صلاحيات ضباط الشرطة القضائية خلال البحث التمهيدي التلبسي

حدود تدخل ضباط الشرطة القضائية أثناء البحث التمهيدي التلبسي في ضوء قانون المسطرة الجنائية المغربي

شرطي من الشرطة القضائية يقف في مسرح جريمة بجانب أدلة جنائية ورموز العدالة، مع عنوان إنجليزي عن صلاحيات الشرطة القضائية في حالة التلبس.

مقدمة

تعتبر مرحلة البحث التمهيدي اللبنة الأساسية في مسار الدعوى العمومية، حيث يتم خلالها التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها. وقد ميز المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية بين نوعين من البحث التمهيدي: البحث التمهيدي العادي، والبحث التمهيدي في حالة التلبس. وتكتسي حالة التلبس خطورة بالغة نظراً لقرب العهد بارتكاب الجريمة ووجود أدلة مادية ملموسة، مما دفع المشرع إلى منح ضباط الشرطة القضائية صلاحيات استثنائية وواسعة للتدخل السريع والفعال للحفاظ على معالم الجريمة وضبط الفاعلين.
وتبرز أهمية هذا الموضوع في الموازنة الدقيقة التي أقامها المشرع بين ضرورة مكافحة الجريمة وحماية أمن المجتمع من جهة، وبين صيانة الحقوق والحريات الفردية من جهة أخرى.

الإشكالية: ما هي طبيعة الصلاحيات الاستثنائية المخولة لضباط الشرطة القضائية في حالة التلبس بجناية أو جنحة؟ وما هي الضمانات المقررة لحماية حقوق المشتبه فيهم خلال هذه المرحلة؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، سنعتمد التصميم التالي:
•المبحث الأول: الصلاحيات الماسة بحرمة المسكن وحرية الأشخاص
•المبحث الثاني: الصلاحيات المتعلقة بجمع الأدلة والحفاظ عليها

المبحث الأول: الصلاحيات الماسة بحرمة المسكن وحرية الأشخاص

خول المشرع المغربي لضابط الشرطة القضائية في حالة التلبس صلاحيات تمس بشكل مباشر الحقوق اللصيقة بالشخص، كحرمة مسكنه وحريته في التنقل، وذلك لضرورات البحث.

المطلب الأول: تفتيش المنازل وحجز الأشياء

يعتبر تفتيش المنازل من أهم الإجراءات المسطرية التي يترتب عنها المساس بحرمة المسكن المضمونة دستوريا.

الفقرة الأولى: شروط وإجراءات التفتيش

نظم المشرع المغربي في الفصول من 59 إلى 62 من قانون المسطرة الجنائية إجراءات التفتيش في حالة التلبس. ويشترط لإجرائه أن يتعلق الأمر بجناية أو جنحة متلبس بها، وأن يتم التفتيش في الأوقات القانونية (من السادسة صباحا إلى التاسعة ليلا) باستثناء الحالات التي نص عليها القانون. كما يجب أن يتم التفتيش بحضور صاحب المنزل أو ممثله أو شاهدين أجنبيين عن الشرطة القضائية. وفي حالة التلبس، لا يشترط المشرع الحصول على الموافقة الكتابية لصاحب المنزل، بخلاف البحث التمهيدي العادي.

الفقرة الثانية: حجز الأشياء والأدلة

يخول القانون لضابط الشرطة القضائية حجز كل الأشياء والوثائق التي لها علاقة بالجريمة أو التي من شأنها كشف الحقيقة. ويجب عليه إحصاء الأشياء المحجوزة ووضعها في غلاف مختوم، وتحرير محضر بذلك يوقعه هو والأشخاص الذين حضروا التفتيش. وتعتبر هذه المحجوزات وسائل إثبات هامة تعرض على المحكمة لاحقا.

المطلب الثاني: الوضع تحت الحراسة النظرية

يعتبر الوضع تحت الحراسة النظرية من أخطر الإجراءات الماسة بالحرية الفردية خلال مرحلة البحث التمهيدي.

الفقرة الأولى: مبررات وشروط الحراسة النظرية

نصت المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية على أنه يمكن لضابط الشرطة القضائية، إذا دعت ضرورة البحث إلى ذلك، أن يحتفظ بشخص أو عدة أشخاص ممن أشار إليهم القانون رهن إشارته. ويشترط أن تكون هناك دلائل قوية ومطابقة تدل على مشاركة الشخص في الجريمة. ويجب إشعار النيابة العامة فورا بهذا الإجراء، كما يجب إشعار عائلة الموقوف فور اتخاذ القرار.

الفقرة الثانية: مدد الحراسة النظرية وضماناتها

حدد المشرع مدة الحراسة النظرية في الجرائم العادية في 48 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة لمدة 24 ساعة بإذن كتابي من النيابة العامة. وترتفع هذه المدة في جرائم أمن الدولة (96 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة) وجرائم الإرهاب (96 ساعة قابلة للتمديد مرتين). وقد أحاط المشرع هذا الإجراء بضمانات هامة، منها حق الموقوف في التزام الصمت، وحقه في الاستفادة من المساعدة القانونية (محام)، وحقه في الفحص الطبي.

المبحث الثاني: الصلاحيات المتعلقة بجمع الأدلة والحفاظ عليها

إلى جانب الصلاحيات الماسة بالحقوق والحريات، يتمتع ضابط الشرطة القضائية بصلاحيات واسعة لجمع الأدلة والحفاظ عليها في حالة التلبس.

المطلب الأول: الانتقال إلى عين المكان والمعاينات

يعتبر الانتقال الفوري إلى مكان ارتكاب الجريمة أول إجراء يقوم به ضابط الشرطة القضائية عند إخباره بحالة التلبس.

الفقرة الأولى: المحافظة على مسرح الجريمة

بموجب المادة 57 من قانون المسطرة الجنائية، يجب على ضابط الشرطة القضائية الانتقال فورا إلى مكان الجريمة، وعليه أن يحافظ على الأدلة والآثار الموجودة به. ويمنع على أي شخص غير مرخص له تغيير حالة الأماكن أو إزالة الأشياء قبل القيام بالمعاينات الأولية، تحت طائلة العقوبات الجنائية.

الفقرة الثانية: إجراء المعاينات المادية

يقوم ضابط الشرطة القضائية بإجراء المعاينات المادية اللازمة، كأخذ البصمات، وأخذ الصور، ورسم المخططات. ويمكنه الاستعانة بخبراء وتقنيين لإجراء المعاينات التي تتطلب خبرة خاصة، كرفع البصمات الجينية أو فحص الآثار الدموية، وذلك بعد أداء هؤلاء الخبراء لليمين القانونية.

المطلب الثاني: الاستماع إلى الأشخاص ومنع مغادرة المكان

لجمع المعلومات حول ظروف ارتكاب الجريمة، يحق لضابط الشرطة القضائية الاستماع إلى كل من يرى فائدة في الاستماع إليه.

الفقرة الأولى: الاستماع إلى المشتبه فيهم والشهود

يستمع ضابط الشرطة القضائية إلى المشتبه فيهم ويتلقى تصريحاتهم، كما يستمع إلى الشهود الذين حضروا الواقعة أو لديهم معلومات عنها. ويجب أن تضمن هذه التصريحات في محاضر قانونية توقع من طرف المصرحين. وفي حالة رفضهم التوقيع، يشار إلى ذلك في المحضر مع بيان الأسباب.

الفقرة الثانية: منع مغادرة مسرح الجريمة والتحقق من الهوية

أجازت المادة 65 من قانون المسطرة الجنائية لضابط الشرطة القضائية أن يمنع أي شخص من مغادرة مكان الجريمة إلى أن ينتهي من تحرياته. كما يحق له التحقق من هوية أي شخص يوجد في المكان، وإذا امتنع الشخص عن الإدلاء بهويته أو كانت هناك شكوك حولها، أمكن لضابط الشرطة اقتياده إلى مركز الشرطة للتحقق من هويته، على ألا تتجاوز مدة الاحتفاظ به لهذه الغاية المدة اللازمة للتحقق.

خاتمة

ختاماً، يتضح أن المشرع المغربي قد منح ضباط الشرطة القضائية في حالة التلبس صلاحيات استثنائية وواسعة تمكنهم من التدخل الفوري والفعال لضبط الجناة وجمع الأدلة. إلا أن هذه الصلاحيات ليست مطلقة، بل هي مقيدة بشروط وضوابط قانونية صارمة تهدف إلى حماية الحقوق والحريات الفردية. ويبقى دور النيابة العامة محورياً في مراقبة وتأطير عمل الشرطة القضائية خلال هذه المرحلة لضمان احترام القانون وتحقيق المحاكمة العادلة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق