اقتصاد السوق بين الحرية الاقتصادية والتنظيم القانوني في المغرب

التنظيم القانوني لاقتصاد السوق في المغرب: إشكالية التوفيق بين الحرية الاقتصادية وحماية المنافسة وتحقيق العدالة الاجتماعي

اقتصاد السوق في المغرب بين حرية المبادرة والمنافسة والتنظيم القانوني، مع رموز العدالة والاستثمار والنمو الاقتصادي والعلم المغربي

 

مقدمة

 

يشكل تنظيم النشاط الاقتصادي أحد المجالات التي تتداخل فيها حرية الأفراد مع مسؤولية الدولة عن تحقيق المصلحة العامة. فالإنتاج والاستثمار وتبادل السلع والخدمات تحتاج إلى مساحة من المبادرة والاختيار، لكنها تحتاج كذلك إلى قواعد تضمن استقرار المعاملات وتحمي المتعاملين من التعسف. ومن هنا تبرز أهمية اقتصاد السوق، باعتباره نظامًا يعتمد أساسًا على القرارات التي يتخذها الأفراد والمقاولات، وعلى الملكية الخاصة وحرية المبادرة، وعلى الأسعار التي تتأثر بتفاعل العرض والطلب.

ولا يفترض هذا النظام أن تتولى الدولة تحديد كل ما ينتج أو يباع، وإنما يترك للفاعلين الاقتصاديين تقدير فرص الاستثمار وتحمل مخاطره والاستفادة من عوائده. غير أن نجاح هذه الآلية يرتبط بشروط قد لا تتوافر تلقائيًا؛ فقد تتمكن مقاولة من عرقلة دخول منافسيها، أو تتفق مقاولات على الأسعار، أو يبرم المستهلك عقدًا دون أن يفهم شروطه الأساسية، أو يتحمل المجتمع أضرار نشاط اقتصادي لا تنعكس كلفته الحقيقية في ثمن المنتج. لذلك تقوم الاقتصادات المعاصرة، بدرجات مختلفة، على الجمع بين آليات السوق والتدخل العمومي، مع اختلاف حدود هذا التدخل وأدواته.

وفي المغرب، يجد هذا التوازن أساسه في دستور 2011؛ إذ يجمع الفصل 35 بين حماية الملكية وحرية المبادرة والمقاولة والتنافس الحر، وبين التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. ويتكامل ذلك مع الفصل 31 المتعلق بتيسير الاستفادة من الحقوق الاجتماعية، والفصل 36 المتصل بمحاربة الممارسات المخلة بالمنافسة، والفصل 166 الذي يحدد المكانة الدستورية لمجلس المنافسة.

وتتوزع الترجمة التشريعية لهذه المبادئ بين قانون الالتزامات والعقود، بوصفه إطارًا عامًا للمعاملات، والقانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة كما غُيّر وتُمّم، والقواعد الخاصة بحماية المستهلك والاستثمار والحماية الاجتماعية. وتكمن أهمية الموضوع في بيان كيفية تكامل هذه النصوص، حتى تكون الحرية الاقتصادية قابلة للممارسة الفعلية، ويكون تدخل الدولة مستندًا إلى مبررات واضحة وضوابط قابلة للرقابة.

وعليه، تطرح الإشكالية الآتية: ما الأسس والآليات التي يقوم عليها اقتصاد السوق، وكيف يمكن تنظيمه بما يحفظ حرية المبادرة وفعالية المنافسة ويحقق المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية؟ وللإجابة عنها، يخصص المطلب الأول لمقومات اقتصاد السوق وآليات عمله، بينما يتناول المطلب الثاني تنظيم هذا الاقتصاد وحدود تدخل الدولة فيه في المغرب.

المطلب الأول: مقومات اقتصاد السوق وآليات عمله

يقوم اقتصاد السوق على ترابط الحريات التي تسمح بممارسة النشاط الاقتصادي والآليات التي تنسق قرارات المنتجين والمستهلكين. غير أن فهمه يقتضي أيضًا بيان الشروط التي تجعل المنافسة مفيدة، والحالات التي تعجز فيها السوق عن تحقيق نتائج ملائمة. لذلك نتناول الحرية الاقتصادية وآلية الأسعار في الفرع الأول، ثم وظائف المنافسة وحدود السوق في الفرع الثاني.

