الزواج الصحيح في مدونة الأسرة المغربية: شروط انعقاده وآثاره القانونية

من انعقاد الزواج إلى حماية الأسرة: حقوق الزوجين والأطفال في مدونة الأسرة

عالـم القانون28 أغسطس 2026
ضوابط الزواج الصحيح وآثاره القانونية في مدونة الأسرة المغربية – المقال الثالث.

مقــــدمة:

جعل المشرع المغربي الزواج أساس بناء الأسرة،

وعرفه في المادة 4 من القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة بأنه ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين.

 

ولا تكفي الرغبة الاجتماعية في الاقتران لقيام هذا الميثاق، بل يلزم أن تصاغ الإرادة وفق الأركان والشروط التي قررتها المدونة، وأن تنتفي الموانع الشرعية، فإذا تحققت هذه العناصر اعتبر الزواج صحيحا ورتب، طبقا للمادة 50، جميع الحقوق والواجبات بين الزوجين والأبناء والأقارب.
وتبرز أهمية الموضوع في أن الزواج الصحيح لا ينشئ مجرد رابطة شخصية، وإنما يؤسس نظاما قانونيا شاملا: فهو يرتب المساكنة والمعاشرة بالمعروف والتعاون في إدارة الأسرة، ويقرر الصداق والنفقة واستقلال الذمم المالية والتوارث، كما ينشئ فراشا تثبت به الأنساب، ويوجب رعاية الأطفال وحضانتهم والإنفاق عليهم، ويمد بعض نتائجه إلى الأقارب عن طريق المصاهرة والرضاع والقرابة. وقد أكدت الأدبيات القانونية المغربية أن مدونة الأسرة انتقلت من تصور يقوم على الحقوق المنفردة إلى المسؤولية المشتركة والحقوق المتبادلة، مع احتفاظ كل زوج بذمته المالية المستقلة.
غير أن صحة الزواج وآثاره تثيران أسئلة دقيقة حول حدود الرضا، ومدى اعتبار الأهلية والولاية والصداق والإشهاد، وموقع الموانع والشروط الإرادية، ثم كيفية تنفيذ الحقوق المتبادلة وحماية الطفل والمال العائلي. ومن ثم يمكن صياغة الإشكالية على النحو الآتي:

ما الضوابط القانونية التي يقوم عليها الزواج الصحيح في مدونة الأسرة، وما أهم آثاره الشخصية والمالية والعائلية؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، سيخصص المطلب الأول لضوابط انعقاد الزواج الصحيح وشروطه، بينما يتناول المطلب الثاني الآثار التي يرتبها تجاه الزوجين والأطفال والأقارب.

المطلب الأول: ضوابط انعقاد الزواج الصحيح وشروطه

يستفاد من المادة 50 أن وصف الصحة يتطلب اجتماع ثلاثة عناصر: توافر الأركان، وتحقق شروط الصحة، وانتفاء الموانع. ولأن الرضا هو جوهر الميثاق، بينما تحيط به شروط لحماية أطرافه والنظام العام، سيعالج الفرع الأول ركن التراضي وسلامة الإرادة، ثم يخصص الفرع الثاني لشروط الصحة والموانع والتوثيق.

الفرع الأول: ركن التراضي وسلامة الإرادة

لا يقوم الزواج الصحيح من دون إيجاب وقبول متطابقين، ولا يكفي وجودهما شكلا إذا كانت الإرادة معيبة أو إذا خالفت صيغة العقد طبيعته الدائمة. لذلك تتناول الفقرة الأولى إنشاء الرضا وصوره القانونية، وتعرض الفقرة الثانية سلامة الإرادة والشروط المقترنة بالعقد.

الفقرة الأولى: الإيجاب والقبول وتطابقهما

ينعقد الزواج، طبقا للمادة 10، بإيجاب من أحد المتعاقدين وقبول من الآخر بألفاظ تفيد معنى الزواج لغة أو عرفا. ويصح التعبير بالكتابة من العاجز عن النطق إذا كان يكتب، وإلا فبالإشارة المفهومة للطرف الآخر وللشاهدين. وتلزم المادة 11 بأن يكون الإيجاب والقبول شفويين عند الاستطاعة، ومتطابقين، وصادرين في مجلس واحد، وباتين غير مقيدين بأجل أو شرط واقف أو فاسخ. فالرضا ليس مجرد نية باطنية، بل توافق إرادتين على إنشاء زواج دائم ومحدد الأطراف.
وقد أكدت محكمة النقض في قرارها عدد 651 بتاريخ 23 شتنبر 2014، ملف عدد 343/2/1/2014، أن الإيجاب والقبول المتطابقين هما ركنا الزواج اللذان يتحقق بهما الرضا، إلى جانب الشروط الأخرى ومنها انتفاء الموانع. والأصل أن يبرم العقد بحضور طرفيه، لكن المادة 17 تجيز، بإذن قاضي الأسرة، التوكيل على إبرامه عند وجود ظروف خاصة، شريطة تحرير وكالة مستوفية للبيانات المتعلقة بالطرف الآخر والصداق والشروط المقبولة، وأن يكون الوكيل كامل الأهلية، وأن يؤشر القاضي على الوكالة. وهكذا لا تهدر الوكالة شخصية الرضا، لأنها تنقل التعبير عن إرادة محددة لا سلطة اختيار مطلقة.
وكمثال تطبيقي: إذا قبل شخصان الزواج في مجلس العقد، لكن أحدهما يصرح بأن الرابطة تنتهي تلقائيا بعد سنة، هنا لا تكون الصيغة موافقة لشرط الدوام الوارد في المادة 4، ويطبق على الشرط حكم المادتين 47 و62. أما إذا كان أحد الطرفين خارج البلاد وتعذر حضوره لسبب خاص، جاز أن يوكل شخصا بعقد الزواج بعد إذن القاضي واستيفاء المادة 17.

الفقرة الثانية: حرية الإرادة والشروط المقترنة بعقد الزواج

تقوم صحة الرضا على الحرية والعلم، لذلك أحالت المادة 12 الزواج المشوب بإكراه أو تدليس على المادتين 63 و66، فيجوز للمكره أو المدلس عليه أن يطلب الفسخ قبل البناء وبعده خلال شهرين من زوال الإكراه أو العلم بالتدليس، وله المطالبة بالتعويض. ويدخل في نطاق الحماية كل تدليس تعلق بواقعة كانت الدافع إلى قبول الزواج أو اشترطت صراحة في العقد. أما التدليس في الحصول على أذون أو شهادة الكفاءة المكونة لملف الزواج، فتخضع آثاره للمادة 66، مع الإحالة إلى الفصل 366 من القانون الجنائي.
وفي المقابل، احترمت المدونة سلطان الإرادة في رسم بعض تفاصيل الحياة الزوجية. فالمادة 47 تجعل الشروط ملزمة، إلا ما خالف أحكام العقد ومقاصده أو قاعدة آمرة، فيبطل الشرط ويبقى العقد صحيحا. وتقرر المادة 48 صحة الشرط الذي يحقق فائدة مشروعة لمشترطه، مع إمكان طلب الإعفاء منه أو تعديله قضائيا إذا طرأت ظروف جعلت التنفيذ العيني مرهقا. ويصح، مثلا، شرط عدم التزوج على الزوجة وفق المادة 40، كما يصح الاتفاق على متابعة الدراسة أو العمل متى لم يصادم النظام العام أو مقاصد الزواج. وهذه الشروط لا تنشئ صحة العقد من عدمها، لكنها تصبح جزءا من نظامه الملزم، ويجوز أن يؤدي الإخلال بها إلى طلب التطليق وفق المواد 98 وما بعدها بحسب الحالة.
مثال تطبيقي: إذا اشترطت الزوجة في العقد مواصلة دراستها فقبل الزوج، أصبح الشرط ملزما لكونه يحقق مصلحة مشروعة. وإذا تبين لاحقا أن الزوج قدم وثيقة كاذبة أو أخفى واقعة جوهرية كانت سبب قبول الزواج، كان للزوجة طلب الفسخ والتعويض داخل الأجل المحدد في المادة 63، من دون أن يتحول كل تدليس آليا إلى بطلان مطلق.

الفرع الثاني: شروط الصحة وانتفاء الموانع والتوثيق

إلى جانب الرضا، أحاطت المدونة العقد بشروط تتصل بأهلية الطرفين والولاية والصداق والإشهاد، وأوجبت انتفاء المحرمات، ثم نظمت ملف الزواج ورسمه لضمان الإثبات والرقابة. لذلك تعالج الفقرة الأولى شروط الصحة المتصلة بالأشخاص والعقد، وتخصص الفقرة الثانية للموانع والإجراءات الشكلية المثبتة للزواج.

الفقرة الأولى: الأهلية والولاية والصداق والإشهاد

جمعت المادة 13 شروط عقد الزواج في أهلية الزوجين، وعدم الاتفاق على إسقاط الصداق، والولي عند الاقتضاء، وسماع العدلين الإيجاب والقبول وتوثيقه، وانتفاء الموانع. وتكتمل أهلية الزواج بإتمام ثماني عشرة سنة شمسية مع التمتع بالقوى العقلية، وفق المادة 19، ويجوز استثناء لقاضي الأسرة أن يأذن بزواج من دون هذا السن بمقرر معلل يبين المصلحة والأسباب المبررة، بعد الاستماع للنائب الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو بحث اجتماعي، طبقا للمادة 20. أما زواج الشخص المصاب بإعاقة ذهنية، فيتطلب تقريرا طبيا وإخبار الطرف الآخر الراشد ورضاه الصريح في تعهد رسمي وفق المادة 23.
والولاية حق للمرأة الراشدة تمارسه حسب اختيارها ومصلحتها، فلها أن تعقد زواجها بنفسها أو تفوض ذلك لأبيها أو لأحد أقاربها، وفق المادتين 24 و25. أما القاصر، فتتوقف زيجته على موافقة نائبه الشرعي بالشروط الواردة في المادة 21. والصداق ملك للزوجة ورمزه معنوي لا مادي، وفق المواد 26 إلى 29، ولا يفسد الزواج مجرد عدم تسمية مقداره لأن المادة 27 تعتبر ذلك زواج تفويض، وإنما يحظر الاتفاق على إسقاطه. أما سماع العدلين الإيجاب والقبول وتوثيقه، فهو ضمانة للرضا والإثبات معا.
مثال تطبيقي: امرأة راشدة في الخامسة والعشرين تستطيع أن تعقد زواجها بنفسها، ولا يجوز اعتبار غياب وليها سببا للفساد. أما قاصر في السابعة عشرة، فلا يكفي رضاه وحده، بل يلزم إذن القاضي وموافقة النائب الشرعي أو بت القاضي عند امتناعه، مع استيفاء إجراءات المادة 20.

الفقرة الثانية: انتفاء الموانع الشرعية والإجراءات الشكلية

قسمت المادة 35 موانع الزواج إلى مؤبدة ومؤقتة. فالموانع المؤبدة تشمل القرابة المنصوص عليها في المادة 36، والمصاهرة في المادة 37، والرضاع في المادة 38. أما المادة 39 فتحصر الموانع المؤقتة في الجمع بين محرمين، والزيادة على العدد المسموح به شرعا، والمطلقة ثلاثا إلى حين تحقق الشروط القانونية، واختلاف الدين في الصور الممنوعة، ووجود المرأة في زواج أو عدة أو استبراء. وينضاف إلى ذلك أن التعدد، وإن لم يكن مانعا مطلقا في ذاته، يخضع للرقابة القضائية والعدل والمبرر الموضوعي الاستثنائي والقدرة المالية في المواد 40 إلى 46، ولا يجوز عند إبرام زواج صحيح تجاوز العدد المسموح أو مخالفة مانع قائم.
أما من الناحية الإجرائية، فتنظم المواد 65 إلى 69 ملف الزواج والأذون والشهادات الطبية والإدارية، ومضمون الرسم وتسجيله وتسليم أصله للزوجة ونظيره للزوج. وتنص المادة 16 على أن وثيقة عقد الزواج هي الوسيلة المقبولة لإثباته، مع العلم أن الاستثناء الانتقالي لسماع دعوى الزوجية الوارد في فقرتها الأخيرة كان محددا بخمس عشرة سنة من دخول المدونة حيز التنفيذ، ولذلك لا ينبغي تقديمه في المراجعة على أنه طريق عادي دائم لإحداث زواج جديد. وبالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، تجيز المادة 14 إبرام الزواج وفق الإجراءات المحلية متى توافرت الأركان والشروط وحضر شاهدان مسلمان، وتوجب المادة 15 إيداع نسخة منه داخل ثلاثة أشهر لدى المصالح المختصة.
مثال تطبيقي: إذا أراد مغربي مقيم بالخارج توثيق زواجه وفق قانون بلد الإقامة، وجب توافر الإيجاب والقبول والأهلية والولي عند الاقتضاء وانتفاء الموانع وعدم إسقاط الصداق وحضور شاهدين مسلمين، ثم إيداع النسخة داخل الأجل المحدد. أما مجرد إقامة حفل وقراءة الفاتحة فلا يغنيان، كأصل عام، عن وثيقة الزواج وإجراءاتها.

المطلب الثاني: آثار الزواج الصحيح تجاه الزوجين والأطفال والأقارب

بمجرد انعقاد الزواج صحيحا، تنتج جميع آثاره طبقا للمادة 50. وتتوزع هذه النتائج بين حقوق شخصية ومالية متبادلة للزوجين، وحقوق لصيقة بالأطفال، وآثار تمتد إلى الأقارب. وعليه، سيخصص الفرع الأول للآثار بين الزوجين، فيما يتناول الفرع الثاني آثار الزواج تجاه الأطفال والأقارب.

الفرع الأول: الآثار الشخصية والمالية بين الزوجين

حددت المادة 51 جوهر الالتزامات المتبادلة، بينما وزعت المدونة الحقوق المالية بين الصداق والنفقة واستقلال الذمة والتوارث، ورتبت وسائل قضائية عند الإخلال. لذلك تتناول الفقرة الأولى الحقوق والواجبات الشخصية ووسائل حمايتها، وتعرض الفقرة الثانية الآثار المالية والتوارث.

الفقرة الأولى: الحقوق والواجبات الشخصية المتبادلة وحمايتها

قررت المادة 51 ست مجموعات من الحقوق والواجبات المتبادلة:

1-المساكنة الشرعية وما تستوجبه من معاشرة زوجية وعدل وتسوية عند التعدد وإحصان وإخلاص؛

2-والمعاشرة بالمعروف وتبادل الاحترام والمودة والرحمة والحفاظ على مصلحة الأسرة؛

3-وتحمل الزوجين مسؤولية تسيير ورعاية البيت والأطفال؛

4-والتشاور في القرارات المتعلقة بالأسرة والأطفال وتنظيم النسل؛

5-وحسن معاملة كل منهما لأبوي الآخر ومحارمه؛

6-وأخيرا حق التوارث. ويعكس هذا التنظيم انتقالا من منطق السلطة الانفرادية إلى منطق الرعاية المشتركة والتكامل في المسؤولية.

ولم تترك المدونة هذه الواجبات في مستوى التوجيه الأخلاقي فقط. فوفق المادة 52، إذا أصر أحد الزوجين على الإخلال بها، جاز للطرف الآخر طلب تنفيذ ما هو ملزم به أو اللجوء إلى مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97. وإذا أخرج أحدهما الآخر من بيت الزوجية دون مبرر، تدخلت النيابة العامة لإرجاع المطرود حالا، مع اتخاذ إجراءات الأمن والحماية، طبقا للمادة 53؛ وتستمد النيابة العامة هذا الدور أيضا من صفتها طرفا أصليا في قضايا المدونة بموجب المادة 3. ومع ذلك، يظل التنفيذ العيني مقيدا بكرامة الأشخاص واستحالة الإكراه المادي على الالتزامات شديدة الخصوصية، فتغدو مسطرة الشقاق أحيانا وسيلة إنهاء عند استحكام النزاع.
مثال تطبيقي: إذا انفرد أحد الزوجين بالقرارات الجوهرية المتعلقة بعلاج طفل أو تمدرسه ورفض التشاور بصورة مستمرة، جاز للآخر طلب تنفيذ واجب التشاور، وعند استمرار النزاع سلوك مسطرة الشقاق. وإذا طرد الزوج زوجته من المسكن ليلا دون مبرر، تتدخل النيابة العامة فورا للحماية والإرجاع، ولا يلزمها انتظار حكم نهائي في دعوى مستقلة.

الفقرة الثانية: الآثار المالية واستقلال الذمة والتوارث

يرتب الزواج الصحيح الصداق، وتستحق الزوجة كله بالبناء أو بموت الزوج قبله، ونصف الصداق المسمى عند الطلاق قبل البناء، وفق المادة 32؛ وإذا حصلت المعاشرة قبل أداء الصداق الحال صار دينا في ذمة الزوج طبقا للمادة 31. كما تجب نفقة الزوجة على زوجها بمجرد البناء، أو إذا دعته إلى البناء بعد العقد، وفق المادة 194، ويحكم بها من تاريخ الإمساك عن الإنفاق طبقا للمادة 195. وتشمل النفقة، بمقتضى المادة 189، الغذاء والكسوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات، مع مراعاة دخل الملزم وحال المستحق والأسعار والعرف؛ وتبين المادة 191 وسائل تنفيذ الحكم بالنفقة وتكاليف السكن وضمانات استمرار الأداء.
وفي مقابل هذه الآثار، تحافظ المادة 49 على استقلال الذمة المالية لكل زوج، وتجيز لهما الاتفاق، في وثيقة مستقلة، على استثمار وتوزيع الأموال المكتسبة أثناء الزوجية؛ وفي غياب الاتفاق تطبق القواعد العامة للإثبات، مع مراعاة العمل والمجهود والأعباء التي أسهمت في تنمية أموال الأسرة. وقد قررت محكمة النقض، في قرارها عدد 566 بتاريخ 13 دجنبر 2008، ملف عدد 28/2/1/2007، أن غياب اتفاق مسبق لا يمنع إثبات المساهمة، كما جعلت تقدير الكد والسعاية من سلطة قضاة الموضوع في القرار عدد 582 بتاريخ 22 يوليوز 2014، ملف عدد 744/2/1/2013.

ومن جهة أخرى، تعد الزوجية سببا شرعيا للإرث وفق المادة 329؛ فللزوج النصف عند عدم وجود فرع وارث والربع عند وجوده وفق المادتين 342 و343، وللزوجة الربع عند عدم الفرع الوارث والثمن عند وجوده وفق المادتين 343 و344، مع مراعاة موانع الإرث
مثال تطبيقي: إذا اشترى الزوجان مسكنا أثناء الزواج، وسجل في اسم أحدهما، ولم يحررا اتفاق المادة 49، جاز للآخر أن يثبت مساهمته بتحويلات بنكية أو شهادات أو قرائن منتجة؛ لكن مجرد قيام الزوجية لا يؤدي تلقائيا إلى اقتسام المال مناصفة. وإذا توفي الزوج وترك زوجة وأبناء، استحقت الزوجة الثمن بعد أداء الحقوق المتعلقة بالتركة، لا نصف أموال الزوج بوصفها «أموالا مشتركة» من دون سند.

الفرع الثاني: آثار الزواج تجاه الأطفال والأقارب

لا تقف آثار الزواج عند طرفيه، لأن الأسرة التي يقصد العقد إنشاءها تضم أطفالا يتمتعون بحقوق مستقلة، كما تنشأ عن الزواج روابط مصاهرة وقرابة ذات آثار شرعية ومالية. لذلك تعالج الفقرة الأولى حقوق الأطفال والنسب والحضانة والنفقة، ثم تتناول الفقرة الثانية آثار المصاهرة والرضاع والقرابة تجاه الأقارب.

الفقرة الأولى: حقوق الأطفال وثبوت النسب والحضانة والنفقة

جمعت المادة 54 حقوق الطفل على أبويه، ومنها حماية الحياة والصحة منذ الحمل إلى الرشد، وتثبيت الهوية والاسم والجنسية والتسجيل في الحالة المدنية، والنسب والحضانة والنفقة، والإرضاع عند الاستطاعة، والسلامة الجسدية والنفسية والوقاية والعلاج، والتوجيه الديني والتربية دون عنف أو استغلال، والتعليم والتكوين. كما قررت رعاية خاصة للطفل المصاب بإعاقة، وحملت الدولة مسؤولية اتخاذ تدابير الحماية، وأسندت إلى النيابة العامة مراقبة التنفيذ. وتظل الحضانة واجبا مشتركا بين الزوجين ما دامت الرابطة قائمة وفق المادة 164.
ويعد الفراش من أبرز آثار الزواج الصحيح، فالمواد 152 إلى 154 تجعل الزوجية سببا للحوق النسب، ويثبت نسب الولد إذا ولد لستة أشهر من تاريخ العقد مع إمكان الاتصال، أو خلال سنة من تاريخ الفراق. والفراش بشروطه حجة قاطعة لا يطعن فيه الزوج إلا باللعان أو بخبرة تفيد القطع مع دلائل قوية وأمر قضائي وفق المادة 153. ويستتبع ثبوت النسب جميع نتائج القرابة من نفقة وإرث وموانع زواج طبقا للمادة 157. أما النفقة على الأولاد فتخضع للمواد 187 إلى 205، وتستمر، كأصل، إلى سن الرشد، أو الخامسة والعشرين لمن يتابع دراسته، مع استمرار نفقة البنت إلى توفرها على الكسب أو وجوب نفقتها على زوجها وفق المادة 198.
مثال تطبيقي: طفل ولد بعد ثمانية أشهر من عقد زواج صحيح مع إمكان الاتصال ينسب إلى الزوج بالفراش. ولا يكفي لنفيه مجرد الشك أو فحص خاص أجري بإرادة منفردة، بل يلزم حكم قضائي واستيفاء شروط المادة 153. كما لا يسقط حقه في العلاج والتعليم بسبب نزاع بين أبويه، لأن هذه حقوق أصلية له لا حقوق تابعة لموقف أحد الزوجين.

الفقرة الثانية: آثار الزواج على الأقارب والمصاهرة والرضاع

تنص المادة 55 على أن عقد الزواج ينشئ آثارا تمتد إلى أقارب الزوجين، ولا سيما موانع الزواج الراجعة إلى المصاهرة والرضاع والجمع. وتفصل المادة 37 المصاهرة، فتحرم أصول الزوجات بمجرد العقد، وتحرم فروعهن بشرط البناء بالأم، كما تحرم زوجات الآباء وإن علوا وزوجات الأولاد وإن سفلوا بمجرد العقد. وتقرر المادة 38 أن الرضاع يحرم ما تحرمه القرابة والمصاهرة بالشروط الواردة فيها، بينما تمنع المادة 39 مؤقتا الجمع بين الأختين أو بين المرأة وعمتها أو خالتها. وهذه النتائج لا تزول كلها بانحلال الزواج، لأن بعضها ينشئ حرمة مؤبدة.
كما تتجسد الروابط العائلية في حسن معاملة أبوي الزوج الآخر ومحارمه وزيارتهم واستزارتهم بالمعروف، وهو واجب متبادل في المادة 51. وإلى جانب البعد الاجتماعي، يرتب ثبوت النسب الناشئ عن الزواج آثار القرابة المالية، فالمادة 197 توجب النفقة على الأبوين للأولاد وعلى الأولاد للوالدين وفق شروط المدونة، والمادة 329 تجعل القرابة سببا شرعيا للإرث. ومن ثم فالزواج الصحيح يربط بين دائرتين: دائرة المصاهرة التي تنشئ أساسا موانع وواجبات احترام، ودائرة النسب التي تنشئ، فوق ذلك، النفقة والإرث والولاية والحضانة بحسب الأحوال.
مثال تطبيقي: بمجرد أن يعقد الرجل على امرأة، تحرم عليه أمها ولو وقع الطلاق قبل البناء؛ أما ابنتها من زواج سابق فلا تحرم عليه إلا إذا حصل البناء بالأم، تطبيقا للمادة 37. وإذا ولد للزوجين طفل، أصبحت قرابته سببا لنفقته وإرثه، وترتبت موانع الزواج المتفرعة عن النسب وفق المواد ذات الصلة.

خاتمة

يتضح أن الزواج الصحيح في مدونة الأسرة يقوم على بناء قانوني متكامل: رضا صحيح معبر عنه بإيجاب وقبول متطابقين، وأهلية وولاية عند الاقتضاء، وعدم إسقاط الصداق، وإشهاد وتوثيق، وانتفاء الموانع الشرعية. ولا تعد هذه الضوابط شكليات معزولة، بل وسائل لحماية حرية الاختيار واستقرار الأسرة والأنساب والحقوق المالية.
ومتى استوفى العقد هذه العناصر، أنتج جميع آثاره: حقوقا وواجبات شخصية قائمة على المودة والتعاون والتشاور؛ وآثارا مالية تجمع بين الصداق والنفقة والتوارث واستقلال الذمم مع إمكان الاتفاق على تدبير المال المكتسب، وحقوقا مستقلة للأطفال في الهوية والنسب والرعاية والحضانة والنفقة والتعليم؛ ثم آثارا تمتد إلى الأقارب بالمصاهرة والرضاع والقرابة. وهكذا لا تقاس صحة الزواج بمجرد وجود الرسم، بل بسلامة تكوينه وقدرته على تحقيق مقاصده في الاستقرار والكرامة وحماية الطفل والتوازن بين أفراد الأسرة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق