مقدمة
يعد الإثبات من أدق المسائل القانونية وأكثرها اتصالا بالحماية القضائية للحقوق، إذ لا تكفي نشأة الحق أو الالتزام في الواقع ما لم يستطع صاحبه إقامة الدليل عليه عند المنازعة فيه. ومن ثم قيل إن الدليل هو قوام الحق أمام القضاء، لأن القاضي لا يبني حكمه على مجرد الادعاء، وإنما على ما يعرض عليه من وسائل إثبات منتجة ومقبولة قانونا. ولهذا وضع المشرع المغربي قواعد عامة لتوزيع عبء الإثبات، فنص الفصل 399 من قانون الالتزامات والعقود على أن إثبات الالتزام يقع على مدعيه، ثم أوجب الفصل 400 على من يدعي انقضاء الالتزام أو عدم نفاذه تجاهه، بعد ثبوت وجوده، أن يثبت ادعاءه.
وفي هذا الإطار، حدد الفصل 404 من قانون الالتزامات والعقود وسائل الإثبات التي يقررها القانون في إقرار الخصم، والحجة الكتابية، وشهادة الشهود، والقرينة، واليمين والنكول عنها.
وإذا كانت بعض هذه الوسائل تقدم للقاضي دليلا مباشرا، كالكتابة أو الإقرار، فإن القرينة تقوم على طريق غير مباشر في الإثبات، إذ تنتقل من واقعة ثابتة أو معلومة إلى واقعة أخرى مجهولة يراد الوقوف على وجودها. وبذلك تسمح القرائن بمواجهة الحالات التي يتعذر فيها الوصول إلى الحقيقة بواسطة دليل مباشر، مع إخضاع الاستنتاج لشروط تضمن جديته وسلامته.
وتنبع الأهمية العملية للقرائن من كون النزاعات لا تقدم دائما في صورة محررات كاملة أو شهادات حاسمة، فقد تكشف ظروف الأداء، أو سلوك الأطراف، أو الحيازة، أو تتابع الوقائع، عن حقيقة لا يصرح بها دليل واحد. فالرسائل المتبادلة، واستمرار شخص في حيازة المبيع بعد عقد يدعى أنه جدي، وعدم وجود أثر لأداء الثمن، وتفاوت السعر بصورة غير مألوفة، قد تتضافر مثلا لتكوين قرائن على صورية التصرف، متى كانت قوية وخالية من اللبس أو متعددة ومتوافقة.
وقد نظم المشرع المغربي القرائن في الفرع الرابع من القسم السابع المتعلق بإثبات الالتزامات وإثبات البراءة منها، وذلك في الفصول 449 إلى 459، مع وجود الفصل 456 مكرر. أما الفصل 460 فلا يدخل في تنظيم القرائن، لأنه يفتتح الفرع الخامس المتعلق باليمين. وميز القانون، بحسب مصدر الاستنباط، بين القرائن التي يقررها المشرع والقرائن التي لم يقررها القانون ويستخلصها القاضي، كما حدد أثر كل نوع وشروط الاحتجاج به.
وعليه، تطرح هذه الدراسة الإشكالية التالية: ما هو النظام القانوني للقرائن كوسيلة من وسائل الإثبات في قانون الالتزامات والعقود المغربي؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، سنتناول في المبحث الأول مفهوم القرائن وأنواعها، ثم نتطرق في المبحث الثاني لحجية القرائن وقرينة حجية الشيء المقضي به.
المبحث الأول: مفهوم القرائن وأنواعها
يقتضي تحديد النظام القانوني للقرائن البدء بضبط مدلولها والعناصر التي تقوم عليها، ثم بيان صورها تبعا للجهة التي تستخلصها. لذلك سنعرض في المطلب الأول لتعريف القرينة وأساسها القانوني، على أن نخصص المطلب الثاني لأنواعها.
المطلب الأول: تعريف القرينة وأساسها القانوني
لا يتضح موقع القرينة بين وسائل الإثبات إلا بالوقوف على تعريفها التشريعي وبيان طبيعتها غير المباشرة، ثم تمييزها عن الكتابة والشهادة والإقرار وباقي الوسائل التي عددها الفصل 404.
الفقرة الأولى: تعريف القرينة
نص الفصل 449 من قانون الالتزامات والعقود على أن: «القرائن دلائل يستخلص منها القانون أو القاضي وجود وقائع مجهولة». ويستفاد من هذا التعريف أن القرينة تقوم على عملية استنتاج منطقي تنطلق من واقعة معلومة وثابتة، تسمى الواقعة الدالة أو الواقعة الأساسية، للوصول إلى واقعة أخرى مجهولة هي الواقعة المراد إثباتها. وعلى الرغم من أن الفصل 449 لم يورد عبارة «الواقعة المعلومة» صراحة، فإن وجودها لازم منطقيا، لأنه لا يمكن استنتاج المجهول من غير أمر ثابت يصلح أساسا للاستدلال.
وتتكون القرينة، تبعا لذلك، من ثلاثة عناصر مترابطة: واقعة معلومة يثبت وجودها، وواقعة مجهولة يراد إثباتها، ورابطة منطقية أو قانونية تسمح بالانتقال من الأولى إلى الثانية. فإذا حدد القانون هذه الرابطة والنتيجة المترتبة عنها كنا أمام قرينة قانونية، أما إذا استخلص القاضي تلك العلاقة من ظروف النازلة وملابساتها كنا أمام قرينة قضائية.
ومن الأمثلة الواقعية على ذلك أن معاينة آثار فرملة طويلة، وشدة الاصطدام، ومكان تناثر أجزاء المركبتين، وتسجيلات المراقبة، قد تشكل مجتمعة وقائع معلومة يستخلص منها القاضي أن السائق كان يسير بسرعة غير ملائمة وأن هذه السرعة أسهمت في وقوع الحادث. ولا تكون حالة السكر أو السرعة، كل واحدة على حدة، دليلا حاسما بالضرورة على مسؤولية السائق، بل ينبغي أن تتصل القرائن بعلاقة السببية وأن تكون منتجة في النزاع.
الفقرة الثانية: الأساس القانوني للقرائن والتمييز بينها وبين وسائل الإثبات الأخرى
يجد نظام القرائن أساسه العام في الفصل 404 الذي عد القرينة من وسائل الإثبات، ثم في الفصول 449 إلى 459 التي بينت مفهومها وأقسامها وآثارها وبعض تطبيقاتها. فالفصل 449 يحدد مصدر الاستنباط في القانون أو القاضي، والفصل 450 يبين مجالات القرينة القانونية، والفصول 451 إلى 453 تنظم قوة الشيء المقضي وأثر القرينة القانونية، بينما يحدد الفصلان 454 و455 ضوابط القرائن التي لم يقررها القانون. ثم تقرر الفصول 456 إلى 459، ومعها الفصل 456 مكرر، قواعد خاصة مرتبطة بحيازة المنقول وحسن النية وتنازع الحائزين والسندات.
وتختلف القرائن عن وسائل الإثبات الأخرى في طبيعة الدلالة التي تقدمها. فالكتابة تنقل مضمونا مثبتا في محرر، وشهادة الشهود تقوم على إخبار شخص بما أدركه بحواسه، والإقرار يصدر عن الخصم ويتضمن اعترافا بحق أو واقعة ضده، واليمين تحتكم إلى ضمير من توجه إليه وفق قواعدها. أما القرينة فلا تثبت الواقعة محل النزاع مباشرة، بل تكشف عنها بطريق الاستنتاج من وقائع أخرى ثابتة.
كما تتميز القرينة بأن مصدرها قد يكون نصا تشريعيا أو اقتناعا قضائيا منضبطا. ففي الحالة الأولى يتولى المشرع مسبقا تحديد الواقعة الدالة والنتيجة المترتبة عنها، فيضيق مجال تقدير القاضي. وفي الحالة الثانية يكون القاضي هو الذي يقدر قوة الدلالة واتصالها بالواقعة المطلوب إثباتها، مع تقيده بالشروط التي وضعها الفصل 454 وإمكان تعضيد القرينة باليمين وفق الفصل 455.
المطلب الثاني: أنواع القرائن
يؤدي اختلاف الجهة التي تتولى الاستنباط إلى التمييز بين القرائن القانونية والقرائن القضائية. ويتحدد أثر هذا التمييز في مدى سلطة القاضي، وفي انتقال عبء الإثبات، وفي إمكان تقديم دليل معاكس.
الفقرة الأولى: القرائن القانونية
القرائن القانونية هي النتائج التي يربطها المشرع بأفعال أو وقائع معينة. ولم يقتصر الفصل 450 على وضع تعريف عام لها، بل حدد صورها في ثلاثة مجالات:
أولها التصرفات التي يقضي القانون ببطلانها بالنظر إلى مجرد صفاتها، لافتراض وقوعها مخالفة لأحكامه، وثانيها الحالات التي ينص فيها القانون على أن الالتزام أو التحلل منه ينتج من ظروف معينة، كالتقادم، وثالثها الحجية التي يمنحها القانون للشيء المقضي.
ومن الناحية الفقهية، يمكن تقسيم القرائن القانونية بحسب إمكان دحضها إلى قرائن قاطعة لا يقبل إثبات ما يخالفها، وقرائن بسيطة أو قابلة لإثبات العكس عندما يسمح نص خاص بذلك. ويجب تطبيق هذا التقسيم في ضوء النصوص المنظمة لكل قرينة، فالفصل 453 يقرر أن القرينة القانونية تعفي من تقررت لمصلحته من كل إثبات وأنه لا يقبل أي إثبات يخالفها، غير أن الفصل 456 يقدم تطبيقا صريحا لقرينة قابلة للدحض، إذ يفترض في حائز المنقول بحسن نية أنه اكتسبه بطريق قانوني وعلى وجه صحيح، ويضع على من يدعي العكس عبء إقامة الدليل.
ويضيف الفصل 456 أن حسن النية لا يفترض فيمن كان يعلم، أو كان يجب عليه أن يعلم عند تلقي المنقول، أن من تلقاه منه لا يملك حق التصرف فيه. فلو اشترى شخص هاتفا جديدا بثمن زهيد جدا من بائع مجهول في ظروف تثير الريبة، دون فاتورة أو ما يثبت مصدره، جاز الاستناد إلى مجموع هذه الملابسات لإثبات أنه كان يعلم أو كان ينبغي أن يعلم بعدم مشروعية التصرف، فتزول عنه الحماية التي ترتبها قرينة حسن النية.
كما نظم الفصل 456 مكرر حالة الشيء الضائع أو المسروق، فأجاز لصاحبه استرداده خلال ثلاث سنوات من يوم الضياع أو السرقة ممن يوجد الشيء بين يديه، مع حق هذا الأخير في الرجوع على من تلقاه منه. وقرر الفصل 457، عند حسن نية الطرفين، ترجيح جانب الحائز إذا كان حسن النية وقت اكتساب الحيازة ولو كان سنده لاحقا في التاريخ. أما الفصل 458 فيرجح، عند عدم ثبوت الحيازة لأحد وتساوي السندات، من كان سنده أسبق تاريخا، ويرجح السند الثابت التاريخ على غيره. ويعطي الفصل 459، عند تمثيل الأشياء بشهادات إيداع أو بوليصات نقل أو سندات مشابهة، الأفضلية لحائز الأشياء على حائز السند متى كان كلاهما حسن النية وقت اكتساب الحيازة.
الفقرة الثانية: القرائن القضائية (قرائن الواقع)
القرائن القضائية، أو قرائن الواقع، هي التي لم يقررها القانون مسبقا، وإنما يستخلصها القاضي من وقائع الدعوى وملابساتها في حدود سلطته في تقدير الأدلة. وقد نص الفصل 454 على أنها موكولة لحكمة القاضي، لكنه لم يترك هذه السلطة من غير ضابط، إذ لا يقبل القاضي إلا القرائن القوية الخالية من اللبس، أو القرائن المتعددة التي حصل التوافق بينها. وبذلك فالنص يجيز الاعتماد إما على قرينة واحدة متى كانت قوية وخالية من اللبس، وإما على عدة قرائن متوافقة، ولا يشترط اجتماع القوة والتعدد والتوافق في كل حالة بصورة تراكمية.
كما صرح الفصل 454 بأن إثبات العكس سائغ ويمكن حصوله بكافة الطرق. وهذا ما يميز القرائن القضائية عن القرائن القانونية القاطعة، لأن الخصم يستطيع مواجهة الاستنتاج القضائي بتفسير بديل مدعم أو بحجج تنفي الواقعة المستخلصة. ويضيف الفصل 455 ضمانة أخرى، إذ يجوز للقاضي، متى رأى وجوب ذلك، ألا يقبل القرائن ولو كانت قوية وخالية من اللبس ومتوافقة إلا إذا تأيدت بيمين ممن يتمسك بها.
ومن الأمثلة العملية أن يدعي أحد المتعاقدين صورية عقد بيع بين أقارب، فيلاحظ القاضي أن البائع ظل واضعا يده على المبيع ويتصرف فيه، وأن الثمن المصرح به يقل كثيرا عن القيمة المعتادة، وأن الحسابات البنكية لا تكشف عن أداء، وأن المشتري لم يتحمل أي نفقات مرتبطة بالملكية. قد لا تكفي واقعة واحدة من هذه الوقائع، لكن توافقها يمكن أن يشكل قرائن قضائية على الصورية، مع بقاء حق الطرف الآخر في إثبات أن الأداء تم نقدا أو أن استمرار البائع في الحيازة كان مبنيا على اتفاق مستقل.
ومع ذلك، يتعين استعمال القرائن القضائية مع احترام القواعد العامة الآمرة في الإثبات، ولا سيما الحالات التي يفرض فيها القانون شكلا معينا أو كتابة لازمة، فلا يجوز جعل الاستنتاج وسيلة للالتفاف على الشكل القانوني. كما أن الفصل 456 لا يقيد القرائن القضائية بالحالات التي يجوز فيها الإثبات بشهادة الشهود، فهذا الفصل، بحسب نصه، يتعلق بقرينة اكتساب حائز المنقول حسن النية للشيء بطريق قانوني وعلى وجه صحيح.
المبحث الثاني: حجية القرائن وقرينة حجية الشيء المقضي به
بعد تحديد مفهوم القرائن وأنواعها، يطرح أثرها في النزاع: هل تعفي صاحبها من الإثبات؟ وهل يجوز للخصم نقضها؟ وما حدود سلطة القاضي في اعتمادها؟ وسنعالج هذه المسائل في المطلب الأول، ثم نفرد المطلب الثاني لقوة الشيء المقضي باعتبارها من أبرز القرائن القانونية.
المطلب الأول: حجية القرائن في الإثبات
تختلف حجية القرينة تبعا لمصدرها. فالقرينة القانونية تستمد قوتها من النص وتؤثر مباشرة في عبء الإثبات، بينما تستمد القرينة القضائية قيمتها من قوة الوقائع التي بني عليها الاستنتاج ومن سلامة تعليل القاضي.
الفقرة الأولى: حجية القرائن القانونية
قرر الفصل 453 أن القرينة القانونية تعفي من تقررت لمصلحته من كل إثبات، وأنه لا يقبل أي إثبات يخالفها. والمقصود بهذا الإعفاء أن المستفيد لا يطالب بإقامة الدليل المباشر على الواقعة التي استخلصها القانون، غير أنه يظل ملزما، عند المنازعة، بإثبات الواقعة الأساسية التي يتوقف عليها قيام القرينة. فالقرينة لا تعمل في الفراغ، بل لا بد من ثبوت شروطها ومجال تطبيقها.
ففي قرينة الفصل 456، يكفي الحائز أن يثبت حيازته للمنقول حتى يستفيد، من حيث المبدأ، من افتراض اكتسابه بطريق قانوني وعلى وجه صحيح، فينتقل عبء الإثبات إلى من ينازعه. فإذا أثبت المدعي أن الحائز كان يعلم أو كان ينبغي أن يعلم أن ناقل الشيء لا يملك حق التصرف فيه، انتفت قرينة حسن النية. وهذا مثال واضح على أن قوة القرينة القانونية تحددها صياغة النص الخاص الذي أنشأها.
أما القرائن القانونية القاطعة، وفي مقدمتها قوة الشيء المقضي متى استوفت نطاقها وشروطها، فلا يجوز نقضها بمجرد تقديم دليل جديد في دعوى مطابقة، لأن السبيل المشروع لمراجعة الحكم يكون عبر طرق الطعن التي يحددها القانون، لا بإعادة عرض النزاع نفسه في دعوى جديدة. وعلى هذا الأساس تحقق القرينة القانونية وظيفتين: تسهيل الإثبات عبر نقل عبئه أو الإعفاء منه، وتحقيق الاستقرار في المراكز القانونية متى جعلها المشرع قاطعة.
الفقرة الثانية: حجية القرائن القضائية
تخضع القرائن القضائية لتقدير قاضي الموضوع، فهو الذي يحدد ما إذا كانت الوقائع الثابتة تسمح منطقيا باستخلاص الواقعة المجهولة. غير أن هذه السلطة ليست مطلقة، إذ قيدها الفصل 454 بقبول القرينة القوية الخالية من اللبس، أو القرائن المتعددة التي حصل التوافق بينها. ولذلك يجب أن تكون الواقعة المستدل بها ثابتة ومنتجة، وأن يكون الانتقال منها إلى النتيجة معقولا، وألا يقوم الاستنتاج على مجرد الاحتمال البعيد أو الافتراض المجرد.
وحجية القرائن القضائية ليست قاطعة، لأن الفصل 454 يجيز إثبات العكس بكافة الطرق. فقد يستنتج القاضي من استمرار شخص في استغلال محل بعد تاريخ ادعى فيه تسليمه أنه لم ينفذ التزامه بالإفراغ، لكن يمكن لهذا الشخص أن يثبت أن وجوده كان مؤقتاً وبإذن المالك أو لتصفية منقولاته. فالقيمة الإثباتية للقرينة تبقى مرتبطة بقدرتها على الصمود أمام التفسير المضاد والأدلة المقابلة.
وإذا رأى القاضي أن القرائن، رغم جديتها، تحتاج إلى مزيد من الاطمئنان، جاز له تطبيق الفصل 455 واشتراط تأييدها بيمين ممن يتمسك بها. وتؤدي هذه الإمكانية إلى الجمع بين الاستنتاج الموضوعي من وقائع الدعوى والضمانة الشخصية المتمثلة في اليمين، مع بقاء القرار النهائي في تقدير القاضي وفق ظروف كل نازلة.
المطلب الثاني: قرينة حجية الشيء المقضي به
خص المشرع قوة الشيء المقضي بتنظيم دقيق ضمن القرائن القانونية، نظرا لما تحققه من استقرار للأحكام ومنع لتجدد المنازعة. ويتطلب بيانها تحديد نطاقها أولا، ثم الوقوف على شروط الاتحاد الثلاثي وآلية التمسك بها.
الفقرة الأولى: مفهوم حجية الشيء المقضي به ونطاقها
تعد قوة الشيء المقضي من أهم التطبيقات التي أوردها الفصل 450 ضمن القرائن القانونية. وقد نص الفصل 451 على أن قوة الشيء المقضي لا تثبت إلا لمنطوق الحكم، ولا تقوم إلا بالنسبة إلى ما جاء فيه أو ما يعتبر نتيجة حتمية ومباشرة له. وبذلك لا تشمل الحجية كل ما ورد في أسباب الحكم على إطلاقه، وإنما تنصرف أساسا إلى ما فصل فيه المنطوق، وتمتد فقط إلى ما يرتبط به ارتباطا حتميا ومباشرا.
ومؤدى هذه الحجية أن المسألة التي فصل فيها القضاء، واستجمعت شروط وحدة الأطراف والموضوع والسبب، لا يجوز إعادة طرحها في دعوى جديدة بقصد الوصول إلى نتيجة مناقضة. وتهدف هذه القاعدة إلى استقرار المعاملات والمراكز القانونية، ومنع تضارب الأحكام، وحماية الثقة في القضاء، فضلا عن الاقتصاد في الوقت والجهد القضائيين.
غير أن الفصل 452 أضفى على الدفع بقوة الأمر المقضي طبيعة إجرائية واضحة، إذ لا يعتبر هذا الدفع إلا إذا تمسك به من له مصلحة في إثارته، ولا يسوغ للقاضي أن يأخذ به من تلقاء نفسه. فإذا أقيمت دعوى مطابقة لدعوى سبق الفصل فيها، وجب على الخصم ذي المصلحة أن يثير الدفع ويبين عناصر الاتحاد، بدلا من انتظار المحكمة لتقرره تلقائيا.
الفقرة الثانية: شروط حجية الشيء المقضي به
اشترط الفصل 451 لقيام قوة الشيء المقضي تحقق ما يعرف بالاتحاد الثلاثي بين الدعويين، أي اتحاد الشيء المطلوب، واتحاد السبب، واتحاد الخصوم والصفة. ولا يكفي تشابه الدعويين أو ارتباطهما العام، بل يجب التحقق من العناصر الثلاثة كما حددها النص.
أولا: اتحاد الأطراف والصفة. يجب أن تقوم الدعوى الثانية بين نفس الخصوم، وأن تكون مرفوعة منهم وعليهم بنفس الصفة التي كانوا يتقاضون بها في الدعوى الأولى. فمن كان طرفا بصفته الشخصية لا يعد بالضرورة الطرف نفسه إذا عاد إلى التقاضي بصفته نائبا عن شركة أو وليا أو ممثلا لتركة. ويعتبر في حكم الخصوم ورثتهم وخلفاؤهم عندما يباشرون حقوقا انتقلت إليهم منهم، باستثناء حالة التدليس والتواطؤ وفق الفقرة الأخيرة من الفصل 451.
ثانيا: اتحاد الموضوع أو الشيء المطلوب. ينبغي أن يكون الطلب في الدعوى الثانية هو نفسه الذي سبق عرضه والفصل فيه. فإذا طلب بائع في الدعوى الأولى أداء ثمن بيع معين وصدر حكم في هذا الطلب، امتنع عليه إعادة المطالبة بالثمن نفسه في دعوى جديدة مستندة إلى العقد ذاته. أما إذا تعلقت الدعوى الثانية بتعويض عن ضرر مستقل وقع لاحقا، فقد يختلف الموضوع ولا تقوم الحجية لمجرد وجود العلاقة التعاقدية نفسها.
ثالثا: اتحاد السبب. يجب أن تؤسس الدعوى الثانية على السبب القانوني والواقعي نفسه الذي قامت عليه الدعوى الأولى. فإذا رفض طلب أداء مبلغ لعدم ثبوت قرض معين، لم يجز إعادة الطلب نفسه بين الأطراف أنفسهم بناء على القرض ذاته مع مجرد إعادة ترتيب الحجج. أما إذا كان المبلغ مطلوبا لاحقا على أساس واقعة قانونية مختلفة فعلا، كإثراء بلا سبب تتوافر عناصره بصورة مستقلة، تعين فحص اختلاف السبب بدقة قبل تقرير الحجية.
ويمكن توضيح اجتماع الشروط بمثال عملي: إذا طالب مكتر مالكا برد مبلغ ضمان ناشئ عن عقد كراء محدد، وصدر حكم نهائي في الطلب، ثم أعاد المكترى رفع الدعوى على المالك نفسه وبالصفة نفسها لرد المبلغ ذاته واستنادا إلى العقد والواقعة نفسيهما، تحققت وحدة الأطراف والموضوع والسبب، وجاز للمالك أن يدفع بقوة الأمر المقضي. أما إذا كانت الدعوى الجديدة تتعلق بضمان آخر أو فترة كرائية أخرى، فإن اختلاف الموضوع أو السبب يمنع تطبيق الحجية.
خاتمة
يتبين مما سبق أن القرائن تحتل مكانة أساسية ضمن منظومة الإثبات في قانون الالتزامات والعقود المغربي، لأنها تمكن من الوصول إلى الحقيقة القانونية بطريق الاستدلال عندما يغيب الدليل المباشر أو لا يكون كافيا وحده. وقد أحسن المشرع التمييز بين القرائن التي يقررها القانون والقرائن التي يستخلصها القاضي، فربط الأولى بالنص وآثاره في عبء الإثبات، وأخضع الثانية لحكمة القاضي مع اشتراط القوة والخلو من اللبس أو تعدد القرائن وتوافقها، وإجازة إثبات العكس بكافة الطرق.
كما يتضح أن التنظيم التشريعي للقرائن يمتد من الفصل 449 إلى الفصل 459، مع الفصل 456 مكرر، في حين يخص الفصل 460 اليمين. وقد استكمل الفصل 455 نظام القرائن القضائية بإمكان اشتراط يمين من يتمسك بها، بينما خص الفصل 456 حائز المنقول حسن النية بقرينة اكتسابه بطريق قانوني، قابلة للدحض وفق الشروط الواردة فيه. وتكشف هذه المقتضيات عن سعي المشرع إلى التوفيق بين مرونة الإثبات وضمان عدم بناء الأحكام على مجرد الظن.
وتظل قوة الشيء المقضي أبرز صور القرائن القانونية لما توفره من أمن قضائي واستقرار للمراكز القانونية، غير أن آثارها لا تقوم إلا داخل الحدود التي رسمها الفصلان 451 و452: انصرافها إلى منطوق الحكم وما يعد نتيجة حتمية ومباشرة له، وتحقق اتحاد الشيء المطلوب والسبب والخصوم والصفة، وتمسك صاحب المصلحة بها. وهكذا تؤدي القرائن وظيفة مزدوجة، فهي من جهة أداة عملية لتيسير الإثبات وكشف الواقع، ومن جهة أخرى وسيلة لضبط الخصومة وحماية استقرار المعاملات والأحكام.