الفرع الأول: الحرية الاقتصادية وآلية الأسعار

تتيح الحرية الاقتصادية للأفراد والمقاولات اختيار أنشطتهم وإبرام معاملاتهم، فيما تساعد الأسعار على توجيه هذه الاختيارات بحسب ظروف الإنتاج والاستهلاك. ويتطلب توضيح العلاقة بينهما بحث الملكية والمبادرة والتعاقد في الفقرة الأولى، ثم بيان دور العرض والطلب ووظائف السعر في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: الملكية والمبادرة والتعاقد

تمثل الملكية الخاصة أحد المقومات الأساسية لاقتصاد السوق، بما توفره من استقرار في الانتفاع بالأموال وحافز لاستثمارها وتنميتها. وترتبط بها حرية المبادرة، التي تسمح بإنشاء المشاريع وتطوير المنتجات والخدمات، وحرية التعاقد، التي تنظم انتقال الأموال وتبادل المنافع. ولا تعني مركزية الملكية الخاصة استبعاد الملكية العمومية أو التعاونية؛ إذ يمكن لهذه الأشكال أن تتعايش داخل الاقتصاد نفسه، بحسب طبيعة الأنشطة والاختيارات القانونية.

ويؤطر قانون الالتزامات والعقود هذه المعاملات؛ فالفصل 230 يمنح الالتزامات التعاقدية المنشأة بصورة صحيحة قوة ملزمة بين أطرافها، ويقرر الفصل 231 وجوب تنفيذها بحسن نية. كما يربط الفصل 2 صحة الالتزام بالأهلية والتعبير الصحيح عن الإرادة والمحل والسبب المشروع، ويستبعد الفصل 62 الالتزام القائم على سبب غير مشروع، ومنه السبب المخالف للقانون أو للنظام العام.[2] وبذلك ترتبط الثقة في التبادل باحترام الالتزامات وصحة الأساس الذي نشأت عليه.

ولا تكفي موافقة المتعاقدين لإضفاء المشروعية على اتفاق يمس بحرية الآخرين؛ فاتفاق موزعين على تقسيم الزبائن أو إغلاق السوق أمام مقاولة جديدة قد يخضع للحظر المقرر في قانون المنافسة، وللبطلان وفق مادته 10 متى تعلق بممارسة محظورة بموجب المادتين 6 و7.[3] كما تخضع بعض الأنشطة لتراخيص وشروط مهنية يحددها القانون. ومن زاوية فعالية التنظيم، ينبغي أن تخدم هذه الشروط غاياتها الحمائية، وألا تتحول إلى عوائق غير مبررة أمام المبادرة.
الفقرة الثانية: العرض والطلب ووظائف السعر
يؤدي السعر وظيفة إعلامية؛ فهو ينقل إلى المتعاملين إشارات عن ندرة الموارد وتكاليف الإنتاج واتجاهات الطلب. كما يؤدي وظيفة تحفيزية وتنسيقية؛ إذ قد يشجع ارتفاع سعر منتج، مع ثبات العوامل الأخرى، على زيادة عرضه أو الاستثمار في إنتاجه، بينما يدفع تراجع الطلب إلى تعديل الكميات أو تحسين الجودة. غير أن استجابة الإنتاج تحتاج أحيانًا إلى الوقت والتمويل والتجهيز، فلا تؤدي كل زيادة في السعر إلى زيادة فورية في العرض.

ويكرس القانون المغربي أصل حرية الأسعار في المادة 2 من القانون رقم 104.12، مع الاستثناءات التي يحددها القانون.[3] وتساعد الأسعار، عندما تتوافر منافسة فعلية ومعلومات كافية، على توجيه الموارد نحو استعمالات يعبّر عنها طلب مدعوم بالقدرة على الأداء. فاختيار المستهلك بين عروض متعددة يدفع المقاولة إلى مراعاة السعر والجودة والخدمة، ويجعل استمرارها مرتبطا بقدرتها على تلبية حاجاته.

ومع ذلك، لا يصح اعتبار كل سعر مرتفع دليلًا على الاحتكار، كما لا يصح وصف السعر الناتج عن سوق احتكارية بأنه ليس سعر سوق مطلقًا؛ فالمشكلة تكمن في مدى تعبيره عن منافسة فعلية، وفي احتمال تأثره بقوة اقتصادية أو بممارسة محظورة. كذلك لا يعكس الطلب التجاري جميع الحاجات الاجتماعية؛ فقد يحتاج شخص إلى دواء لا يستطيع شراءه. ولذلك تفيد آلية الأسعار في تنسيق النشاط الاقتصادي، دون أن تكون وحدها معيارًا كافيًا لضمان الولوج إلى الخدمات الأساسية.

الفرع الثاني: المنافسة والكفاءة وحدود السوق

لا تنتج حرية المبادرة آثارها الإيجابية بمجرد الاعتراف بها، بل تتوقف على إمكان المنافسة وعلى قدرة المتعاملين على اتخاذ قرارات واعية. ومن هذا المنطلق، نبحث وظائف المنافسة في الفقرة الأولى، ثم نتناول إخفاقات السوق وعلاقتها بمسألة عدم المساواة في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: وظائف المنافسة

تدفع المنافسة المقاولات إلى تحسين الجودة وترشيد التكاليف وتطوير منتجاتها، وتمنح المستهلك بدائل تحد من قدرتها على فرض شروط منفردة. كما تتيح للمشاريع الجديدة فرصة دخول السوق، متى لم تواجه حواجز غير مبررة في التمويل أو التوزيع أو الوصول إلى الموارد الضرورية. وتظهر فائدتها، مثلًا، عندما يدفع دخول مقدم خدمة جديد باقي الفاعلين إلى تحسين عروضهم للاحتفاظ بزبائنهم.

ولا تتمثل غاية قانون المنافسة في ضمان بقاء كل مقاولة أو حمايتها من كل خسارة؛ فقد يتراجع نشاطها بسبب ضعف الجودة أو تغير حاجات المستهلكين. وإنما تتمثل الغاية في حماية سير المنافسة من الممارسات التي تفسده. ومن ثم ينبغي التمييز بين تخفيض الأسعار الناتج عن كفاءة الإنتاج، وبين الأسعار المنخفضة بصورة تعسفية التي تتوافر فيها شروط الحظر المنصوص عليها في المادة 8 من القانون رقم 104.12.

ويقتضي التقييم القانوني مراعاة طبيعة السلوك وظروف السوق. فتحديد المنتجات القابلة للاستبدال والنطاق الجغرافي للمنافسة يساعد على تقدير القوة الاقتصادية، خاصة عند بحث الهيمنة أو التركيز. لكن إثبات الهيمنة ليس شرطًا عامًا لحظر جميع الاتفاقات؛ فلكل ممارسة عناصرها القانونية. وبالمثل، لا يكفي تشابه أسعار عدة مقاولات، وحده، لإثبات اتفاق بينها، ما دام هذا التشابه قد يرجع إلى تكاليف أو ظروف اقتصادية مشتركة.

الفقرة الثانية: إخفاقات السوق وعدم المساواة

يقصد بإخفاق السوق عجز آلياتها، في ظروف معينة، عن تحقيق تخصيص كفء للموارد. ومن أبرز أسبابه القوة السوقية التي تحد من المنافسة، وعدم تكافؤ المعلومات، والآثار الخارجية، وصعوبات توفير السلع العامة. ففي سوق السيارات المستعملة، قد يعرف البائع عيوبًا لا يستطيع المشتري كشفها بسهولة، بما يضعف الثقة ويضر حتى بالبائعين الذين يعرضون منتجات جيدة؛ وهو الإشكال الذي حلله جورج أكيرلوف في دراسته حول عدم اليقين بشأن الجودة.[4] ولا يكون نقص المعلومات دائمًا في جانب المستهلك، فقد يجهل المقرض أو المؤمن مخاطر يعرفها العميل.

وتظهر الآثار الخارجية عندما يمتد أثر النشاط الاقتصادي إلى أشخاص لا يشاركون مباشرة في المعاملة، دون أن تنعكس منافع هذا الأثر أو تكاليفه كاملة في السعر. فالمعمل الذي يلوث محيطه قد يحمل السكان نفقات صحية وأضرارًا بيئية لا تدخل في حسابه الخاص. وتبرر هذه الوضعية أدوات للوقاية والتنظيم وتحميل المسؤولية، مع مراعاة طبيعة الضرر والقواعد الخاصة المطبقة عليه، بدل ترك المجتمع يتحمل وحده نتائج النشاط.

أما السلع العامة بالمعنى الاقتصادي، فتتميز بصعوبة استبعاد غير الدافعين من الانتفاع بها، وبإمكان انتفاع أشخاص إضافيين دون إنقاص منفعة الآخرين في صورتها الخالصة، كما في الدفاع الوطني. ويجب تمييزها عن الخدمات العمومية عمومًا؛ فالتعليم والعلاج، مثلًا، يخضعان لقيود الطاقة الاستيعابية، وقد يتدخل القطاع الخاص في تقديمهما. كما لا تدخل جميع الطرق في حكم واحد، لأن بعضها يقبل استخلاص رسوم العبور ويتأثر بالازدحام.

وتبقى مسألة العدالة التوزيعية متميزة عن إخفاق السوق بالمعنى التقني؛ فقد تتسم سوق بالكفاءة مع بقاء تفاوت كبير في الدخول وفرص الاستفادة. لذلك يقوم التدخل الاجتماعي أيضًا على اختيارات دستورية تتعلق بالإنصاف والتضامن، لا على معالجة الاحتكار أو نقص المعلومات وحدهما. وتكتسب السياسات التعليمية والصحية والاجتماعية قيمتها من تمكين الأفراد من المشاركة في النشاط الاقتصادي وتحسين فرصهم فيه.

المطلب الثاني: تنظيم اقتصاد السوق وحدود تدخل الدولة في المغرب

يحتاج اقتصاد السوق إلى مؤسسات تضمن احترام قواعده، وإلى سياسات تعالج الاختلالات التي لا تكفي المنافسة لمعالجتها. ويقتضي ذلك الجمع بين حماية الحرية الاقتصادية وضبط استعمالها، مع تقييم كلفة التدخل العمومي ونتائجه. وعلى هذا الأساس، نبحث حماية المنافسة والشفافية في الفرع الأول، ثم التدخل الاقتصادي والاجتماعي للدولة في الفرع الثاني.

الفرع الأول: حماية المنافسة والشفافية

تقتضي حماية المنافسة قواعد واضحة تحدد السلوك الممنوع، وأجهزة قادرة على تطبيقها مع احترام الضمانات القانونية. ولذلك نتناول الإطار الدستوري والتشريعي في الفقرة الأولى، ثم دور مجلس المنافسة والقضاء في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: الإطار الدستوري والتشريعي

تجد حماية المنافسة سندها في الفصلين 35 و36 من الدستور، ويتولى القانون رقم 104.12، كما عُدّل بالقانون رقم 40.21، تفصيل جانب أساسي من أحكامها. فتحظر المادة 6 الاتفاقات والممارسات المدبرة التي تستهدف عرقلة المنافسة أو يمكن أن تؤدي إليها، ومن أمثلتها افتعال الأسعار وتقاسم الأسواق والصفقات العمومية.[3] وتظهر خطورة هذه الممارسات في إحلال التنسيق بين المنافسين محل التنافس الذي يفترض أن يستفيد منه المتعاملون والمستهلكون.

وتحظر المادة 7 الاستغلال التعسفي للوضع المهيمن، ولحالة التبعية الاقتصادية التي لا يتوافر فيها للزبون أو الممون بديل مواز، وفق الشروط القانونية. فالمنع يتعلق بالتعسف، ولا يترتب تلقائيًا على كبر حجم المقاولة أو نجاحها. كما تتيح المادة 9 استثناءات مضبوطة، منها الممارسات التي يثبت إسهامها في التقدم الاقتصادي أو التقني، مع استفادة المستعملين من جزء عادل من منافعها، وعدم إلغاء المنافسة أو تجاوز القيود الضرورية لتحقيق ذلك التقدم.[3] وهذا يسمح بتقييم التعاون الاقتصادي المشروع دون مساواته بالتواطؤ الضار.

وتكمل هذه القواعد حمايةُ المستهلك المقررة بالقانون رقم 31.08، ولا سيما إعلامه بالخصائص الأساسية والأسعار وشروط البيع، وحمايته من الشروط التعسفية. فالمادة 15 تتناول الاختلال الكبير بين حقوق الطرفين والتزاماتهما على حساب المستهلك، وتقرر المادة 19 بطلان الشرط التعسفي، مع إمكان استمرار باقي العقد إذا أمكن قيامه بدونه.[5] وتساعد هذه الحماية على جعل الاختيار أكثر وعيًا، لأن تعدد العروض لا يحقق فائدته إذا تعذر فهم شروطها ومقارنتها.

الفقرة الثانية: مجلس المنافسة والقضاء

يتمتع مجلس المنافسة، بموجب الفصل 166 من الدستور والقانون رقم 20.13 المعدل بالقانون رقم 41.21، بالاستقلال والشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي. ويجمع بين اختصاصات تقريرية في الممارسات المنافية للمنافسة والتركيز الاقتصادي، واختصاصات استشارية ودراسية.[6] ويحتاج أداء هذه المهام إلى الجمع بين التحليل القانوني والخبرة الاقتصادية، لأن تقدير أثر ممارسة معينة يتطلب فهم بنية السوق والبدائل المتاحة أمام المتعاملين. sgg.gov.ma

وتؤدي مراقبة التركيز دورًا وقائيًا عندما تتوافر شروط التبليغ القانوني عن الاندماج أو الاستحواذ. كما يستلزم التحقيق تمكين الأطراف من الاطلاع وتقديم الملاحظات ومناقشة المؤاخذات، مع حماية أسرار الأعمال وفق القانون.[3] وتوضح هذه الضمانات أن فعالية المجلس لا تقاس بالعقوبات وحدها، بل كذلك بجودة التحقيق وتعليل القرارات واحترام حقوق الدفاع.

وتتكامل هذه الوظيفة مع الرقابة القضائية؛ فالمادة 44 من القانون رقم 104.12 تميز بين القرارات المحددة في فقرتها الأولى، التي يطعن فيها أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض، وبين القرارات الأخرى التي تختص بها محكمة الاستئناف بالرباط، مع مراعاة الأحكام الخاصة.[3] كما تتدخل المحاكم المختصة في منازعات بطلان الالتزامات المنافية للمنافسة والتعويض عن الأضرار. ويمكن الاستناد في المسؤولية التقصيرية إلى الفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود عند تحقق شروطهما، وخاصة الضرر وعلاقة السببية؛ فثبوت المخالفة لا يغني وحده عن بيان الضرر المطلوب تعويضه.

وفي هذا السياق، يبرز رشيد البازيم، في دراسة منشورة بمجلة Journal of African Law، أهمية استقلال مجلس المنافسة بعد انتقاله من الوظيفة الاستشارية إلى سلطة تقريرية، مع ضرورة التوفيق بين هذا الاستقلال والمساءلة البرلمانية والرقابة المالية.[7] وتفيد هذه المقاربة أن استقلال الضبط ينبغي أن يقترن بوضوح المسؤولية، حتى تحظى القرارات بالثقة وتظل قابلة للمراقبة.

الفرع الثاني: التدخل الاقتصادي والاجتماعي للدولة

لا تنحصر وظيفة الدولة في منع الممارسات المنافية للمنافسة، بل تشمل تنظيم بعض الأسعار والأنشطة، وتوفير شروط التنمية والحماية الاجتماعية. غير أن هذه التدخلات تختلف في أساسها القانوني ومدتها وغاياتها. لذلك نتناول تنظيم الأسعار والقطاعات الاستراتيجية في الفقرة الأولى، ثم الدولة الاجتماعية والاستثمار المنتج في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: تنظيم الأسعار والقطاعات الاستراتيجية

تظل حرية الأسعار هي الأصل، وترد عليها أنظمة قانونية مختلفة. فالمادة 2 من القانون رقم 104.12 تستثني السلع والخدمات المدرجة في قائمة تنظيمية، بينما تسمح المادة 3 بتنظيم الأسعار بعد استشارة مجلس المنافسة عندما تكون المنافسة السعرية محدودة للأسباب التي عددتها، ومنها الاحتكار القانوني ودعم الإدارة وصعوبات التموين الدائمة والأحكام التشريعية أو التنظيمية.[3] ومن المجالات التي تعرضها وزارة الاقتصاد والمالية ضمن سياسة الأسعار المقننة: الماء والكهرباء وغاز البوطان والمنتجات الصيدلية.

أما المادة 4 فتتعلق بتدابير مؤقتة لمواجهة ارتفاع أو انخفاض فاحش في الأسعار تبرره ظروف استثنائية أو كارثة عامة أو وضعية غير عادية بوضوح في سوق قطاع معين، بعد استشارة المجلس، ولمدة لا تتجاوز ستة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة.[3] ومن تطبيقاتها رأي المجلس خلال مارس 2020 بشأن تنظيم أسعار المطهرات الكحولية والكمامات الواقية في سياق جائحة كوفيد 19.[9] لذلك لا يجوز تعميم المدة المؤقتة لهذه المادة على جميع أنظمة تقنين الأسعار. مجلس المنافسة

ومن زاوية تقييم السياسة الاقتصادية، ينبغي مراعاة كلفة الإنتاج واستمرارية التموين وأثر التنظيم على المستهلك والاستثمار. فقد يسهم ضبط سعر منتج أساسي في حماية القدرة على اقتنائه، بينما قد يؤدي تحديده دون دراسة إلى نقص العرض أو تراجع الجودة. كما تستدعي القطاعات التي تتطلب شبكات وتجهيزات مكلفة تنظيم شروط الولوج وجودة الخدمة واستمراريتها. وتظل مراجعة التدخل مرتبطة بأساسه القانوني وبمدى استمرار الحاجة إليه، دون افتراض أن كل تنظيم للأسعار إجراء طارئ يجب إنهاؤه خلال مدة واحدة.

الفقرة الثانية: الدولة الاجتماعية والاستثمار المنتج

تتدخل الدولة بالإنفاق العمومي والسياسة الضريبية والاستثمار في التعليم والصحة والبنية الأساسية والحماية الاجتماعية، بما يعزز قدرة الأفراد على العمل والإنتاج. ويندرج القانون الإطار رقم 09.21 ضمن هذا التوجه، من خلال الأهداف التي يقررها لتوسيع الحماية الاجتماعية.[10] أما السياسة النقدية، فتندرج ضمن اختصاصات بنك المغرب وفق القانون رقم 40.17، ويحتل استقرار الأسعار موقعًا أساسيًا في مهامه؛ ومن ثم ينبغي التمييز بين اختصاصاته واختصاصات الحكومة في السياسة المالية.

وفي مجال الاستثمار، يحدد القانون الإطار رقم 03.22 أهدافًا تشمل إحداث الشغل القار، وتقليص الفوارق المجالية في جذب الاستثمار، ودعم القطاعات ذات الأولوية، وتحسين مناخ الأعمال. كما يربط سياسة الاستثمار بحرية المبادرة والمنافسة والشفافية والمساواة في معاملة المستثمرين والأمن القانوني والحكامة.[12] وتقتضي فعالية الدعم أن تقاس نتائجه الفعلية، وأن تكون شروط الاستفادة منه واضحة، حتى يساهم في توسيع النشاط المنتج ولا يتحول إلى امتياز يحمي المستفيد من المنافسة.

وتضطلع المؤسسات والمقاولات العمومية بأدوار مهمة في بعض التجهيزات والخدمات والاستثمارات الاستراتيجية. غير أن الصفة العمومية لا تعني، وحدها، الإعفاء من قانون المنافسة؛ فالمادة الأولى من القانون رقم 104.12 تشمل أعمال الأشخاص الاعتبارية الخاضعة للقانون العام عندما تتصرف كفاعلين اقتصاديين، مع استبعاد ممارستها لصلاحيات السلطة العامة أو مهام المرفق العام وفق صياغة النص.[3] ولذلك يفيد وضوح المهام والتمويل وقواعد الحكامة في التوفيق بين متطلبات الخدمة العمومية وتكافؤ شروط المنافسة في الأنشطة الاقتصادية.

خاتمة

يتضح أن اقتصاد السوق يقوم على حرية المبادرة والتعاقد وتوجيه النشاط الاقتصادي بواسطة الأسعار، لكن فعاليته تتوقف على وجود قواعد ومؤسسات تحمي المنافسة والثقة في المعاملات. فالملكية لا تؤدي وظيفتها الاستثمارية دون أمن قانوني، والتعاقد لا يستقر دون صحة الالتزام وحسن تنفيذه، وتعدد المقاولات لا يضمن المنافسة إذا اقترن بالتواطؤ أو بالإقصاء. كما أن الكفاءة الاقتصادية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق العدالة في توزيع الفرص والموارد.

ويكشف الإطار المغربي عن تكامل بين الحماية الدستورية للحرية الاقتصادية، والقواعد العامة للالتزامات، والتشريعات الخاصة بالمنافسة وحماية المستهلك والاستثمار والحماية الاجتماعية. وتظهر قيمة هذا التكامل في تمكين المبادرة الخاصة، ومواجهة التعسف، وتبرير التدخل العمومي في المجالات التي تستدعيه، مع احترام اختصاصات المؤسسات والرقابة القضائية.

ويبقى الرهان في جودة التطبيق: وضوح القواعد واستقرارها، وتكافؤ الخضوع لها، وفعالية الرقابة، وتقييم أثر الدعم والتنظيم على الإنتاج والمستهلك والمال العام. كما يقتضي تجنب تحويل الترخيص أو الدعم إلى مصدر لامتياز غير مبرر، وتوجيه السياسات الاجتماعية إلى تحسين قدرات الأفراد وفرصهم. وبقدر ما يتحقق هذا التوازن، تستطيع السوق الإسهام في خلق الثروة والابتكار، وتستطيع الدولة ضمان استفادة أوسع من ثمارهما وحماية متطلبات التنمية المستدامة.

الهوامش والمراجع

[1] دستور المملكة المغربية لسنة 2011، خاصة الفصول 31 و35 و36 و166؛ النص المنشور بالموقع الرسمي للمحكمة الدستورية.

[2] قانون الالتزامات والعقود، ظهير 12 أغسطس 1913 كما غُيّر وتُمّم، خاصة الفصول 2 و62 و77 و78 و230 و231. روجعت نسخة وزارة العدل المحينة بتاريخ 16 يوليو 2026، ص 5–6 و18 و24 و58، المتاحة في نسخة معاد نشرها من إصدار الوزارة.

[3] القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.116 بتاريخ 30 يونيو 2014، كما غُيّر وتُمّم بالقانون رقم 40.21، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.22.67 بتاريخ 25 نوفمبر 2022؛ خاصة المواد 1 إلى 4 و6 إلى 12 و29 و31 و44. الصيغة الموطدة المنشورة لدى الأمانة العامة للحكومة.

[4] George A. Akerlof, “The Market for ‘Lemons’: Quality Uncertainty and the Market Mechanism”, The Quarterly Journal of Economics, Vol. 84, No. 3, 1970, pp. 488–500، خاصة ص 488–490. DOI: 10.2307/1879431.

[5] القانون رقم 31.08 القاضي بتحديد تدابير لحماية المستهلك، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.03 بتاريخ 18 فبراير 2011، كما غُيّر وتُمّم، خاصة المواد 3 و15 و19 و20؛ النسخة المحينة المنشورة ببوابة عدالة التابعة لوزارة العدل. adala.justice.gov.ma

[6] القانون رقم 20.13 المتعلق بمجلس المنافسة، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.14.117 بتاريخ 30 يونيو 2014، كما غُيّر وتُمّم بالقانون رقم 41.21، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.22.68 بتاريخ 25 نوفمبر 2022؛ خاصة المادتان 1 و2. الصيغة الموطدة المنشورة لدى الأمانة العامة للحكومة.

[7] Rachid El Bazzim, “The Independence of Morocco’s Competition Council”, Journal of African Law, Vol. 67, Issue 1, 2023, pp. 155–168. DOI: 10.1017/S0021855322000274. نُشر إلكترونيًا في 14 أكتوبر 2022؛ واستُند إلى الملخص المنشور لدى الناشر في بيان أطروحة الدراسة.

[8] وزارة الاقتصاد والمالية، «سياسة الأسعار»، صفحة مؤسساتية تعرض مبدأ حرية الأسعار ومجالات التقنين. ويُرجع في تحديد النظام القانوني لكل منتج أو خدمة إلى النصوص التنظيمية الخاصة به. finances.gov.ma

[9] مجلس المنافسة، بلاغ اجتماع اللجنة الدائمة المنعقد في 16 مارس 2020، بشأن تنظيم أسعار المطهرات الكحولية والكمامات الواقية.

[10] القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.21.30 بتاريخ 23 مارس 2021، الجريدة الرسمية عدد 6975 بتاريخ 5 أبريل 2021؛ النص المنشور لدى الأمانة العامة للحكومة.

[11] القانون رقم 40.17 المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.19.82 بتاريخ 21 يونيو 2019، خاصة المادة 6؛ النسخة المنشورة بموقع بنك المغرب.

[12] القانون الإطار رقم 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.22.76 بتاريخ 9 ديسمبر 2022، الجريدة الرسمية عدد 7151 بتاريخ 12 ديسمبر 2022، خاصة المادتان 1 و2؛ النص المنشور لدى الأمانة العامة للحكومة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق