بالنظر إلى تعدد المتدخلين في مسطرة نزع الملكية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالإدارة نازعة الملكية والمالك المنزوعة ملكيته، وإنما يمتد ليشمل المحافظ على الأملاك العقارية، والدائنين المرتهنين، والمؤسسات البنكية، وقاضي نزع الملكية، وقاضي التحقيق، والنيابة العامة، وأحيانا القضاء التجاري وقاضي التنفيذ، وهو ما يجعل هذه المسطرة مجالا لتقاطع عدة فروع قانونية، من بينها القانون الإداري، والقانون العقاري، وقانون الحقوق العينية، وقانون المسطرة المدنية، وقانون المسطرة الجنائية، بل وحتى قانون الالتزامات والعقود، الأمر الذي يفرض قراءة تكاملية للنصوص القانونية والاجتهادات القضائية.
ولئن كان المشرع قد نظم آثار نزع الملكية على حق الملكية تنظيما دقيقا بمقتضى القانون رقم 7.81، فإنه لم يفرد أحكاما تفصيلية لمصير مختلف الحقوق العينية والتقييدات الواقعة على العقار المنزوع ملكيته، وهو ما فتح المجال أمام القضاء، وخاصة محكمة النقض، لإرساء مبادئ قانونية مؤداها أن بعض هذه الحقوق لا تحول دون مباشرة مسطرة نزع الملكية، وإنما تنتقل آثارها إلى مبلغ التعويض، باعتباره يحل محل العقار قانونا، وهو ما ينسجم مع طبيعة الرهن الرسمي باعتباره حقا عينيا تبعيا لا يرد على شخص المدين وإنما على المال المرهون، كما ينسجم مع فلسفة نزع الملكية التي ترمي إلى تحقيق المنفعة العامة دون الإضرار بحقوق الأغيار، ومن جهة أخرى، فإن العمل الإداري أفرز عدة صعوبات عملية، من بينها امتناع بعض الإدارات عن إتمام مسطرة نزع الملكية بسبب وجود رهون أو حجوزات مقيدة بالرسم العقاري، أو تردد المحافظين العقاريين في التشطيب على بعض التقييدات، أو نشوء منازعات بين الإدارة والدائنين المرتهنين بشأن الجهة التي تستحق مبلغ التعويض، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بالعقارات الموضوعة تحت العقل الجنائي أو المصادرة أو الحجز في إطار الجرائم المالية، وهي مسائل لم تحظ بعد بما يكفي من الدراسة الفقهية، رغم أهميتها العملية.
وانطلاقا من ذلك، تثار الإشكالية المحورية التالية:
ما هو أثر نزع الملكية لأجل المنفعة العامة على الحقوق العينية والتدابير التحفظية المقيدة على العقار؟ وهل تنتقل هذه الحقوق إلى مبلغ التعويض، أم تنقضي بمجرد انتقال ملكية العقار إلى الإدارة ؟ وما هو موقف التشريع المغربي والاجتهاد القضائي من هذه الإشكالات؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، سنتناول الموضوع وفق التصميم الآتي: )الفقرة الأولى(: الطبيعة القانونية لنزع الملكية وأثرها على الحقوق العينية، و)الفقرة الثانية(: مصير الرهن الرسمي والامتيازات عند نزع الملكية، و)الفقرة الثالثة(: أثر الحجوزات والعقل الجنائي على مسطرة نزع الملكية، )والفقرة الرابعة(: توزيع التعويض بين المالك وأصحاب الحقوق العينية في ضوء القضاء المغربي، و)الفقرة الخامسة(: قراءة نقدية للإطار التشريعي والعملي مع اقتراحات لتطويره.
الفقرة الأولى: الطبيعة القانونية لنزع الملكية لأجل المنفعة العامة وأثرها على استمرار الحقوق العينية المقيدة على العقار
يقوم نظام نزع الملكية لأجل المنفعة العامة في التشريع المغربي على مبدأ دستوري مؤداه أن حق الملكية، وإن كان من الحقوق الأساسية المضمونة دستوريا، فإنه ليس حقا مطلقا، وإنما يجوز تقييده متى اقتضت ذلك متطلبات المنفعة العامة، شريطة احترام الضمانات القانونية المقررة لفائدة المالك، وعلى رأسها ضرورة وجود سند قانوني يجيز نزع الملكية، واحترام المسطرة التي رسمها المشرع، مع تمكين المالك من تعويض عادل ومسبق عن الأموال المنزوعة ملكيتها(1)، ويستفاد هذا المبدأ من الفصل 35 من دستور المملكة لسنة 2011 الذي جعل حماية الملكية الخاصة قاعدة عامة، واستثنى منها حالات نزع الملكية وفق الشروط والإجراءات التي يحددها القانون، وهو ما تولى تنظيمه القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت(2(
وإذا كان الأثر المباشر لنزع الملكية يتمثل في انتقال ملكية العقار من الخواص إلى الشخص العام المستفيد من عملية النزع، فإن هذا الانتقال يثير إشكالا قانونيا بالغ الأهمية يتعلق بمصير الحقوق العينية المقيدة على العقار، ولا سيما الرهون الرسمية وحقوق الامتياز وحقوق الانتفاع والارتفاق، فضلا عن الحجوزات والتدابير التحفظية التي قد تكون مقيدة بالرسم العقاري، ذلك أن انتقال الملكية لا يعني بالضرورة زوال جميع الحقوق التي كانت تثقل العقار، لأن هذه الحقوق تتمتع بحماية قانونية مستقلة، وهو ما يفرض البحث عن الأساس القانوني الذي يحكم العلاقة بين نزع الملكية وهذه الحقوق.
فإذا كان القانون رقم 7.81 لم يفرد تنظيما تفصيليا لجميع الحقوق العينية التي قد تكون واردة على العقار المنزوع ملكيته، فإنه أرسى قاعدة جوهرية مؤداها أن التعويض المحكوم به يحل محل العقار المنزوع ملكيته، وهو ما يفهم من مجموع مقتضياته، خاصة المواد المتعلقة بإيداع التعويض وأداء مستحقات ذوي الحقوق(3)، ويترتب عن ذلك أن محل الضمان لا يزول وإنما يتحول، بحيث يصبح مبلغ التعويض هو الوعاء القانوني الذي تنتقل إليه مختلف الحقوق المرتبطة بالعقار، وهو ما يحقق التوازن بين مصلحة الإدارة في تنفيذ مشاريع المنفعة العامة، وبين حماية أصحاب الحقوق المقيدة على الرسم العقاري.
ويجد هذا التحليل سنده كذلك في القواعد العامة الواردة بمدونة الحقوق العينية، التي تعتبر أن الرهن الرسمي حق عيني تبعي يخول للدائن سلطتي التتبع والأولوية دون أن ينقل إليه ملكية العقار(4). فالدائن المرتهن لا يملك العقار، وإنما يملك ضمانة قانونية تخوله استيفاء دينه من قيمة المال المرهون، وبالتالي فإن انتقال ملكية العقار بسبب نزع الملكية لا يؤدي إلى انقضاء الرهن، وإنما يؤدي إلى انتقال الضمان من العين العقارية إلى المقابل المالي الذي حل محلها، وهذا التطبيق لا يعد استثناء، وإنما هو امتداد للقاعدة العامة التي تقضي بأن الحق العيني التبعي يبقى قائما ما دام محل الضمان قائما ولو تغير شكله القانوني.
ويؤكد هذا الاتجاه ما استقر عليه قضاء محكمة النقض من أن الحقوق العينية التابعة لا تحول دون التصرف في العقار ولا تمنع إنهاء حالة قانونية تتعلق به، مادامت حقوق أصحابها تبقى محفوظة، فقد قضت محكمة النقض في قرارها عدد 525 بتاريخ 27 شتنبر 2011 بأن وجود رهن رسمي لا يشكل مانعا من إجراء قسمة العقار المشاع، لأن حق الدائن المرتهن ينتقل إلى الجزء الذي آل إلى المدين بعد القسمة، ولا يضيع بسببها(5). ورغم أن القرار يتعلق بالقسمة، فإن علته القانونية تمتد إلى نزع الملكية، لأن كلا النظامين يؤدي إلى تغيير الوضعية القانونية للعقار دون المساس بحقوق الدائن المرتهن، وهو ما يجعل التعويض في نزع الملكية يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها النصيب المفرز في القسمة، باعتباره يحل محل العقار ويستوعب الحقوق التي كانت مثقلة له، ومن جهة أخرى، فإن هذا التحليل ينسجم مع المبادئ العامة للقانون المدني، التي تعتبر أن الضمانات العينية لا تنقضي إلا بالأسباب المحددة قانونا، كالوفاء بالدين أو الإبراء أو التشطيب أو التقادم، أما مجرد انتقال ملكية المال المرهون بسبب قانوني فلا يؤدي إلى زوالها، بل يستمر أثرها في مواجهة الخلف الخاص أو ينتقل إلى المقابل المالي إذا أصبح المال غير موجود.،ولذلك فإن الإدارة، متى استكملت إجراءات نزع الملكية، لا تكون ملزمة بالبحث في أصل الدين المضمون بالرهن أو في مدى صحته، وإنما يقتصر دورها على احترام الحقوق الثابتة بالرسم العقاري عند توزيع التعويض، لأن الفصل في أولوية الدائنين أو مقدار حقوقهم يبقى خاضعا للقواعد العامة ولرقابة القضاء المختص.
ويترتب على ذلك أن نزع الملكية لا يعد سببا لانقضاء الحقوق العينية المقيدة على العقار، وإنما يعد سببا قانونيا لتحويل محل هذه الحقوق من العقار إلى مبلغ التعويض، وهو ما يحقق التوازن بين متطلبات استمرارية المرافق العامة واحترام الأمن القانوني للمعاملات العقارية، ويجنب الإدارة تعطيل مشاريعها بسبب وجود رهون أو امتيازات أو حقوق عينية أخرى، كما يحول دون إهدار الضمانات المقررة لفائدة الدائنين وأصحاب الحقوق.
________________________________________
(1) الفصل 35 من دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر بتاريخ 30 يوليوز 2011.
(2) القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.81.254 بتاريخ 11 رجب 1402 (6 ماي 1982)، الجريدة الرسمية عدد 3685 بتاريخ 15 يونيو 1983، كما تم تعديله وتتميمه.
(3) يراجع في هذا الشأن مقتضيات القانون رقم 7.81، ولا سيما المواد المنظمة لأداء وإيداع التعويض وآثاره القانونية.
(4) المواد المنظمة للرهن الرسمي بمدونة الحقوق العينية، الصادرة بالقانون رقم 39.08، ولا سيما المقتضيات المتعلقة بحق التتبع والأولوية.
(5) قرار محكمة النقض عدد 525 بتاريخ 27 شتنبر 2011، ملف شرعي عدد 373/2/1/2010. وهو القرار الذي قرر أن الرهن الرسمي لا يشكل مانعا من قسمة العقار المشاع، مع بقاء حق الدائن المرتهن قائما على نصيب المدين بعد القسمة.
الفقرة الثانية: حلول التعويض محل العقار المنزوع ملكيته وأثره على حقوق الدائن المرتهن وأصحاب الحقوق العينية
إذا كان المشرع المغربي قد اعتبر نزع الملكية وسيلة استثنائية لانتقال الملكية العقارية إلى الإدارة تحقيقا للمنفعة العامة، فإن هذا الانتقال لا يقتصر أثره على إنهاء حق المالك في العقار، وإنما ينعكس كذلك على مختلف الحقوق العينية المقيدة بالرسم العقاري، وهو ما يفرض تحديد مصيرها بعد انتقال الملكية. ذلك أن العقار قد يكون محملا برهن رسمي لفائدة مؤسسة بنكية أو دائن خاص، أو مثقلا بحق امتياز أو بحق انتفاع أو بحقوق عينية أخرى، الأمر الذي يطرح التساؤل حول ما إذا كانت هذه الحقوق تنقضي بمجرد انتقال الملكية إلى الإدارة، أم أنها تستمر في الوجود ولكن على محل جديد هو مبلغ التعويض المحكوم به. والواقع أن الجواب عن هذا الإشكال لا يمكن استخلاصه من خلال قانون نزع الملكية وحده، وإنما يستوجب قراءة مندمجة لمقتضيات القانون رقم 7.81 ومدونة الحقوق العينية والقواعد العامة المنظمة للضمانات العينية الواردة بقانون الالتزامات والعقود، باعتبارها تشكل منظومة قانونية متكاملة تحكم هذا النوع من المنازعات(1(
فالرهن الرسمي، بحسب تعريف مدونة الحقوق العينية، ليس سوى حق عيني تبعي يخصص عقارا لضمان الوفاء بالتزام معين، ويخول للدائن المرتهن حق التتبع والأولوية دون أن ينقل إليه ملكية العقار أو حيازته(2). ويترتب عن هذه الطبيعة القانونية أن محل الرهن ليس العقار لذاته، وإنما القيمة المالية التي يمثلها ذلك العقار ضمانا للدين، ولذلك فإن انتقال الملكية بسبب نزعها للمنفعة العامة لا يؤدي إلى انقضاء الرهن، لأن سبب انقضائه محدد حصرا في القانون، ومن بينه انقضاء الدين أو التشطيب عليه أو هلاك محل الرهن دون مقابل، أما إذا حل مقابل مالي محل العقار فإن الضمان ينتقل بقوة القانون إلى ذلك المقابل، باعتباره الخلف المالي للعقار المنزوع ملكيته، ومن ثم فإن التعويض الذي تحكم به المحكمة لا يعد مجرد مقابل لفقدان الملكية، وإنما يصبح محلا جديدا للحقوق العينية التي كانت مثقلة للعقار قبل نزعه.
وهو ما استقر عليه الفقه المقارن، الذي يعتبر أن التعويض في نزع الملكية يقوم مقام العقار في جميع آثاره القانونية، لأن العدالة تقتضي عدم الإضرار لا بالمالك ولا بالدائن المرتهن، فإذا كان نزع الملكية قد فرض على المالك التخلي عن عقاره تحقيقا للمصلحة العامة، فإنه لا يجوز في المقابل أن يؤدي ذلك إلى تجريد الدائن المرتهن من الضمان الذي اكتسبه بمقتضى عقد صحيح ومقيد بالرسم العقاري، وإلا أصبحت الإدارة سببا في إعدام حق عيني مقرر بمقتضى القانون، وهو ما يتعارض مع مبدأ استقرار المعاملات والأمن التعاقدي، اللذين يشكلان من المبادئ الأساسية في التشريع العقاري المغربي.
وقد كرس القضاء المغربي هذا الاتجاه بصورة غير مباشرة من خلال العديد من قرارات محكمة النقض التي أكدت أن الرهن الرسمي لا يمنع التصرف في العقار ولا يحول دون تغيير وضعيته القانونية، ما دام حق الدائن يبقى محفوظا، ومن أبرز هذه القرارات، القرار عدد 525 الصادر بتاريخ 27 شتنبر 2011 في الملف الشرعي عدد 373/2/1/2010، الذي اعتبر أن الرهن الرسمي لا يشكل مانعا من قسمة العقار المشاع، وأن حق الدائن المرتهن يستمر على النصيب الذي آل إلى المدين بعد القسمة(3)، ورغم اختلاف الوقائع بين القسمة ونزع الملكية، فإن العلة القانونية واحدة، وهي أن الحق العيني التبعي لا ينقضي بمجرد تغير الوضعية القانونية للعقار، وإنما ينتقل إلى ما يحل محله قانونا، سواء تعلق الأمر بالنصيب المفرز في القسمة أو بالتعويض في نزع الملكية.
وتزداد أهمية هذا المبدأ في الواقع العملي، إذ كثيرا ما تبادر المؤسسات البنكية، عند توقف المدين عن الوفاء، إلى مباشرة إجراءات تحقيق الرهن وبيع العقار بالمزاد العلني وفقا لمقتضيات مدونة الحقوق العينية وقانون المسطرة المدنية، غير أن الإدارة قد تكون في الوقت نفسه بصدد مباشرة مسطرة نزع الملكية بشأن العقار نفسه، وهنا يطرح التساؤل حول أي الإجراءين تكون له الأولوية، والراجح فقها وقضاء أن العبرة بتاريخ انتقال الملكية، فإذا انتقلت الملكية إلى الإدارة بحكم نهائي أو باتفاق قانوني قبل إتمام البيع القضائي، فإن البنك لا يعود بإمكانه التنفيذ على العقار لأنه خرج من الذمة المالية للمدين، غير أن ذلك لا يؤدي إلى سقوط حقه، وإنما ينتقل هذا الحق إلى مبلغ التعويض الذي يحل محل العقار، أما إذا كان البيع القضائي قد تم بصورة نهائية قبل انتقال الملكية للإدارة، فإن نزع الملكية ينصب على العقار في يد المالك الجديد، ويستحق هذا الأخير التعويض باعتباره المالك وقت انتقال الملكية، دون الإخلال بحقوق الدائنين الآخرين بحسب ترتيبهم القانوني، أن فالإدارة لا تملك سلطة توزيع التعويض وفق تقديرها، وإنما تلتزم باحترام الوضعية القانونية الثابتة بالرسم العقاري وبالأولوية التي تقررها القواعد المنظمة للحقوق العينية. ولذلك فإن المحافظ على الأملاك العقارية يؤدي دورا محوريا في هذه المرحلة، من خلال تضمين جميع التقييدات بالرسم العقاري داخل الشهادة الخاصة الموجهة إلى الجهة نازعة الملكية، حتى يتحدد جميع أصحاب الحقوق الذين يجب استدعاؤهم أو مراعاة حقوقهم عند صرف التعويض(4)، كما أن القضاء المختص يبقى صاحب الولاية في حسم المنازعات المتعلقة بأحقية كل طرف في التعويض أو في ترتيب الأولوية بين الدائنين، بما يضمن عدم المساس بالضمانات العينية المقررة قانونا.
ومن خلال ما سبق يتبين أن التعويض في مجال نزع الملكية لا يمثل مجرد مقابل مالي لفقدان العقار، وإنما يشكل امتدادا قانونيا له، بحيث تنتقل إليه جميع الحقوق العينية التي كانت مثقلة للعقار قبل نزعه، وهو ما يجعل الإدارة غير معفاة من احترام هذه الحقوق عند تنفيذ الأحكام المتعلقة بنزع الملكية، ويترتب عن ذلك أن البنك المرتهن لا يفقد ضمانه بسبب تدخل الإدارة، وإنما يتحول حقه من التنفيذ على العقار إلى التنفيذ على مبلغ التعويض، الأمر الذي يحقق التوازن بين مقتضيات المنفعة العامة ومتطلبات حماية الائتمان العقاري، ويكرس مبدأ استقرار المعاملات الذي حرص المشرع المغربي على تكريسه في مختلف النصوص المنظمة للحقوق العينية.
________________________________________
(1) القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، ومدونة الحقوق العينية الصادرة بالقانون رقم 39.08، وقانون الالتزامات والعقود.
(2) يراجع الباب المتعلق بالرهن الرسمي في القانون رقم 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية، ولا سيما المقتضيات المنظمة لطبيعة الرهن الرسمي وآثاره وحقي التتبع والأولوية.
(3) قرار محكمة النقض عدد 525 بتاريخ 27 شتنبر 2011، ملف شرعي عدد 373/2/1/2010.
(4) يراجع في هذا الإطار مقتضيات الظهير الشريف المؤرخ في 12 غشت 1913 بشأن التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه، خاصة المقتضيات المتعلقة بالتقييدات بالرسم العقاري وحجيتها في مواجهة الكافة.
الفقرة الثالثة: أثر الحجز التحفظي والعقل الجنائي على مسطرة نزع الملكية واستحقاق التعويض في ضوء التشريع والاجتهاد القضائي
إذا كان مصير الرهن الرسمي عند نزع الملكية لا يثير صعوبة كبيرة بالنظر إلى طبيعته كحق عيني تبعي ينتقل إلى مبلغ التعويض، فإن الإشكال يزداد تعقيدا عندما يكون العقار مثقلا بتدبير تحفظي، سواء تعلق الأمر بالحجز التحفظي المأمور به من طرف القضاء المدني أو التجاري، أو بالعقل الجنائي الصادر عن قاضي التحقيق أو المحكمة الزجرية في إطار البحث عن الأموال المتحصلة من الجريمة أو ضمان تنفيذ العقوبات المالية أو رد الأموال أو التعويضات المدنية، ويعود سبب هذا التعقيد إلى اختلاف الطبيعة القانونية لهذه التدابير عن الرهن الرسمي، إذ إنها لا تنشئ حقا عينيا لفائدة شخص معين، وإنما تفرض قيدا مؤقتا على سلطة المالك في التصرف في أمواله، حماية لمصلحة يحددها القانون، الأمر الذي يطرح التساؤل حول ما إذا كانت هذه التدابير تمنع الإدارة من مواصلة مسطرة نزع الملكية، أم أنها تقتصر على تقييد صرف التعويض إلى حين زوال سبب الحجز أو العقل(1(
وبالرجوع إلى القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة، يلاحظ أنه لم ينص على اعتبار وجود الحجز أو العقل مانعا من مباشرة مسطرة نزع الملكية، كما لم يرتب أي أثر موقف لهذه المسطرة بسبب وجود تقييدات تحفظية بالرسم العقاري، ويجد هذا الموقف مبرره في أن نزع الملكية يرمي إلى تحقيق منفعة عامة لا يجوز تعطيلها بسبب نزاعات أو إجراءات تحفظية تهم المالك أو الغير، لأن المصلحة العامة تظل أولى بالرعاية متى احترمت الضمانات التي قررها القانون، وعلى رأسها التعويض العادل، ومن ثم فإن وجود عقل جنائي أو حجز تحفظي لا يحول دون صدور مقرر نزع الملكية ولا دون انتقال الملكية إلى الإدارة متى استوفيت جميع الإجراءات القانونية المنصوص عليها في القانون المذكور(2(.، غير أن عدم تأثير الحجز أو العقل على انتقال الملكية لا يعني زوال آثارهما القانونية، إذ إن هذين التدبيرين لا ينصبان في حقيقتهما على العقار باعتباره غاية في ذاته، وإنما يهدفان إلى المحافظة على قيمته المالية ضمانا لتنفيذ حكم قضائي مستقبلي أو حماية لحقوق الدائنين أو المتضررين من الجريمة. ولذلك فإن زوال العقار من الذمة المالية للمالك بسبب نزع الملكية لا يؤدي إلى إفراغ التدبير التحفظي من مضمونه، وإنما ينتقل أثره إلى مبلغ التعويض الذي أصبح يمثل القيمة المالية للعقار. ويترتب على ذلك أن الإدارة، متى علمت بوجود حجز تحفظي أو عقل جنائي مقيد بالرسم العقاري، لا يجوز لها صرف التعويض مباشرة إلى المالك، وإنما يتعين عليها مراعاة الغاية التي فرض من أجلها ذلك التدبير، حتى لا يؤدي صرف التعويض إلى إفشال الغرض الذي توخاه القضاء من فرض الحجز أو العقل.
ويستند هذا الحل إلى المبادئ العامة التي تحكم الحجوزات القضائية، ذلك أن الحجز التحفظي، وفقا لمقتضيات قانون المسطرة المدنية، يرمي إلى ضمان المحافظة على الضمان العام للدائن إلى حين الحصول على سند تنفيذي، ولا يمنع انتقال ملكية المال المحجوز في الحالات التي يجيزها القانون، وإنما يجعل آثار الحجز تنتقل إلى المقابل المالي إذا استحال بقاء المال المحجوز في ذمة مالكه(3).، وينطبق الأمر نفسه على العقل الجنائي المنصوص عليه في قانون المسطرة الجنائية، والذي يعد من التدابير التحفظية الرامية إلى حماية حقوق الدولة أو الضحايا أو ضمان تنفيذ المصادرة أو الغرامات أو الرد، إذ إن هذا التدبير لا يخول النيابة العامة أو قاضي التحقيق ملكية العقار، وإنما يمنع التصرف فيه إلى حين انتهاء الدعوى العمومية أو صدور قرار يقضي برفعه أو الإبقاء عليه(4(.
ومن الناحية العملية، كثيرا ما تجد الإدارة نفسها أمام رسم عقاري يتضمن تقييدا لعقل جنائي صادر عن قاضي التحقيق، فتتردد في إتمام مسطرة نزع الملكية اعتقادا منها أن هذا العقل يشكل مانعا قانونيا يحول دون انتقال الملكية، غير أن هذا التوجه لا يجد له سندا في التشريع، لأن العقل لا ينشئ حقا عينيا على العقار، ولا يمنح النيابة العامة أو قاضي التحقيق مركز المالك أو الدائن المرتهن، وإنما يفرض فقط تجميدا مؤقتا على التصرف في المال، ولذلك فإن الأثر القانوني الصحيح يتمثل في انتقال العقل إلى مبلغ التعويض، مع الاحتفاظ به مجمدا إلى حين صدور المقرر القضائي النهائي الذي يحدد الجهة المستحقة له، سواء تعلق الأمر برده إلى المالك أو تخصيصه لتنفيذ المصادرة أو أداء التعويضات المدنية أو الوفاء بالغرامات المحكوم بها.
ويؤيد هذا التوجه ما استقر عليه العمل القضائي في مجال الأموال المحجوزة، حيث إن الحجز أو العقل لا يعد غاية في ذاته، وإنما وسيلة قانونية للمحافظة على قيمة مالية معينة. فإذا تغير محل هذه القيمة بفعل سبب قانوني مشروع، فإن آثار الحجز تنتقل إلى المقابل الذي حل محل المال الأصلي، وهو ما ينسجم مع القاعدة العامة القاضية بأن التدابير التحفظية تتبع محل الضمان ولا ترتبط بالشكل المادي للمال. ومن ثم فإن الإدارة تكون ملزمة بإشعار الجهة القضائية التي أمرت بالعقل أو الحجز بوقوع نزع الملكية وبقيمة التعويض المحكوم به، حتى تتخذ هذه الجهة ما تراه مناسبا بشأن استمرار التدبير أو رفعه، وهو ما يحقق التعاون بين السلطات الإدارية والقضائية دون المساس باختصاص كل جهة.
ويكشف التطبيق العملي أن غياب نص صريح ينظم هذه الحالة أدى إلى اختلاف الممارسات بين الإدارات والمحافظات العقارية، إذ تبادر بعض الجهات إلى إيداع مبلغ التعويض بصندوق الإيداع والتدبير أو بصندوق المحكمة إلى حين تسوية وضعية العقل أو الحجز، في حين تمتنع جهات أخرى عن استكمال مسطرة نزع الملكية أصلا، وهو اتجاه لا ينسجم مع فلسفة القانون رقم 7.81، لأن المنفعة العامة لا ينبغي أن تتوقف بسبب تدبير تحفظي مؤقت، ما دام بالإمكان المحافظة على جميع الحقوق من خلال نقل آثار هذا التدبير إلى مبلغ التعويض، ومن ثم فإن الحاجة أصبحت ملحة لتدخل تشريعي أو تنظيمي يحدد بصورة صريحة الإجراءات الواجب إتباعها في هذه الحالة، بما يضمن توحيد العمل الإداري والقضائي وتحقيق الأمن القانوني في مجال نزع الملكية.
________________________________________
(1) القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، والقانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وقانون المسطرة المدنية.
(2) المواد المتعلقة بإعلان المنفعة العامة ونقل الملكية بالقانون رقم 7.81.
(3) قانون المسطرة المدنية، الباب المتعلق بالحجز التحفظي والحجز التنفيذي، كما تم تعديله وتتميمه.
(4) القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، ولا سيما المقتضيات المنظمة لتدابير الحجز والعقل على الأموال خلال مرحلة البحث والتحقيق والمحاكمة.
الفقرة الرابعة: استحقاق التعويض عن العقار المنزوع ملكيته بين المالك وأصحاب الحقوق العينية في ضوء التشريع والاجتهاد القضائي
لا يثور الإشكال الحقيقي في مجال نزع الملكية عند انتقال ملكية العقار إلى الإدارة، وإنما يظهر عند مرحلة أداء التعويض، إذ يطرح التساؤل حول الشخص أو الأشخاص الذين يملكون الحق في قبضه، خاصة عندما يكون العقار مثقلا بحقوق عينية أو بإجراءات تحفظية متعددة، فهل يقتصر الحق في التعويض على المالك المقيد بالرسم العقاري، أم يمتد إلى الدائنين المرتهنين وأصحاب الامتياز وذوي الحقوق العينية الأخرى، بل وحتى إلى أصحاب الحجوزات والتدابير التحفظية؟ والإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا الرجوع إلى فلسفة قانون نزع الملكية، التي لا تقوم على مجرد تعويض المالك عن فقدان عقاره، وإنما تهدف إلى تعويض جميع الحقوق المالية التي انصبت على العقار قبل انتقال ملكيته، لأن التعويض لا يمثل تبرعا من الإدارة، وإنما يعد المقابل القانوني للعقار المنزوع، ومن ثم فإنه يخلفه في جميع آثاره القانونية، سواء تعلق الأمر بحقوق المالك أو بحقوق الغير الثابتة قانونا(1(.
ومن هذا المنطلق، فإن الإدارة نازعة الملكية لا يجوز لها أن تعتبر الشخص المقيد بالرسم العقاري مالكا هو المستحق الوحيد للتعويض، لأن الرسم العقاري قد يتضمن رهونا رسمية أو امتيازات أو حقوق انتفاع أو تقييدات احتياطية أو حجوزات أو عقولا قضائية، وكلها تفرض على الإدارة التحقق من هوية ذوي الحقوق قبل صرف التعويض. ولهذا السبب ألزم المشرع المحافظ على الأملاك العقارية، باعتباره الجهة المكلفة بمسك السجل العقاري، ببيان جميع الحقوق المقيدة على الرسم العقاري، حتى يكون قاضي نزع الملكية والإدارة على بينة من الوضعية القانونية للعقار قبل مباشرة إجراءات الأداء أو الإيداع، وهو ما ينسجم مع الحجية المطلقة للتقييدات الواردة بالرسم العقاري طبقا لمقتضيات ظهير التحفيظ العقاري كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 14.07(2(.
وتبرز أهمية هذا المقتضى بصورة خاصة عندما يكون العقار مثقلا برهن رسمي لفائدة مؤسسة بنكية، إذ لا يمكن للإدارة أن تؤدي كامل مبلغ التعويض إلى المالك متجاهلة حق البنك، لأن هذا الأخير يتمتع بحق عيني تبعي مقيد بالرسم العقاري، يخوله استيفاء دينه بالأولوية من القيمة المالية للعقار. وقد استقر الفقه والقضاء على أن الأولوية التي يخولها الرهن الرسمي لا تزول بمجرد انتقال الملكية، وإنما تنتقل إلى التعويض الذي أصبح يمثل القيمة الاقتصادية للعقار المنزوع ملكيته، ويجد هذا التوجه سنده في الطبيعة القانونية للرهن الرسمي باعتباره حقا عينيا لا ينقضي إلا بالأسباب التي حددها القانون، وليس من بينها نزع الملكية لأجل المنفعة العامة. كما ينسجم مع ما قررته محكمة النقض في قرارها عدد 525 بتاريخ 27 شتنبر 2011، عندما اعتبرت أن الرهن الرسمي لا يمنع القسمة، وأن حق الدائن المرتهن يبقى قائما على المال الذي حل محل الحصة المشاعة، وهي علة يمكن القياس عليها في مجال نزع الملكية، لأن التعويض يحل محل العقار كما يحل النصيب المفرز محل الحصة الشائعة(3).
ومن ناحية أخرى، فإن تعدد أصحاب الحقوق قد يؤدي إلى قيام منازعة جدية حول أحقية كل واحد منهم في مبلغ التعويض أو في جزء منه، وهو ما يخرج عن اختصاص الإدارة، لأن دورها يقتصر على تنفيذ مسطرة نزع الملكية واحترام الوضعية القانونية للعقار كما هي ثابتة بالرسم العقاري. أما الفصل في مدى أحقية الدائن المرتهن أو صاحب الامتياز أو الحاجز في مبلغ التعويض، أو تحديد مرتبة كل منهم، فإنه يبقى من اختصاص القضاء المختص، الذي يستند في ذلك إلى القواعد المنظمة للرتبة العقارية والأولوية بين الدائنين المنصوص عليها في مدونة الحقوق العينية وقانون الالتزامات والعقود، ولذلك فإن الإدارة، متى ثار نزاع جدي حول استحقاق التعويض، تكون ملزمة بإيداعه وفقا للمسطرة القانونية إلى حين صدور حكم نهائي يحدد مستحقيه، وذلك حماية لجميع الأطراف ومنعا لأداء غير مستحق قد يرتب مسؤوليتها الإدارية.
ويلاحظ في الواقع العملي أن بعض الإدارات تلجأ، بمجرد اكتشاف وجود رهن رسمي أو حجز أو عقل على العقار، إلى تعليق مسطرة الأداء أو الامتناع عن إتمام إجراءات نزع الملكية، وهو توجه لا يجد له سندا في القانون، لأن وجود هذه التقييدات لا يمس بشرعية مقرر نزع الملكية ولا بانتقال الملكية إلى الإدارة، وإنما يقتصر أثره على كيفية توزيع التعويض، ولذلك فإن الإدارة تكون مطالبة بالفصل بين مرحلتين مختلفتين، تتمثل الأولى في نقل ملكية العقار لفائدة المنفعة العامة، وهي مرحلة لا تتأثر غالبا بالرهون أو الحجوزات، بينما تتعلق الثانية بتصفية الحقوق المالية المترتبة عن التعويض، وهي المرحلة التي تستوجب احترام حقوق جميع ذوي الحقوق وفقا للقانون، فمبلغ التعويض لا يعد حقا شخصيا خالصا للمالك، وإنما يشكل كتلة مالية تحل محل العقار، وتتعلق بها الحقوق نفسها التي كانت تثقل العقار قبل نزعه، وهو ما يفرض على الإدارة والمحافظ العقاري والقضاء التنسيق فيما بينهم لضمان عدم ضياع حقوق أي طرف. كما يؤكد أن تحقيق المنفعة العامة لا يكون على حساب الأمن القانوني للمعاملات العقارية، وإنما يتحقق من خلال الجمع بين سرعة إنجاز المشاريع العمومية وضمان استقرار الحقوق العينية واحترام مبدأ الأولوية بين أصحابها، وهو ما يشكل أحد أهم مظاهر دولة القانون والمؤسسات.
________________________________________
(1) القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت.
(2) ظهير 9 رمضان 1331 (12 غشت 1913) المتعلق بالتحفيظ العقاري، كما تم تعديله وتتميمه بالقانون رقم 14.07، ولا سيما المقتضيات المتعلقة بحجية التقييدات بالرسم العقاري.
(3) قرار محكمة النقض عدد 525 بتاريخ 27 شتنبر 2011، ملف شرعي عدد 373/2/1/20
الفقرة الخامسة: قصور التنظيم التشريعي لمصير الحقوق المقيدة على العقار المنزوع ملكيته وآفاق تطويره في ضوء الأمن القانوني والاجتهاد القضائي
على الرغم من الأهمية العملية البالغة التي تكتسيها الإشكالات المرتبطة بمصير الحقوق العينية والتدابير التحفظية المقيدة على العقارات المنزوعة ملكيتها لأجل المنفعة العامة، فإن المشرع المغربي لم يضع تنظيما قانونيا متكاملا لهذه المسألة ضمن القانون رقم 7.81 المتعلق بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة والاحتلال المؤقت، إذ انصب اهتمامه أساسا على بيان شروط إعلان المنفعة العامة وإجراءات نقل الملكية وكيفية تحديد التعويض، دون أن يتناول بصورة صريحة النظام القانوني الواجب تطبيقه عند تزاحم حقوق المالك مع حقوق الدائنين المرتهنين أو أصحاب الامتيازات أو أصحاب الحجوزات والعقول القضائية. وقد أفرز هذا الفراغ التشريعي تباينا في الممارسة الإدارية والقضائية، حيث أصبحت كل جهة تجتهد في حدود فهمها للنصوص العامة، وهو ما لا ينسجم مع مبدأ الأمن القانوني الذي أضحى من المبادئ الدستورية الموجهة للعمل التشريعي والقضائي والإداري، كما أكدته ديباجة دستور 2011 والاجتهاد الدستوري المغربي(1(
ومن خلال استقراء أحكام القانون رقم 7.81 يتبين أن المشرع لم يحدد على سبيل المثال الجهة المختصة قانونا بتوزيع التعويض عند تعدد أصحاب الحقوق، كما لم يبين الإجراءات الواجب اتباعها إذا كان العقار مثقلا برهن رسمي أو موضوع حجز تحفظي أو عقل جنائي، ولم ينص على كيفية تعامل الإدارة مع هذه الحالات، الأمر الذي ترتب عنه اختلاف الممارسات بين الإدارات والمحافظات العقارية والمحاكم. ففي بعض الحالات يتم صرف التعويض مباشرة للمالك رغم وجود رهون رسمية مقيدة بالرسم العقاري، وفي حالات أخرى يتم تجميد مسطرة نزع الملكية برمتها بسبب وجود عقل جنائي، بينما تلجأ إدارات أخرى إلى إيداع مبلغ التعويض بصندوق الإيداع والتدبير أو بصندوق المحكمة في انتظار حسم النزاع، دون وجود نص تشريعي صريح يوحد هذه الإجراءات ويضمن استقرارها.
ويزداد هذا النقص وضوحا عند مقارنة التشريع المغربي ببعض التشريعات المقارنة، التي نظمت بشكل صريح انتقال الحقوق العينية والتأمينات العينية إلى مبلغ التعويض، وحددت كيفية ترتيب الدائنين وأسلوب توزيع المبالغ بينهم، بما يحقق التوازن بين سرعة إنجاز مشاريع المنفعة العامة وحماية الحقوق المكتسبة. أما في المغرب، فإن هذا الدور بقي موكولا في جانب كبير منه إلى الاجتهاد القضائي، وخاصة محكمة النقض، التي استطاعت من خلال مجموعة من قراراتها إرساء قواعد قانونية مهمة، من بينها أن الرهن الرسمي لا يمنع التصرف في العقار ولا يؤدي إلى سقوط حق الدائن، كما يتضح من القرار عدد 525 بتاريخ 27 شتنبر 2011، الذي اعتبر أن الرهن الرسمي لا يحول دون قسمة العقار المشاع، مع استمرار حق الدائن المرتهن على النصيب الذي آل إلى المدين(2)، ورغم أن هذا القرار صدر في إطار دعوى القسمة، فإن منطقه القانوني يمتد إلى نزع الملكية، لأن العبرة ليست بنوع التصرف القانوني الذي يرد على العقار، وإنما باستمرار الضمان العيني وعدم زواله إلا في الحالات التي نص عليها القانون.
ومن زاوية أخرى، يلاحظ أن العلاقة بين قانون نزع الملكية وقانون المسطرة الجنائية ما تزال في حاجة إلى تدخل تشريعي أكثر وضوحا، خاصة فيما يتعلق بالعقارات الموضوعة تحت العقل الجنائي أو الحجز في إطار الجرائم المالية. فالواقع العملي أبان عن وجود فراغ تشريعي حقيقي بشأن مصير التعويض في هذه الحالة، إذ لم يحدد المشرع ما إذا كان التعويض يخضع تلقائيا للعقل، أم يتعين إصدار أمر قضائي جديد يشمله، كما لم يحدد الجهة المختصة بتسلمه أو كيفية التصرف فيه إلى حين انتهاء الدعوى العمومية. ومن ثم فإن الإبقاء على هذا الفراغ من شأنه أن يؤدي إلى تضارب القرارات الإدارية والقضائية، بل وقد يمس بحقوق الدولة أو الضحايا أو حتى بحقوق المالك حسن النية، وهو ما يقتضي تدخلا تشريعيا صريحا يعالج هذه الإشكالات في إطار قانون نزع الملكية نفسه، أو من خلال تعديل متناسق لقانون المسطرة الجنائية ومدونة الحقوق العينية.
وانطلاقا من ذلك، يبدو من الملائم أن يتدخل المشرع المغربي لتعديل القانون رقم 7.81، بإضافة باب خاص بعنوان “مصير الحقوق العينية والتقييدات الواردة على العقار المنزوع ملكيته”، يتضمن قواعد واضحة تقضي بأن جميع الحقوق العينية الأصلية والتبعية المقيدة على العقار تنتقل بقوة القانون إلى مبلغ التعويض في حدود قيمتها ومرتبتها القانونية، وأن الحجوزات والعقول القضائية تستمر آثارها على مبلغ التعويض إلى حين صدور قرار برفعها أو زوال سببها، مع تحديد المحكمة المختصة بالفصل في منازعات توزيع التعويض، وإلزام الإدارة بعدم صرف أي مبلغ إلا بعد التحقق من الوضعية القانونية للعقار بواسطة شهادة حديثة من المحافظ على الأملاك العقارية، وذلك ضمانا لحقوق جميع الأطراف وتفاديا لكل مسؤولية قانونية قد تترتب عن صرف التعويض لغير مستحقه.
خاتمة:
وخلاصة القول، فإن نزع الملكية لا ينبغي النظر إليه باعتباره وسيلة لنقل ملكية العقار فقط، وإنما باعتباره نظاما قانونيا متكاملا يستوجب حماية جميع المراكز القانونية المرتبطة بالعقار قبل نزعه. فالتعويض ليس مجرد مقابل مالي لفقدان الملكية، وإنما يمثل الامتداد القانوني للعقار المنزوع، وتنتقل إليه، من حيث الأصل، الحقوق والضمانات التي كانت تثقل هذا العقار، وهو ما ينسجم مع مبادئ العدالة والإنصاف واستقرار المعاملات، ولئن نجح الاجتهاد القضائي المغربي في سد جانب مهم من النقص التشريعي، فإن تحقيق الأمن القانوني بصورة كاملة يظل رهينا بتدخل تشريعي صريح يحسم مختلف الإشكالات التي يثيرها الواقع العملي، ويضع قواعد موحدة تكفل التوازن بين متطلبات المنفعة العامة وحماية الحقوق الخاصة، وهو ما من شأنه أن يعزز الثقة في نظام نزع الملكية ويكرس جودة التشريع العقاري المغربي.
فنزع الملكية لأجل المنفعة العامة لا يقتصر أثره على نقل ملكية العقار من الخواص إلى الإدارة، وإنما يمتد إلى إعادة ترتيب المراكز القانونية المرتبطة بهذا العقار، بما يفرض تحقيق التوازن بين متطلبات المنفعة العامة وضمان الحقوق المكتسبة للأفراد، ومن خلال تحليل مقتضيات القانون رقم 7.81 ومدونة الحقوق العينية وظهير التحفيظ العقاري وقواعد المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية، يتبين أن المشرع المغربي لم ينظم بصورة صريحة مصير مختلف الحقوق العينية والتدابير التحفظية المقيدة على العقار المنزوع ملكيته، وهو ما جعل القضاء يتولى سد هذا الفراغ من خلال إرساء مبادئ قانونية تؤكد أن الرهن الرسمي لا ينقضي بسبب نزع الملكية، وإنما ينتقل إلى مبلغ التعويض الذي يحل محل العقار باعتباره الخلف القانوني له.
كما أن الطبيعة القانونية للرهن الرسمي تختلف عن الطبيعة القانونية للحجز التحفظي والعقل الجنائي، ذلك أن الأول يعد حقا عينيا تبعيا يمنح صاحبه حق التتبع والأولوية، في حين أن الثاني والثالث يشكلان تدبيرين تحفظيين يرميان إلى المحافظة على المال ضمانا لتنفيذ حكم قضائي أو حماية لحقوق الغير، غير أن هذا الاختلاف لا يمنع من القول بأن الأثر المشترك بينهما يتمثل في انتقالهما إلى مبلغ التعويض متى أصبح العقار غير قابل للبقاء في الذمة المالية للمالك بسبب نزع الملكية، وهو الحل الذي ينسجم مع فلسفة التشريع ومبادئ العدالة واستقرار المعاملات، فالممارسة العملية تكشف عن تفاوت ملحوظ بين الإدارات والمحافظات العقارية والمحاكم في كيفية التعامل مع هذه الحالات، نتيجة غياب نصوص تشريعية دقيقة تحدد الجهة المختصة بتوزيع التعويض، والإجراءات الواجب إتباعها عند وجود رهون أو حجوزات أو عقول قضائية، ولذلك فإن تدخل المشرع أصبح ضرورة ملحة من أجل استكمال النقص الذي يشوب القانون رقم 7.81، وذلك بإقرار قواعد صريحة تنظم انتقال جميع الحقوق والتقييدات إلى مبلغ التعويض، وتحدد كيفية توزيعه بين ذوي الحقوق، مع بيان اختصاص كل من الإدارة والمحافظ العقاري والقضاء، فإذا كان الاجتهاد القضائي المغربي قد أسهم بشكل كبير في تكريس الأمن القانوني في هذا المجال، فإن استقرار المعاملات العقارية يظل رهينا بإصلاح تشريعي شامل يساير تطور المعاملات وتعقدها، ويزيل مختلف مواطن الغموض التي أفرزها التطبيق العملي، حتى يظل نظام نزع الملكية أداة لتحقيق المنفعة العامة دون أن يتحول إلى مصدر للمساس بالحقوق المشروعة للأفراد أو الدائنين أو غيرهم من أصحاب الحقوق.
________________________________________
(1) دستور المملكة المغربية لسنة 2011، ولا سيما ديباجته والفصل 35، مع استحضار مبدأ الأمن القانوني كما كرسه الاجتهاد الدستوري.
(2) قرار محكمة النقض عدد 525 بتاريخ 27 شتنبر 2011، ملف شرعي عدد 373/2/1/2010.













