دليل شامل للمسؤولية التقصيرية وفق قانون الالتزامات والعقود المغربي

المسؤولية التقصيرية في القانون المغربي: الأركان والأنواع وآثار التعويض

عالـم القانون15 أغسطس 2026
ميزان العدالة وكتاب قانون مفتوح أمام محكمة، مع عنوان المسؤولية التقصيرية في القانون المغربي

مقدمة

تحتل المسؤولية التقصيرية مكانة أساسية ضمن مصادر الالتزام غير الإرادية، لأنها تمثل الوسيلة القانونية التي تتيح جبر الضرر عندما لا تكون بين المضرور والمسؤول رابطة تعاقدية تحكم الواقعة الضارة، أو عندما يقع الضرر خارج نطاق الالتزامات التي رتبها العقد. وقد أدرج قانون الالتزامات والعقود المغربي هذه المسؤولية ضمن الالتزامات الناشئة عن الجرائم وأشباه الجرائم، وجعل غايتها الأساسية إعادة التوازن الذي اختل بسبب الفعل الضار، عن طريق إلزام المسؤول بتعويض المضرور تعويضا يتناسب مع الضرر الثابت.
ويقوم النظام العام للمسؤولية التقصيرية على مقتضيات الفصول 77 إلى 106 من قانون الالتزامات والعقود، إلى جانب الأحكام الخاصة بالمسؤولية المدنية الناجمة عن المنتوجات المعيبة الواردة في المقتضيات من 106-1 إلى 106-14. ويقرر الفصل 77 القاعدة العامة بالنسبة إلى الفعل العمدي غير المأذون به قانونا، متى أحدث ضررا ماديا أو معنويا وكان السبب المباشر في حصوله، بينما يوسع الفصل 78 نطاق المسؤولية ليشمل الخطأ غير العمدي المتمثل في فعل ما كان يجب الإمساك عنه أو ترك ما كان يجب فعله، من غير قصد إلى إحداث الضرر.
ولا تقتصر المسؤولية التقصيرية على فعل الشخص نفسه، بل قد تنشأ عن فعل أشخاص موضوعين تحت رقابته أو في عهدته، أو عن الحيوان أو الشيء الموجود في حراسته، أو عن تهدم البناء، كما تشمل مسؤولية الدولة والبلديات عن أخطاء المرفق، ومسؤولية المنتج عن الأضرار الناتجة عن عيب في منتوجه. وقد أدى تطور المجتمع وتعدد الأخطار المرتبطة بحوادث السير والمنتوجات والتقنيات الحديثة وأضرار الجوار والأنشطة المهنية إلى تزايد الأهمية العملية لهذه القواعد.

ومن ثم تثار الإشكالية الآتية: ما النظام القانوني للمسؤولية التقصيرية في قانون الالتزامات والعقود المغربي من حيث صورها وأركانها وقواعد إثباتها وآثارها، وما أهم أسباب الإعفاء منها أو الحد من آثارها؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، سنتناول:

في المبحث الأول أنواع المسؤولية التقصيرية وأركانها، ثم نخصص المبحث الثاني لآثارها وأسباب الإعفاء منها.

المبحث الأول: أنواع المسؤولية التقصيرية وأركانها

المطلب الأول: المسؤولية عن الفعل الشخصي

الفقرة الأولى: أركان المسؤولية عن الفعل الشخصي

تقوم المسؤولية عن الفعل الشخصي، وفق الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود، على ثلاثة أركان مترابطة هي الخطأ والضرر والعلاقة السببية. ولا يكفي ثبوت أحدها منفردا، بل يجب أن يجتمع الخطأ القابل للإسناد إلى المسؤول مع ضرر ثابت وأن يكون ذلك الخطأ السبب المباشر في حصول الضرر.

أولا: الخطأ.

يقصد به الانحراف عن السلوك الذي يفرضه القانون أو واجب الحيطة والتبصر، فالفصل 77 يتعلق بالفعل الصادر عن بينة واختيار ومن غير سماح القانون، في حين ينص الفصل 78 على الخطأ غير العمدي ويعرفه بأنه ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه من غير قصد إلى إحداث الضرر. ويقاس السلوك، في الأصل، بما كان سيفعله شخص معتاد متبصر وموضوع في الظروف الخارجية نفسها، مع مراعاة طبيعة النشاط والواجبات المهنية عند الاقتضاء. وقد يكون الخطأ إيجابيا، كإتلاف مال الغير، أو سلبيا، كالامتناع عن اتخاذ احتياط كان واجبا لمنع الضرر.

ثانيا: الضرر.

 

هو الأذى الذي يصيب المضرور في حق أو مصلحة مشروعة. وقد يكون ماديا، كالمساس بالجسم أو المال وما يترتب عنه من مصروفات وخسارة وكسب فائت، وقد يكون معنويا، كالمساس بالشرف أو السمعة أو العاطفة أو السلامة النفسية. ويشترط فيه أن يكون محققا، حالا أو مستقبلا متى كان وقوعه مؤكدا، وأن يكون شخصيا ومباشرا وألا يكون مجرد ضرر احتمالي محض.

ثالثا: العلاقة السببية.

 

يجب أن يثبت أن الخطأ كان السبب المباشر في الضرر، وهو شرط صريح في الفصلين 77 و78. فإذا استقل سبب أجنبي بإحداث الضرر انقطعت رابطة السببية، أما إذا تعددت الأسباب أو ساهم خطأ المضرور في النتيجة فإن المحكمة تقدر أثر كل سبب في نطاق القواعد المنظمة لتعدد المسؤولين والمساهمة في الضرر.
ومثال ذلك أن يلقي شخص جسماً من نافذة دون احتياط فيصيب أحد المارة؛ فيسأل متى ثبت خطؤه والضرر الجسدي أو المالي والرابطة المباشرة بينهما. ويلاحظ أن القاصر عديم التمييز وفاقد العقل لا يسألان مدنياً عن الأفعال الواقعة في حالة انعدام التمييز وفق الفصل 96، بينما يسأل القاصر المميز وذوو العاهات متى كانت لهم درجة التمييز اللازمة لتقدير نتائج أعمالهم وفق الفصلين 96 و97، دون أن يمنع ذلك من قيام مسؤولية من يتولى رقابتهم متى توافرت شروطها.

الفقرة الثانية: عبء الإثبات وبعض الصور الخاصة

يقع عبء إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية، في المسؤولية عن الفعل الشخصي، على عاتق المضرور تطبيقاً للقواعد العامة في الإثبات. ولما كانت الوقائع المادية تقبل الإثبات بمختلف الوسائل، جاز الاستناد إلى المحاضر والخبرة والشهادة والقرائن وغيرها، على أن يبقى تقدير كفاية الدليل للمحكمة. وهذا الأصل يختلف عن بعض المسؤوليات الخاصة التي ينقل فيها القانون إلى المسؤول عبء إثبات سبب الإعفاء أو يقرر نظاماً مشدداً حماية للمضرور.
ومن الصور الخاصة التي ينبغي إدراجها في هذا السياق مسؤولية الدولة والبلديات، أي الجماعات الترابية في الاصطلاح المعاصر، عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها طبقاً للفصل 79. أما مستخدمو الدولة والبلديات فيسألون شخصياً عن الأضرار الناتجة عن تدليسهم أو أخطائهم الجسيمة أثناء أداء الوظيفة وفق الفصل 80، ولا تجوز مطالبة الإدارة بتلك الأضرار إلا عند إعسار الموظف المسؤول. كما ينص الفصل 81 على مسؤولية القاضي مدنياً عن إخلاله بواجبات منصبه في الحالات التي تجوز فيها مخاصمته.

المطلب الثاني: المسؤولية عن فعل الغير وعن فعل الأشياء

الفقرة الأولى: المسؤولية عن فعل الغير

نظم الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود أهم حالات المسؤولية عن فعل الغير، وهي مسؤولية استثنائية لا تقوم إلا في الحالات وبالشروط التي يقررها القانون:

أولا: مسؤولية الأب ثم الأم بعد موته

 

. يسأل الأب، ثم الأم بعد وفاة الأب، عن الضرر الذي يحدثه أبناؤهما القاصرون الساكنون معهما. وقد أجاز القانون للأب أو الأم دفع المسؤولية بإثبات أنهما لم يتمكنا من منع وقوع الفعل الذي أدى إلى الضرر. لذلك فالصياغة الأدق ليست مجرد القول إن الأم تأتي بعد الأب في جميع الأحوال، وإنما إنها تسأل بعد موته وفق العبارة الصريحة للفصل 85.

ثانيا: مسؤولية المخدوم ومن يكلف غيره برعاية مصالحه.

 

يسأل المخدوم ومن يكلف غيره برعاية مصالحه عن الضرر الذي يحدثه الخادم أو المأمور في أداء الوظائف التي شغله فيها. ولا يشمل سبب الإعفاء الخاص الوارد في الفصل 85 هذه الحالة؛ لذلك لا يكفي المخدوم أن يثبت حسن اختياره أو رقابته، مع بقاء إمكان نفي شروط المسؤولية ذاتها أو إثبات سبب أجنبي يقطع العلاقة السببية.

ثالثا: مسؤولية أرباب الحرف.

 

يسأل أرباب الحرف عن الضرر الصادر عن متعلميهم خلال الوقت الذي يوجدون فيه تحت رقابتهم، ويجوز لهم، مثل الأب أو الأم، إثبات أنهم لم يتمكنوا من منع وقوع الفعل الضار.

رابعا: مسؤولية القائمين على رقابة فاقدي الإدراك.

 

يسأل الأب والأم وغيرهما من الأقارب أو الأزواج عن أضرار المجانين وغيرهم من مختلي العقل إذا كانوا يسكنون معهم ولو كانوا راشدين، ما لم يثبتوا أنهم باشروا الرقابة الضرورية، أو كانوا يجهلون خطورة المرض، أو أن الحادث وقع بخطأ المتضرر. ويسري الحكم نفسه على من تحمل بمقتضى عقد رعاية هؤلاء الأشخاص أو رقابتهم.

خامسا: مسؤولية المعلمين وموظفي الشبيبة والرياضة.

 

ينظمها الفصل 85 مكرر، لا الفصل 85. وفيها يجب على المدعي إثبات الخطأ أو عدم الحيطة أو الإهمال المنسوب إلى المعلم أو الموظف. وإذا تعلق الأمر برجال التعليم العام أو موظفي إدارة الشبيبة حلت مسؤولية الدولة محل مسؤوليتهم المدنية، مع إمكان رجوعها عليهم أو على الغير وفق القواعد العامة. وتخضع دعوى التعويض الخاصة بهذه الحالة لتقادم مدته ثلاث سنوات من يوم ارتكاب الفعل الضار.

الفقرة الثانية: المسؤولية عن فعل الأشياء والأنظمة الخاصة المرتبطة بها

 

أولا: مسؤولية حارس الحيوان.

 

ينص الفصل 86 على أن كل شخص يسأل عن الضرر الذي يسببه الحيوان الموجود تحت حراسته ولو ضل أو تشرد، ما لم يثبت اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنعه من إحداث الضرر أو لمراقبته، وأن الحادث نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ المتضرر.

ثانيا: مسؤولية حارس الأشياء.

 

طبقا للفصل 88، يسأل كل شخص عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته إذا ثبت أن الشيء كان السبب المباشر في الضرر. والحراسة هي السيطرة الفعلية على استعمال الشيء وتوجيهه ورقابته، ولا تلازم الملكية دائماً. وللإعفاء لا يكفي أن يثبت الحارس أنه بذل العناية الضرورية وحدها، بل يلزمه، وفق صياغة الفصل، أن يثبت كذلك أن الضرر يرجع إلى حادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ المتضرر. ومن أبرز تطبيقات هذه المسؤولية الأضرار الناشئة عن السيارات والآلات والأجهزة.

ثالثا: مسؤولية مالك البناء.

 

يرتب الفصل 89 المسؤولية عن انهيار البناء أو تهدمه الجزئي إذا كان ذلك راجعاً إلى القدم أو عدم الصيانة أو عيب في البناء، ويمد الحكم إلى بعض توابع العقار. وقد تنتقل المسؤولية إلى من التزم برعاية البناء بمقتضى عقد أو حق انتفاع أو حق عيني آخر، كما يتحملها الحائز الحالي عند النزاع في الملكية.

رابعا: أضرار الجوار.

 

يخول الفصل 91 للجيران طلب إزالة المحلات المضرة بالصحة أو المقلقة للراحة أو إجراء التغييرات اللازمة لرفع الضرر، ولا يمنع الترخيص الإداري من إقامة الدعوى. غير أن الفصل 92 يستبعد الأضرار العادية التي لا يمكن تجنبها ولا تتجاوز الحد المألوف للجوار.

خامسا: المسؤولية عن المنتوجات المعيبة.

 

أضاف المشرع نظاما خاصا في المقتضيات من 106-1 إلى 106-14، يقوم على مسؤولية المنتج عن الضرر الناتج عن عيب في منتوجه. ويجب على الضحية إثبات الضرر وكونه ناتجاً عن المنتوج المعيب، بينما حدد الفصل 106-9 أسباباً خاصة لانتفاء مسؤولية المنتج. كما اعتبرت المادة 106-13 باطلاً كل شرط يحدد أو يلغي أو يقلص مسؤولية المنتج أو المستورد تجاه الضحية، دون مساس بحقوقها المستمدة من القواعد العامة أو من نظام خاص آخر.

المبحث الثاني: آثار المسؤولية التقصيرية وأسباب الإعفاء منها

المطلب الأول: التعويض كأثر للمسؤولية التقصيرية

الفقرة الأولى: نطاق التعويض وصوره

متى توافرت أركان المسؤولية، نشأ حق المضرور في التعويض والتزام المسؤول بجبر الضرر. والأصل أن يكون التعويض كاملاً بقدر الضرر الثابت، فلا يقل عنه بما يترك جزءاً منه دون جبر ولا يزيد عليه بما يؤدي إلى إثراء المضرور. ويشمل التعويض الضرر المادي والضرر المعنوي متى ثبتا، وقد يكون نقدياً وهو الصورة الغالبة، كما قد يتحقق عينا متى أمكن ذلك وكان ملائماً، كإصلاح الشيء المتضرر أو إزالة مصدر الضرر، مع بقاء الأمر خاضعا لسلطة المحكمة ولطبيعة الحق المعتدى عليه.
وقد حدد الفصل 98 عناصر الضرر القابل للتعويض في الخسارة التي لحقت المدعي فعلاً، والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الضار، وما حرم منه من نفع في الحدود العادية لنتائج ذلك الفعل. وبذلك يشمل التعويض الخسارة اللاحقة والكسب الفائت والمصروفات المستقبلية المؤكدة، شريطة الإثبات ووجود رابطة مباشرة بالواقعة الضارة.

الفقرة الثانية: تقدير التعويض وتعدد المسؤولين وتقادم الدعوى

يخضع تقدير التعويض لسلطة قاضي الموضوع، استناداً إلى عناصر الإثبات والخبرة عند الحاجة. ويلزمه الفصل 98 أن يقدر الأضرار بكيفية مختلفة بحسب ما إذا كانت ناتجة عن خطأ أو عن تدليس، مع مراعاة طبيعة الضرر ومداه والنتائج المباشرة العادية للفعل. وإذا ساهم خطأ المضرور في إحداث الضرر جاز توزيع آثاره بحسب درجة المساهمة، أما إذا استغرق خطؤه السبب الآخر وأصبح السبب الوحيد للضرر انتفت مسؤولية المدعى عليه لانقطاع السببية.
وعند تعدد مرتكبي الضرر، يقرر الفصل 99 التضامن بينهم إذا عملوا متواطئين، دون تمييز بين المحرض والشريك والفاعل الأصلي. ويمتد الحكم، بمقتضى الفصل 100، إلى حالة تعدد المسؤولين مع تعذر تحديد الفاعل الأصلي أو النسبة التي ساهم بها كل واحد في الضرر. كما يقضي الفصل 105 بأن التركة تلتزم في الجريمة وشبه الجريمة بالالتزامات نفسها التي كانت على الموروث، في حدود القواعد المنظمة للتركة.
ومن أهم المسائل العملية تقادم دعوى التعويض. فطبقاً للفصل 106، تتقادم دعوى التعويض الناشئة عن جريمة أو شبه جريمة بمضي خمس سنوات من الوقت الذي بلغ فيه إلى علم المتضرر الضرر ومن هو المسؤول عنه، مع أجل خاص مدته خمس عشرة سنة بالنسبة إلى الأضرار الناجمة عن انفجار الألغام. وفي جميع الأحوال تسقط الدعوى بمضي عشرين سنة من تاريخ حدوث الضرر. ويجب تمييز هذا الحكم العام عن أجل الثلاث سنوات الخاص بالمسؤولية المنصوص عليها في الفصل 85 مكرر.

المطلب الثاني: أسباب الإعفاء من المسؤولية التقصيرية أو الحد منها

الفقرة الأولى: السبب الأجنبي

أولا: القوة القاهرة والحادث الفجائي.

 

يقضي الفصل 95 بعدم قيام المسؤولية إذا نتج الضرر عن حادث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقها أو يصاحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه. ويعرف الفصل 269 القوة القاهرة بأنها أمر لا يستطيع الإنسان توقعه ويجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، ولا يعد كذلك ما كان يمكن دفعه أو ما نتج عن خطأ سابق للمدين. وفي مجال المسؤولية التقصيرية يلزم أن يكون السبب خارجاً عن إرادة المسؤول، غير متوقع ولا يمكن دفعه، وأن يستقل بإحداث الضرر حتى يؤدي إلى الإعفاء الكلي.

ثانيا: خطأ المتضرر.

 

إذا كان خطأ المتضرر هو السبب الوحيد في الضرر انقطعت العلاقة السببية وأعفي المدعى عليه. أما إذا ساهم الخطآن معاً في النتيجة أمكن تخفيض التعويض بنسبة مساهمة المتضرر. وقد نص الفصل 106-11 صراحة، في مجال المنتوجات المعيبة، على إمكان تقليص مسؤولية المنتج أو إلغائها إذا اجتمع عيب المنتوج مع خطأ الضحية أو شخص تكون الضحية مسؤولة عنه.

ثالثا: فعل الغير.

 

يمكن أن يؤدي فعل شخص ثالث إلى الإعفاء متى كان هو السبب الوحيد في الضرر وتوافرت فيه خصائص السبب الأجنبي. أما مجرد مساهمة الغير فلا تكفي دائماً؛ بل إن الفصل 106-12 يقرر صراحة أن مسؤولية المنتج تجاه الضحية لا تتقلص بسبب وجود الغير الذي ساهم في وقوع الضرر. كما أن الفصل 88، في مسؤولية حارس الأشياء، لا يذكر فعل الغير سبباً مستقلاً للإعفاء، فلا ينتج أثره إلا إذا أمكن إدراجه ضمن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي وانقطعت به السببية.

الفقرة الثانية: الدفاع الشرعي وممارسة الحق وانعدام التمييز

أولا: الدفاع الشرعي.

 

لا محل للمسؤولية المدنية في حالة الدفاع الشرعي طبقاً للفصل 95. وقد عرفه القانون بأنه الحالة التي يجبر فيها الشخص على العمل لدفع اعتداء حال غير مشروع موجه إلى نفسه أو ماله أو إلى نفس الغير أو ماله. ويجب أن يظل الفعل في حدود ما يلزم لدفع الاعتداء؛ فإذا تجاوز الضرورة أو تحول إلى انتقام أمكن أن تقوم المسؤولية عن التجاوز.

ثانيا: الاستعمال المشروع للحق.

 

ينص الفصل 94 على عدم قيام المسؤولية إذا فعل الشخص، من غير قصد الإضرار، ما كان له الحق في فعله. غير أن المسؤولية تعود إذا كان استعمال الحق يسبب ضرراً فادحاً للغير وكان يمكن تجنبه أو إزالته من غير أذى جسيم لصاحب الحق، ولم يتخذ هذا الأخير ما يلزم لمنعه أو إيقافه. ويجسد هذا الحكم فكرة منع الاستعمال الضار أو التعسفي للحق.

ثالثا: انعدام التمييز.

 

يعفي الفصل 96 القاصر عديم التمييز وفاقد العقل من المسؤولية الشخصية عن الأفعال الواقعة في حالة انعدام الإدراك، بينما يسأل القاصر المميز وغيره من ذوي العاهات إذا كانت لديهم القدرة اللازمة لتقدير نتائج أعمالهم. غير أن انعدام مسؤولية الفاعل الشخصية لا يمنع من بحث مسؤولية من يتولى رقابته وفق الفصل 85.

رابعا: حالة الضرورة.

 

لا ينظم الفصل 95 حالة الضرورة بنص صريح، بخلاف الدفاع الشرعي والقوة القاهرة والحادث الفجائي. لذلك لا يصح تقرير الإعفاء فيها بصورة آلية؛ وإنما تقدر آثارها بالرجوع إلى القواعد العامة، ولا سيما وجود الخطأ والسببية، وطبيعة الخطر، ومدى حتمية الفعل وتناسب الضرر المدفوع مع الضرر المحدث.
ويضاف إلى ذلك أن الفصلين 77 و78 يعتبران كل شرط مخالف لقواعد المسؤولية الواردة فيهما عديم الأثر، كما تبطل المادة 106-13 شروط الإعفاء أو التحديد أو التقليص من مسؤولية المنتج أو المستورد تجاه الضحية. ويؤكد ذلك الطابع الحمائي لقواعد المسؤولية التقصيرية وعدم جواز التحلل منها مسبقاً على نحو يهدر حق المضرور.

خاتمة

يتضح أن المسؤولية التقصيرية في قانون الالتزامات والعقود المغربي ليست نظاما واحدا بسيطا، بل بناء قانوني متكامل يبدأ بالقاعدة العامة للمسؤولية عن الفعل والخطأ في الفصلين 77 و78، ويمتد إلى مسؤوليات خاصة عن فعل الغير والحيوان والأشياء والبناء وأخطاء المرافق العامة والمنتوجات المعيبة. وتقوم المسؤولية، في أصلها، على اجتماع الخطأ والضرر والعلاقة السببية، غير أن المشرع يخفف أحيانا عبء الإثبات عن المضرور أو ينقله إلى الحارس أو المسؤول، بحسب طبيعة الخطر ومركز الأطراف.
ويظل التعويض الأثر المركزي لهذه المسؤولية، إذ يهدف إلى جبر الخسارة والمصروفات والكسب الفائت والضرر المعنوي في الحدود التي يثبتها المضرور وترتبط مباشرة بالفعل الضار. وفي المقابل، يحقق النظام قدرا من التوازن بإقرار الإعفاء عند ثبوت السبب الأجنبي أو الدفاع الشرعي أو انتفاء التمييز، مع التضييق من أثر شروط الإعفاء الاتفاقية حماية للضحية. كما يعالج تعدد المسؤولين والتضامن بينهم وتقادم دعوى التعويض، وهي عناصر ضرورية لاكتمال التصور القانوني للموضوع.
وتبرز راهنية هذه القواعد مع تنامي الأضرار المرتبطة بالتقنيات الحديثة والمنتوجات المعقدة والبيئة والأنشطة المهنية، مما يجعل تفسير مفاهيم الحراسة والسببية والضرر المستقبلي وتوزيع المخاطر مجالا دائما لاجتهاد القضاء. لذلك تظل فعالية المسؤولية التقصيرية رهينة تطبيق يوازن بين ضمان جبر عادل وفعلي للمضرور، وعدم تحميل المسؤول نتائج لا ترتبط بفعله أو بالخطر الذي يسيطر عليه.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق