ذ/الزكراوي يكتب:هل يجوز أن يتحول الالتزام بالإدلاء بالبيانات الإلكترونية إلى قيد على الحق في التقاضي؟

ذ/ محمد الزكراوي يكتب: إشكالات المادة 77 بعد أسابيع من دخول قانون المسطرة المدنية الجديد حيز التنفيذ… هل يجوز أن يتحول الالتزام بالإدلاء بالبيانات الإلكترونية إلى قيد على الحق في التقاضي؟

عالـم القانون13 أكتوبر 2026
الزكراوي محمد، باحث قانوني وقضائي، نائب رئيس المركز الوطني للأبحاث القانونية والقضائية.

مـــقدمــة:

لم يعد النقاش حول تحديث العدالة ينحصر في مدى قدرة المحاكم على استيعاب الوسائل التكنولوجية الحديثة، أو في إمكانية استبدال الوثائق الورقية بالوسائط الرقمية، وإنما أصبح يمتد إلى الحدود التي يجوز عندها للمشرع أن يجعل من استعمال هذه الوسائل أو الإدلاء بالبيانات المرتبطة بها شرطا لممارسة الحق في التقاضي، فبينما تمثل الرقمنة إحدى الآليات الأساسية لتبسيط الإجراءات وتسريع البت في المنازعات، فإنها قد تتحول، إذا لم تحط بضمانات قانونية كافية، إلى مصدر لقيود إجرائية جديدة، ولا سيما عندما يقترن الإخلال بها بجزاء يمس قبول الدعوى.
وتتجلى أهمية هذه الإشكالية في المادة 77 من القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، التي نظمت البيانات الواجب تضمينها في المقال الافتتاحي للدعوى، وأدرجت ضمنها، في صيغتها النهائية، بيانات مرتبطة بالبريد الإلكتروني للمحامي والشخص الاعتباري، فضلا عن العنوان المضمن في السجل التجاري بالنسبة إلى هذا الأخير.

وتثير هذه الإضافات تساؤلا جوهريا حول مدى ضرورة إلزام المدعي بالإدلاء ببيانات قد لا تكون متاحة له، ومدى تناسب ترتيب عدم قبول مقاله مع الإخلال بهذا الالتزام، خصوصا إذا كان المدعى عليه شخصا اعتباريا لا تربطه بالمدعي علاقة سابقة تسمح له بالحصول على بيانات التواصل الخاصة به.
وتزداد أهمية المسألة بالنظر إلى أن المادة 77 لا تنظم مجرد شكليات تقنية، وإنما تتعلق بمرحلة افتتاح الخصومة القضائية، أي باللحظة التي يلجأ فيها الشخص إلى القضاء طلبا للحماية القانونية.
ومن ثم، فإن أي التزام شكلي يفرض في هذه المرحلة ينبغي أن يقرأ في ضوء الوظيفة التي يؤديها المقال الافتتاحي، والضمانات الدستورية المرتبطة بالولوج إلى القضاء، ومدى قدرة المتقاضي على الامتثال لما يفرضه القانون.
وقد أظهرت الوثيقة المنشورة ضمن تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بشأن مشروع قانون المسطرة المدنية وجود اختلاف بين الصيغة الأولية للمادة 77 والصيغة التي استقر عليها النص النهائي، فالوثيقة الأولية المعروضة لا تتضمن، بحسب ما يظهر منها، بعض البيانات التي أضيفت لاحقا، وهو ما يفتح المجال لدراسة تطور الاختيار التشريعي، والتمييز بين المبررات المعلنة لتحديث المسطرة وبين النتائج القانونية التي قد تترتب على التوسع في البيانات الإلزامية.[1]
غير أن العودة إلى الأعمال التحضيرية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد تتبع تاريخي للتعديلات، بل يتعين توظيفها لفهم طبيعة الاختيار التشريعي ومدى انسجامه مع المبادئ الدستورية، كما أن تحديد الجهة البرلمانية التي اقترحت إضافة معينة لا يمكن أن يستند إلى مجرد المقارنة بين الصيغ، بل يتطلب الرجوع إلى نص التعديل المعني ومآله أثناء المناقشة والتصويت.

وعليه، فإن الإشكالية المركزية لهذا المقال تتمثل في مدى مشروعية تحويل البيانات الإلكترونية المطلوبة في المقال الافتتاحي للدعوى إلى التزام شكلي يترتب على الإخلال به عدم القبول، وما إذا كانت آلية تدارك النقص المقررة في المادة 77 كافية لضمان التوازن بين متطلبات التنظيم الإجرائي والحق الدستوري في الولوج إلى القضاء.

ولمعالجة هذه الإشكالية، سنبحث أولا في تطور المادة 77 ودلالة الإضافات التي عرفتها، ثم في الطبيعة القانونية للبيانات الإلكترونية وحدود إلزامية الإدلاء بها، قبل الوقوف عند مدى تناسب جزاء عدم القبول مع الغاية التشريعية، وأخيرا مناقشة حدود الرقابة الدستورية وإمكانات التفسير القضائي الكفيل بحماية الحق في التقاضي.

 

أولا: تطور المادة 77 بين الصيغة الأولية ومتطلبات التحديث الإجرائي

 

إن المقارنة بين الصيغة الأولية للمادة 77 والصيغة النهائية التي اعتمدها المشرع ليست مجرد تمرين في رصد الاختلافات اللفظية، وإنما تمثل مدخلا لفهم التحول الذي عرفه تصور المشرع للبيانات الضرورية لافتتاح الدعوى.
فالصيغة الأولية كانت تتضمن مجموعة من البيانات التقليدية اللازمة للتعريف بأطراف الخصومة، وتحديد صفاتهم وموطنهم أو محل إقامتهم، مع بيان بعض المعطيات الخاصة بالمدعي أو وكيله، بحسب الأحوال، كما تضمنت بيانات تتعلق بالشخص الاعتباري وممثله القانوني ومقره الاجتماعي أو مقر الفرع التابع له، غير أن الصيغة النهائية أضافت بيانات أخرى، من بينها عنوان البريد الإلكتروني لمحامي المدعي، وعنوان البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري، والعنوان المضمن في السجل التجاري بالنسبة إلى هذا الأخير، وبذلك لم يعد المقال الافتتاحي يقتصر على البيانات التقليدية التي تسمح بتحديد أطراف النزاع، بل أصبح يتضمن بيانات ذات طبيعة إلكترونية وتجارية، يفترض أن تسهم في تسهيل التواصل وتحديد العناوين.
ولا يمكن فصل هذا التوجه عن الأهداف العامة التي أعلن عنها المشرع في سياق إصلاح المسطرة المدنية، فقد أشار بيان أسباب القانون رقم 58.25 إلى اعتماد الوسائل التكنولوجية الحديثة في إجراءات التقاضي، كما أكدت وزارة العدل، عند تقديم مشروع القانون رقم 02.23، أن إدماج التقاضي الإلكتروني ورقمنة الإجراءات المدنية من بين الأهداف الأساسية للمشروع.[2]
ويستند هذا الاختيار إلى اعتبارات عملية لا يمكن إنكار أهميتها، فالتواصل الإلكتروني قد يسهم في تسريع تداول الوثائق، وتيسير تبادل المعطيات، وتخفيف بعض الأعباء الإدارية، كما أن الاستناد إلى بيانات موثوقة لتحديد عناوين الأشخاص الاعتباريين قد يساعد على الحد من صعوبات التعريف بهم أو الوصول إليهم.
لكن الاعتراف بمشروعية الغاية لا يعني التسليم تلقائيا بسلامة جميع الوسائل المعتمدة لتحقيقها، فقد تكون الرقمنة هدفا مشروعا، بينما تظل بعض الشروط المفروضة لتحقيقها قابلة للمناقشة من حيث الضرورة والتناسب وإمكان الامتثال.
ومن هنا، ينبغي التمييز بين إدراج البريد الإلكتروني باعتباره وسيلة عملية للتواصل، وبين جعله بيانا إلزاميا يتوقف عليه قبول الدعوى، فالأثر القانوني لكل من الاختيارين مختلفة، إذ يمكن تحقيق الغاية الأولى من خلال تنظيم وسائل التواصل الإلكتروني، دون أن يؤدي عدم الإدلاء بعنوان إلكتروني إلى حرمان المدعي من عرض النزاع على القضاء.
ويتعين كذلك التمييز بين عنوان إلكتروني معلوم للمدعي، وعنوان يمكنه الحصول عليه من مصدر رسمي متاح، وعنوان لا يملك وسيلة معقولة للتحقق منه أو الوصول إليه، فهذه الحالات لا تتساوى من حيث القدرة على الامتثال للالتزام القانوني، وإن كان النص قد يوردها ضمن قائمة واحدة من البيانات.
وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بالشخص الاعتباري، لأن المدعي قد يكون متعاقدا معه سابقا، وقد يكون دائنا له بمقتضى علاقة لم يسبق أن تم فيها تبادل بيانات التواصل، كما قد يكون صاحب مطالبة نشأت عن واقعة لا تربطه بالشخص الاعتباري أي علاقة مباشرة سابقة.
فهل يجوز، في جميع هذه الحالات، مطالبة المدعي بعنوان إلكتروني للشخص الاعتباري، ثم ترتيب الجزاء نفسه على عدم الإدلاء به، بصرف النظر عن سبب عدم الإدلاء به ومدى إمكان الحصول عليه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تستند إلى الغاية العامة المتمثلة في تحديث العدالة وحدها، بل ينبغي أن تراعي الوظيفة المحددة للبيان المطلوب، ومدى ضرورته لافتتاح الخصومة، والوسائل البديلة التي يمكن اعتمادها دون الإضرار بحقوق الأطراف.

 

ثانيا: الطبيعة القانونية للبيانات الإلكترونية وحدود إلزامية الإدلاء بها

تقتضي دراسة المادة 77 التمييز بين البيانات التي تؤدي وظيفة تعريفية، والبيانات التي تستهدف تسهيل التواصل، والبيانات التي تسمح بتحديد عنوان قانوني يمكن الاستناد إليه في إجراءات لاحقة.
فالاسم الشخصي والعائلي، والصفة، والموطن أو محل الإقامة، والبيانات المتعلقة بالشخص الاعتباري، تؤدي أساسا وظيفة تحديد هوية أطراف الخصومة وتمكين المحكمة من ضبط موضوعها وأطرافها، أما البريد الإلكتروني، فتتجاوز وظيفته مجرد التعريف إلى إمكان استعماله وسيلة للتواصل، بحسب القواعد المنظمة لذلك.
وهذا الاختلاف في الوظيفة يفرض عدم التعامل مع جميع البيانات المطلوبة باعتبارها متساوية من حيث الضرورة الإجرائية، فليس كل بيان مفيد للتواصل شرطا لا غنى عنه لقبول الدعوى، كما أن عدم وجود عنوان إلكتروني معلوم لا يعني بالضرورة تعذر تحديد الشخص الاعتباري أو تعذر مباشرة الإجراءات القضائية في مواجهته.
وإذا كان المشرع يملك، من حيث المبدأ، صلاحية تحديد البيانات اللازمة لافتتاح الدعوى، فإن هذه الصلاحية ينبغي أن تمارس في إطار المبادئ الدستورية التي تحكم تنظيم الحق في التقاضي، وألا تؤدي إلى فرض التزامات يستحيل أو يتعذر على المتقاضي تنفيذها دون مبرر كاف.
ويستند هذا النظر إلى الفصل 118 من الدستور، الذي يقرر أن حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون، ولا يعني ذلك أن المشرع ممنوع من تنظيم إجراءات ممارسة هذا الحق، أو من اشتراط بيانات لازمة لحسن سير العدالة، وإنما يعني أن التنظيم الإجرائي يجب ألا يفرغ الضمانة الدستورية من مضمونها العملي.[3]
فثمة فرق بين تنظيم الحق في التقاضي وتقييده بصورة غير متناسبة، فالتنظيم يحدد الشروط الضرورية لرفع الدعوى وتوجيهها ومباشرتها، أما التقييد غير المتناسب فيتحقق عندما يصبح شرط شكلي غير متاح للمدعي سببا في إغلاق باب القضاء أمامه، رغم إمكان تحقيق الغاية الإجرائية بوسيلة أقل مساسا بحقه.
ومن هذا المنطلق، يطرح اشتراط عنوان البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري إشكالا يتعلق بمدى توافر المعلومة لدى المدعي، فالشخص الاعتباري قد يكون ملزما بتوفير بيانات معينة بمقتضى التشريع المنظم لنشاطه، لكن ذلك لا يثبت، بمجرده، أن هذه البيانات منشورة أو متاحة لكل شخص، ولا أن المدعي يستطيع التحقق من صحتها في كل الأحوال.
كما ينبغي التمييز بين إلزام الشخص الاعتباري بتوفير بيانات إلكترونية ضمن نظام قانوني معين، وبين إلزام خصمه بإثبات علمه بتلك البيانات وإدراجها في مقاله الافتتاحي، فالأول يتعلق بالتزامات الشخص الاعتباري، والثاني يتعلق بشروط ممارسة خصمه للحق في التقاضي، ولا يجوز افتراض التطابق بينهما دون سند تشريعي واضح.
ويثير الأمر نفسه مسألة العنوان المضمن في السجل التجاري، فهذا العنوان قد يشكل وسيلة مهمة للتعرف على الشخص الاعتباري وتحديد مقره، لكن مدى إمكان الوصول إليه والتحقق من مطابقته للوضع الفعلي يظل أمرا ينبغي النظر فيه على ضوء القواعد المنظمة للسجل التجاري، ومدى تحديث البيانات المتضمنة فيه، وطبيعة النزاع المعروض على المحكمة.
ولا يكفي، في هذا الصدد، القول إن المعلومة يفترض أن تكون موجودة في سجل رسمي، إذ ينبغي أيضا التحقق من مدى إتاحتها للمدعي، ومن إمكان تحديد السجل المعني، ومن أثر عدم تحيين البيانات أو وجود اختلاف بين المقر المصرح به والمقر الذي يباشر فيه الشخص الاعتباري نشاطه.
ومن جهة أخرى، فإن إدراج البريد الإلكتروني لمحامي المدعي ضمن البيانات الإلزامية يطرح إشكالا مختلفا من حيث الطبيعة، لأن المحامي الذي يتولى رفع الدعوى يكون، في الأصل، على علم ببياناته المهنية. ومع ذلك، فإن مشروعية إلزامه بالإدلاء ببيان معين لا تنفصل عن الغاية التي يستهدفها المشرع من هذا الإلزام، وعن مدى ارتباطه بقبول الدعوى، وعن الضمانات المقررة لتدارك النقص.
وبناء على ذلك، فإن التقييم القانوني للمادة 77 لا ينبغي أن ينطلق من رفض مبدئي للبيانات الإلكترونية، ولا من قبول مطلق لكل ما يفرضه المشرع باسم الرقمنة، وإنما من معيار الضرورة والتناسب، أي مدى ضرورة كل بيان لتحقيق غاية إجرائية مشروعة، ومدى إمكان تحقيقها بوسيلة أقل تقييدا للحق في التقاضي.

 

ثالثا: عدم القبول بين حماية النظام الإجرائي ومخاطر الإفراط في الشكلية

 

لا تتحدد الإشكالية القانونية للمادة 77 في مجرد تحديد البيانات المطلوبة، وإنما تتجسد بصورة أوضح في الجزاء الذي يرتبه المشرع على عدم استيفائها، فعدم القبول ليس مجرد إجراء تنظيمي داخلي، بل هو جزاء إجرائي يمنع المحكمة من الاستمرار في نظر الدعوى من حيث قبولها، وفق الشروط والضوابط التي يقررها القانون، ولا خلاف في أن المشرع يستطيع أن يحدد البيانات الأساسية التي يجب أن يتضمنها المقال الافتتاحي، وأن يرتب آثارا قانونية على عدم احترامها، كما أن انتظام الخصومة، وتمكين المحكمة من تحديد أطراف النزاع، وضمان حقوق الدفاع، كلها اعتبارات تبرر وجود قواعد شكلية ملزمة.
غير أن الإشكال يظهر عندما يمتد الجزاء إلى حالات لا يكون فيها البيان المغفل ضروريا بذاته لتمييز أطراف الدعوى أو لتحديد موضوع النزاع، أو عندما يكون المدعي عاجزا عن الحصول عليه رغم بذل العناية اللازمة.
فإذا كان الغرض من البريد الإلكتروني هو تسهيل التواصل، فإن عدم الإدلاء به لا يؤدي بالضرورة إلى استحالة تبليغ الشخص الاعتباري بالوسائل القانونية الأخرى، وإذا كان الغرض من العنوان المضمن في السجل التجاري هو تحديد مقر الشخص الاعتباري، فإن عدم إدراجه لا يعني دائما تعذر تحديد هذا الشخص أو الوصول إلى مقره، متى كانت هناك بيانات أخرى كافية ومعتبرة قانونا.
ومن ثم، فإن السؤال لا يتعلق بمدى جواز ترتيب أي جزاء على الإخلال بالبيانات المطلوبة، وإنما بمدى تناسب الجزاء مع طبيعة البيان وأهميته والظروف التي أحاطت بعدم الإدلاء به.
ويكتسي هذا التناسب أهمية خاصة في ضوء الفصل 118 من الدستور، فالحق في التقاضي لا يقتصر على الاعتراف النظري بإمكانية اللجوء إلى المحكمة، وإنما يفترض أن تكون الشروط الإجرائية لممارسته معقولة وقابلة للتنفيذ، وألا تؤدي إلى حرمان الشخص من الحماية القضائية لأسباب لا تتناسب مع الغاية التي يسعى الإجراء إلى تحقيقها، ولا يستفاد من ذلك أن كل شرط شكلي يقترن بعدم القبول يكون مخالفا للدستور، لأن المشرع يملك سلطة تقديرية في تنظيم الإجراءات. لكن هذه السلطة ليست مطلقة، بل ينبغي أن تمارس مع مراعاة طبيعة الحق المراد حمايته، وأهمية الإجراء، والنتائج التي تترتب على الإخلال به.
ويمكن، في هذا السياق، التمييز بين ثلاث حالات عملية.
تتعلق الحالة الأولى بإغفال بيان متاح للمدعي ويسهل الحصول عليه، رغم أن القانون يفرض الإدلاء به، ففي هذه الحالة، تكون المطالبة باستكماله أقرب إلى تحقيق الغاية التنظيمية للمشرع، ولا سيما إذا سبق للمحكمة أن مكنت الطرف المعني من تدارك النقص وفق الشروط القانونية.
أما الحالة الثانية، فتتعلق ببيان لا يملكه المدعي، لكنه يستطيع الحصول عليه من مصدر رسمي أو من خلال إجراء معقول، وهنا ينبغي أن تؤخذ طبيعة المصدر، والمدة اللازمة للحصول على المعلومة، ومدى إمكانية التحقق منها، بعين الاعتبار عند تطبيق آلية التدارك.
وتتعلق الحالة الثالثة ببيان يتعذر على المدعي الحصول عليه أو التحقق من صحته رغم بذل العناية اللازمة، وفي هذه الحالة، تبرز الإشكالية بصورة أشد، لأن ترتيب عدم القبول قد يجعل ممارسة الحق في التقاضي متوقفة على معلومة لا يملك المدعي السيطرة عليها، مع إمكان أن تكون الدعوى مستوفية لباقي العناصر الضرورية لعرض النزاع على القضاء.
ولا يجوز، مع ذلك، استنتاج أن المحكمة تملك تلقائيا إعفاء المدعي من أي بيان نص عليه القانون، لأن القاضي يظل ملزما بتطبيق النصوص التشريعية النافذة، وإنما المقصود أن تطبيق المادة 77 ينبغي أن يراعي، في الحدود التي يسمح بها النص، آلية التدارك، وطبيعة النقص، ومدى إمكان استكماله، وأن يتجنب التوسع في ترتيب الجزاء على نحو يفقده التناسب مع الغاية الإجرائية.
وإذا كان عدم القبول يرمي إلى ضمان انتظام الخصومة، فإن هذه الغاية لا ينبغي أن تنقلب إلى غاية مستقلة عن حماية الحقوق، فالشكليات وضعت لخدمة العدالة وتنظيمها، لا لتحل محلها أو لتصبح حاجزا غير متناسب أمام عرض النزاع على القضاء.

 

رابعا: هل تكفي آلية تدارك النقص لضمان الحق في التقاضي؟

 

تتضمن المادة 77 آلية لتدارك البيانات غير التامة أو التي تم إغفالها، من خلال تدخل رئيس الهيئة أو القاضي المقرر أو القاضي المكلف بالقضية، بحسب الحالة، وإنذار الطرف المعني أو وكيله أو محاميه من أجل استكمال البيانات أو الإدلاء بالوثائق المطلوبة داخل أجل تحدده المحكمة.
وتشكل هذه الآلية عنصرا مهما في تقييم مدى تناسب الجزاء، لأنها تفيد أن المشرع لم يتجه إلى ترتيب عدم القبول بصورة آلية وفورية في جميع الحالات، وإنما أتاح إمكانية تصحيح المقال قبل ترتيب الأثر القانوني المترتب على النقص، غير أن وجود آلية للتدارك لا يحسم وحده جميع الإشكالات المرتبطة بالحق في التقاضي، إذ ينبغي التمييز بين النقص الذي يستطيع الطرف المعني استكماله، والنقص الذي يتعذر استكماله بسبب عدم توافر المعلومة لديه.
ففي الحالة الأولى، يكون الإنذار وسيلة مناسبة لتحقيق الغاية التشريعية، لأنه يتيح للطرف تصحيح المقال دون أن يفقد حقه في عرض النزاع، أما في الحالة الثانية، فإن الإنذار قد يتحول إلى إجراء شكلي لا يغير من حقيقة العائق، إذا كان المطلوب هو الإدلاء ببيان لا يستطيع الطرف الحصول عليه.
ومن هنا، تبرز ضرورة النظر في مدى كفاية الأجل الذي تحدده المحكمة، ومدى وضوح البيان المطلوب استكماله، وإمكان الوصول إليه، وطبيعة الإجراءات التي يمكن للطرف اتخاذها للحصول عليه.
كما يطرح الأمر تساؤلا حول مدى إمكان اعتماد وسائل بديلة للتحقق من البيانات، متى كانت متاحة قانونا، دون تحميل المدعي عبئ الإدلاء بمعلومة لا يملكها، فقد يكون من الممكن، بحسب طبيعة البيان والنصوص المنظمة له، الرجوع إلى سجل رسمي أو إلى بيانات سبق الإدلاء بها أو إلى وسيلة قانونية أخرى تسمح بتحديد الشخص الاعتباري أو مقره.
ولا يعني ذلك أن المحكمة ملزمة في جميع الأحوال بالبحث نيابة عن المدعي عن البيانات التي يفرضها القانون، وإنما يعني أن تقييم وظيفة آلية التدارك لا ينبغي أن يقتصر على وجود الإنذار في النص، بل يجب أن يشمل مدى فعاليتها في معالجة النقص الذي يمكن فعلا استكماله.
ويقتضي ذلك كذلك التمييز بين عدم الإدلاء بالبيان وبين عدم وجوده، وبين إغفاله بسبب الإهمال وبين تعذر الحصول عليه، متى كانت لهذه الفروق أهمية في تطبيق النص، فالقاعدة الإجرائية ينبغي أن تطبق وفق مدلولها القانوني، مع مراعاة الوقائع التي تؤثر في إمكان الامتثال لها، دون خلق استثناءات لا سند لها في القانون.
وإذا كان المشرع قد أراد من آلية التدارك الحد من أحكام عدم القبول، فإن فعاليتها تقتضي أن تطبق بوصفها ضمانة إجرائية حقيقية، لا مجرد مرحلة شكلية تسبق ترتيب الجزاء نفسه دون معالجة أسباب النقص.
ومن ثم، فإن آلية التدارك تعد ضمانة مهمة، لكنها لا تعفي من ضرورة تقييم مدى تناسب البيانات المفروضة والجزاء المرتبط بها، فالتناسب لا يتحقق بمجرد منح المتقاضي أجلا لاستكمال البيان، إذا كان استكماله خارجا عن قدرته بصورة معقولة.

 

خامسا: الرقابة الدستورية وحدود التفسير القضائي للمادة 77

 

تطرح المادة 77 سؤالا دستوريا يتصل بحدود السلطة التقديرية للمشرع في تنظيم الحق في التقاضي، ومدى خضوع الشروط الشكلية التي يقررها لرقابة تستحضر مضمون الفصل 118 من الدستور.
ويقتضي تناول هذا السؤال التمييز بين تقييم مدى انسجام النص مع المبادئ الدستورية، وبين الادعاء بأنه ثبتت مخالفته للدستور بمقتضى قرار قضائي. فالأول مجال للتحليل القانوني والنقد العلمي، أما الثاني فيحتاج إلى سند قضائي صريح.
وفي هذا السياق، صدر قرار المحكمة الدستورية رقم 255/25 بتاريخ 4 غشت 2025 بشأن القانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية، الذي سبق أن عرض عليها قبل إصدار الأمر بتنفيذه، وقد تناول القرار مجموعة من المقتضيات التي رأت المحكمة أنها غير مطابقة للدستور أو مخالفة له، دون أن يتضمن ذلك، بحسب منطوقه وتعليلاته المنشورة، حكما خاصا بعدم دستورية المادة 77 موضوع هذا المقال.[4]
كما أوضحت المحكمة في قرارها أن الإحالة لم تتضمن مآخذ محددة على مقتضيات النص المعروض، وأنها اتجهت إلى إثارة المقتضيات التي بدت لها بشكل جلي وبين أنها غير مطابقة للدستور أو مخالفة له، ويقتضي هذا المعطى الحذر من استنتاج أن عدم التصريح بعدم دستورية المادة 77 يمثل حكما موضوعيا نهائيا بصحة جميع اختياراتها التشريعية، أو أن المحكمة فصلت بصورة خاصة في مدى توافق اشتراط البيانات الإلكترونية مع الفصل 118 من الدستور.
فعدم التصريح بعدم الدستورية لا يساوي، من الناحية المنهجية، وجود تعليل قضائي خاص يجيب عن كل اعتراض محتمل على النص، كما أن حدود الرقابة التي مارستها المحكمة في إطار الإحالة السابقة لا يجوز تجاهلها عند تقييم ما إذا كانت المسألة الدستورية التي يثيرها المقال قد حسمت أم لا.
ومع ذلك، لا يصح الجزم بأن المحكمة أغفلت عمدا فحص المادة 77، أو أنها خالفت الدستور بمجرد عدم التصريح بعدم دستوريتها، لأن مثل هذا الاستنتاج يتطلب تحليلا دقيقا لنطاق الإحالة، ومضمون القرار، والحدود القانونية للرقابة التي باشرتها المحكمة.
والأصح أن يقال إن الإشكال الذي تثيره المادة 77 من زاوية الحق في التقاضي يظل قابلا للتحليل والنقاش، في ضوء الفصل 118 من الدستور، ومدى التناسب بين البيانات المفروضة والجزاء المقرر عند إغفالها، وهذا التحليل لا يستلزم الادعاء بوجود حكم دستوري سابق حسم المسألة في اتجاه معين.
أما على مستوى التفسير القضائي، فإن القاضي ملزم بتطبيق المادة 77 في حدود مضمونها، مع تفعيل آلية تدارك النقص المقررة فيها، وتحديد البيان المطلوب استكماله بصورة واضحة، ومراعاة الشروط والآجال التي يقررها النص.
ويظل من الممكن، في حدود ما تسمح به القواعد القانونية، أن يسهم التفسير القضائي في الحد من الآثار غير المتناسبة للشكلية، من خلال التمييز بين البيانات الأساسية والبيانات المكملة، وبين النقص القابل للتدارك والنقص الذي يتعذر استكماله، دون أن يؤدي ذلك إلى إهدار مقتضيات تشريعية صريحة أو إنشاء استثناءات لا سند لها.
كما يمكن للمشرع نفسه أن يعيد النظر، عند الاقتضاء، في الصياغة التشريعية بما يضمن وضوح البيانات المطلوبة، ويحدد أثر تعذر الحصول عليها، ويوفر وسائل عملية للتحقق منها، مع الإبقاء على ما يحقق فعلا أهداف الرقمنة والنجاعة القضائية.
إن المطلوب، في نهاية المطاف، ليس الاختيار بين الرقمنة والحق في التقاضي، بل بناء تنظيم إجرائي يجعل الرقمنة وسيلة لتيسير العدالة، ويضمن ألا تتحول البيانات التقنية إلى شروط تعجيزية، وألا يكون الجزاء المسطري أشد من الضرورة التي تبرره.
فالرقمنة لا تقاس بعدد البيانات الإلكترونية التي يفرضها القانون، وإنما بقدرتها على تحسين الخدمة القضائية وتيسير الولوج إلى العدالة، ولذلك، فإن المعيار الحاسم ليس مجرد إدراج البريد الإلكتروني أو العنوان التجاري ضمن المقال الافتتاحي، بل مدى ضرورة هذه البيانات، وإمكان الوصول إليها، والتناسب بين الإخلال بها والجزاء المقرر، فحين تصبح المعلومة التقنية شرطا لقبول الدعوى، يغدو السؤال الذي ينبغي أن يوجه السياسة التشريعية والقضائية هو، هل تخدم هذه الشكلية العدالة، أم أن العدالة أصبحت مطالبة بالتوقف عند حدود الشكلية؟

 

المراجع:

[1] مجلس المستشارين، لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، تقرير حول مشروع القانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية، الجزء الأول، فقرة مناقشة المادة 77، والوثيقة التي تعرض الصيغة الأولية للمادة.

[2] القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026.

[3] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 118، الذي يضمن حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون.

[4] المحكمة الدستورية، القرار رقم 255/25 م.د، الصادر بتاريخ 4 غشت 2025، ملف عدد 303/25، بشأن القانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7429 بتاريخ 11 غشت 2025.

 

Source الأستاذ:محمد الزكراوي باحث في الشؤون القانونية والقضائية، نائب رئيس المركز الوطني للأبحاث القانونية والقضائية وعضو مركز ليكسوس للباحثين الشباب
Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق