التقادم في قانون الالتزامات والعقود المغربي: المدد والأسباب والآثار القانونية

متى تسقط الديون بالتقادم؟ شرح شامل لأحكام التقادم في القانون المغربي

عالـم القانون1 أغسطس 2026
التقادم في قانون الالتزامات والعقود المغربي مع ميزان العدالة والساعة الرملية وكتاب قانوني وتقويم يرمز إلى آجال التقادم.

مقدمة

يعد التقادم من أهم المؤسسات القانونية التي تقوم عليها فكرة الاستقرار في المعاملات، لما يؤدي إليه من وضع حد لحالة عدم اليقين التي قد تظل قائمة مدة طويلة بين الدائن والمدين. فبقاء الحقوق والالتزامات معرضة للمطالبة إلى أجل غير محدد من شأنه أن يهدد استقرار المراكز القانونية، ويصعب إثبات الوقائع بعد مرور زمن طويل قد تضيع خلاله الوثائق، أو تتغير فيه الأحوال، أو يتعذر استحضار وسائل الإثبات.

ويقصد بالتقادم، بوجه عام، مرور مدة زمنية يحددها القانون ويرتب عليها أثرا قانونيا معينا. وقد يتمثل هذا الأثر في سقوط الدعوى الناشئة عن الالتزام، وهو ما يعرف بالتقادم المسقط، كما قد يتمثل في اكتساب حق عيني عن طريق الحيازة المستوفية للشروط القانونية، وهو ما يعرف بالتقادم المكسب.

غير أن قانون الالتزامات والعقود المغربي يعالج أساسا التقادم المسقط، وقد خصص له الفصول من 371 إلى 392. ويقوم هذا التقادم على اعتبارات متعددة، أهمها استقرار المعاملات، وحماية المدين من المطالبة بديون قديمة قد يكون قد أداها دون أن يحتفظ بما يثبت الوفاء بها، فضلا عن حث الدائن على عدم التراخي في المطالبة بحقه.

ولا يعني التقادم بالضرورة أن الحق لم يكن موجودا، وإنما يرتب المشرع على تقاعس صاحبه عن المطالبة به خلال المدة القانونية سقوط الدعوى الناشئة عنه، متى تمسك بالتقادم من له مصلحة فيه. ولذلك فإن التقادم يحقق نوعا من التوازن بين مصلحة الدائن في اقتضاء حقه ومصلحة المدين والمجتمع في استقرار الأوضاع القانونية.

وتتجلى أهمية الموضوع كذلك في تعدد مدد التقادم، واختلافها بحسب طبيعة الالتزام وصفة أطرافه، فضلا عن وجود أسباب تحول دون سريانه أو تؤدي إلى انقطاعه وبدء مدة جديدة.

 

وعليه، تطرح هذه الدراسة الإشكالية التالية:

ما أحكام التقادم في قانون الالتزامات والعقود المغربي من حيث مفهومه وأنواعه ومدده وأسباب عدم سريانه وانقطاعه وآثاره؟

 

وللإجابة عن هذه الإشكالية، سنتناول في المبحث الأول مفهوم التقادم وأنواعه ومدده، ثم نتطرق في المبحث الثاني إلى أسباب عدم سريان التقادم وانقطاعه وآثاره.

 

المبحث الأول: مفهوم التقادم وأنواعه ومدده

المطلب الأول: مفهوم التقادم والتمييز بين أنواعه

 

الفقرة الأولى: التقادم المسقط

 

التقادم المسقط هو مرور مدة زمنية يحددها القانون دون أن يمارس الدائن خلالها الدعوى الناشئة عن حقه، فيترتب على اكتمالها سقوط هذه الدعوى، متى تمسك بالتقادم من له مصلحة فيه.

وقد نص الفصل 371 من قانون الالتزامات والعقود على أن التقادم، خلال المدة التي يحددها القانون، يسقط الدعوى الناشئة عن الالتزام. أما الفصل 372 فقد قرر أن التقادم لا يسقط الدعوى بقوة القانون، بل لا بد لمن له مصلحة فيه أن يحتج به، كما منع القاضي من الاستناد إليه من تلقاء نفسه.

ويستفاد من ذلك أن التقادم في قانون الالتزامات والعقود لا يتعلق، من حيث الأصل، بالنظام العام، فلا يجوز للمحكمة أن تقضي به تلقائيا، وإنما يجب أن يتمسك به المدين أو غيره ممن له مصلحة في ذلك.

كما أن التقادم المسقط لا يؤدي، بحسب صياغة الفصل 371، إلى محو الحق بصورة مطلقة، وإنما يسقط الدعوى الناشئة عنه. ولذلك، إذا أدى المدين الدين بعد اكتمال مدة التقادم، لم يكن له أن يسترد ما أداه بدعوى أنه دفع ما لم يكن ملزما به. فقد نص الفصل 73 على أن الدفع الذي يتم تنفيذا لدين سقط بالتقادم لا يخول الاسترداد، متى كان الدافع متمتعا بأهلية التصرف على سبيل التبرع، ولو كان يجهل حصول التقادم.

ومن الأمثلة الواقعية على ذلك أن يقرض شخص مبلغا ماليا لآخر، ثم يمتنع عن المطالبة به مدة خمس عشرة سنة كاملة، دون أن يقع انقطاع التقادم أو يتوفر سبب يحول دون سريانه. ففي هذه الحالة يجوز للمدين أن يتمسك بسقوط الدعوى بالتقادم، ولا تستطيع المحكمة أن تقضي به ما لم يثره صاحب المصلحة.

 

الفقرة الثانية: التقادم المكسب

 

التقادم المكسب هو وسيلة لاكتساب الملكية أو بعض الحقوق العينية نتيجة حيازة الشيء مدة معينة، متى كانت الحيازة مستوفية للشروط التي يحددها القانون.

ويخضع التقادم المكسب والحيازة المكسبة للملكية للقواعد المنصوص عليها في التشريع العقاري، ولا سيما مدونة الحقوق العينية، وليس للأحكام المنظمة للتقادم المسقط في الفصول من 371 إلى 392 من قانون الالتزامات والعقود.

ويختلف التقادم المكسب عن التقادم المسقط من عدة جوانب. فالتقادم المكسب يؤدي إلى اكتساب حق عيني، في حين يؤدي التقادم المسقط إلى سقوط الدعوى الناشئة عن الالتزام. كما أن التقادم المكسب يقوم على الحيازة المستوفية لشروطها القانونية، بينما يقوم التقادم المسقط على عدم استعمال الدائن لدعواه خلال المدة المحددة قانونا.

ويختلف النوعان أيضا من حيث نطاق التطبيق، إذ يتعلق التقادم المكسب أساسا بالملكية والحقوق العينية، بينما يتعلق التقادم المسقط بالدعاوى الناشئة عن الالتزامات.

ومن أمثلة التقادم المكسب أن يحوز شخص عقارا غير محفظ حيازة مستوفية للشروط القانونية طوال المدة التي يحددها التشريع العقاري، فيمكنه التمسك بهذه الحيازة لإثبات اكتساب الحق، متى لم يوجد مانع قانوني يحول دون ذلك.

 

المطلب الثاني: مدد التقادم في قانون الالتزامات والعقود

الفقرة الأولى: مدة التقادم العامة وبعض المدد الخاصة

 

حدد المشرع المغربي المدة العامة للتقادم في خمس عشرة سنة. فقد نص الفصل 387 من قانون الالتزامات والعقود على أن جميع الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة، باستثناء الحالات التي يحدد فيها قانون الالتزامات والعقود أو قانون خاص مدة مختلفة.

وبناء عليه، فإن كل دعوى ناشئة عن التزام ولم يحدد المشرع لها مدة خاصة، تخضع من حيث الأصل للتقادم بمرور خمس عشرة سنة.

وتحسب مدة التقادم بالأيام الكاملة لا بالساعات، ولا يدخل اليوم الذي يبدأ فيه التقادم ضمن المدة اللازمة لاكتماله، ويتم التقادم بانتهاء اليوم الأخير من الأجل، وفقا للفصل 386.

غير أن المشرع أورد بعض الأحكام الخاصة. فقد نص الفصل 377 على أنه لا محل للتقادم إذا كان الالتزام مضمونا برهن حيازي أو برهن بدون حيازة أو برهن رسمي. كما قرر الفصل 376 أن سقوط الدعوى المتعلقة بالالتزام الأصلي يؤدي في الوقت نفسه إلى سقوط الدعاوى المتعلقة بالالتزامات التبعية، ولو لم تكن مدة تقادم هذه الالتزامات التبعية قد اكتملت بعد.

وإلى جانب المدة العامة، توجد مدد تقادم خاصة أقصر، سواء في قانون الالتزامات والعقود أو في قوانين خاصة، بحسب طبيعة الحق أو الدعوى محل المطالبة.

 

الفقرة الثانية: مدد التقادم القصيرة

 

قرر المشرع المغربي مجموعة من مدد التقادم القصيرة، خاصة في الفصول 388 و389 و391 و392 من قانون الالتزامات والعقود.

 

أولا: التقادم بخمس سنوات

 

تتقادم بخمس سنوات، وفق الفصل 388، دعوى التجار والموردين وأرباب المصانع بسبب التوريدات التي يقدمونها إلى غيرهم من التجار أو الموردين أو أرباب المصانع من أجل حاجات مهنهم.

كما تتقادم بخمس سنوات، وفق الفصل 391، الحقوق الدورية والمعاشات وأكرية الأراضي والمباني والفوائد وغيرها من الأداءات المماثلة، ابتداء من تاريخ حلول كل قسط.

وتتقادم كذلك بخمس سنوات، وفق الفصل 392، الدعاوى بين الشركاء بعضهم مع بعض، أو بينهم وبين الغير، بسبب الالتزامات الناشئة عن عقد الشركة، ابتداء من نشر سند حل الشركة أو نشر انفصال الشريك عنها، مع مراعاة الحالات التي يقرر فيها القانون مدة أقصر.

 

ثانيا: التقادم بسنتين

 

تتقادم بسنتين، طبقا للفصل 388، مجموعة من الدعاوى، من أهمها:

دعاوى الأطباء والجراحين والمولدين وأطباء الأسنان والبياطرة المتعلقة بالزيارات والعمليات والتوريدات والمبالغ المقدمة منهم؛
دعاوى الصيادلة المتعلقة بالأدوية التي يوردونها؛
دعاوى المؤسسات المخصصة لعلاج الأمراض أو رعاية المرضى عن العلاجات والتوريدات والمصروفات؛
دعاوى المهندسين المعماريين وغيرهم من المهندسين والخبراء والمساحين عن أعمالهم ومصروفاتهم؛
دعاوى التجار والموردين وأرباب المصانع المتعلقة بالتوريدات المقدمة إلى الأفراد لاستعمالهم الخاص؛
دعاوى الفلاحين ومنتجي المواد الأولية المتعلقة بالتوريدات المستخدمة في الأغراض المنزلية للمدين.

ومن الأمثلة الواقعية على ذلك أن يبيع تاجر سلعة إلى شخص من أجل استعماله الشخصي أو العائلي، إذ تتقادم دعوى المطالبة بثمنها، وفق الفصل 388، بمرور سنتين، وليس بسنة واحدة.

 

ثالثا: التقادم بسنة واحدة

 

تتقادم بسنة ذات ثلاثمائة وخمسة وستين يوما، وفق الفصل 388، الدعاوى الآتية:

دعاوى المعلمين والأساتذة وأصحاب المؤسسات المخصصة لإقامة التلاميذ عن الأتعاب والتوريدات المقدمة إلى التلاميذ؛
دعاوى الخدم المتعلقة بالأجور والمصروفات وغيرها من الأداءات المستحقة بموجب عقد العمل؛
دعاوى العمال والمستخدمين والمتعلمين والمتجولين ومندوبي التجارة والصناعة عن الرواتب والعمولات والمصروفات؛
دعاوى أرباب الحرف عن التوريدات والمياومات والمصروفات الناتجة عن خدماتهم؛
دعاوى أصحاب الفنادق والمطاعم عن الإقامة والطعام والمبالغ التي يصرفونها لحساب زبنائهم؛
دعاوى مكري المنقولات من أجل أجرتها.

كما تتقادم بسنة، وفق الفصل 389، دعاوى وكلاء الخصومة المتعلقة بالأتعاب والمبالغ التي يصرفونها، ودعاوى الوسطاء المتعلقة بالسمسرة، وبعض الدعاوى الناشئة عن عقد النقل. غير أنه ينبغي مراعاة التشريعات الخاصة اللاحقة؛ فمثلا، يحدد القانون المنظم لمهنة المحاماة مدة خمس سنوات للمنازعات المتعلقة بأتعاب المحامي، كما تحدد مدونة الشغل مدة سنتين للحقوق الناتجة عن عقود الشغل الفردية.

 

رابعا: الأجل الخاص بدعوى الرجوع في عقد النقل

 

لم ينص الفصلان 388 و389 على تقادم عام مدته ستة أشهر. وإنما نص الفصل 389، في مجال النقل، على أجل مدته شهر واحد لرفع دعاوى الرجوع، يبدأ من يوم مباشرة الدعوى ضد الشخص الذي يثبت له الضمان.

كما نص الفصل 390 على أن التقادم المنصوص عليه في الفصلين 388 و389 يسري ولو استمرت التوريدات أو الخدمات أو الأعمال، مع منح من يحتج ضده بهذا التقادم إمكانية توجيه اليمين إلى من يتمسك به ليقسم بأن الدين قد دفع فعلا.

 

المبحث الثاني: عدم سريان التقادم وانقطاعه وآثاره

المطلب الأول: أسباب عدم سريان التقادم وانقطاعه

الفقرة الأولى: عدم سريان التقادم ووقفه

 

يقصد بوقف التقادم أو عدم سريانه وجود مانع قانوني أو واقعي يحول مؤقتا دون احتساب مدة التقادم. فإذا زال المانع، استؤنف احتساب المدة، مع الاعتداد، من حيث الأصل، بالمدة التي سبق أن انقضت قبل قيام سبب الوقف.

وقد نص الفصل 378 من قانون الالتزامات والعقود على أنه لا محل للتقادم:

بين الزوجين طوال مدة الزواج؛
بين الأب أو الأم وأولادهما؛
بين ناقص الأهلية أو الحبس أو غيره من الأشخاص المعنوية وبين الوصي أو المقدم أو المدير، ما دامت ولايتهم قائمة ولم يقدموا حساباتهم النهائية.

كما نص الفصل 379 على أن التقادم لا يسري ضد القاصرين غير المرشدين وناقصي الأهلية الآخرين إذا لم يكن لهم وصي أو مساعد قضائي أو مقدم، إلى ما بعد بلوغهم سن الرشد أو ترشيدهم أو تعيين نائب قانوني عنهم.

أما الفصل 380، فقد قرر أن التقادم لا يسري بالنسبة إلى الحقوق إلا من يوم اكتسابها، ورتب على ذلك عدم سريانه في الحالات الآتية:

بالنسبة إلى الحقوق المعلقة على شرط، إلى أن يتحقق الشرط؛
بالنسبة إلى دعوى الضمان، إلى أن يحصل الاستحقاق أو يتحقق الفعل الموجب للضمان؛
بالنسبة إلى الدعوى التي تتوقف مباشرتها على حلول أجل، إلى أن يحل ذلك الأجل؛
ضد الغائبين إلى أن يثبت غيابهم ويعين نائب قانوني عنهم؛
إذا وجد الدائن فعليا في ظروف تجعل من المستحيل عليه المطالبة بحقوقه خلال أجل التقادم.

ويمكن أن تندرج القوة القاهرة ضمن الحالة الأخيرة، متى بلغت من الجسامة حدا جعل مطالبة الدائن بحقه مستحيلة فعلا، لا مجرد صعبة. ومن ذلك، على سبيل المثال، حصول كارثة طبيعية أو ظروف استثنائية تحول بصورة فعلية دون الوصول إلى القضاء أو مباشرة المطالبة خلال الأجل.

 

الفقرة الثانية: انقطاع التقادم

 

يقصد بانقطاع التقادم زوال أثر المدة التي سبق أن انقضت وبدء مدة جديدة كاملة بعد انتهاء الأثر المترتب على سبب الانقطاع.

وقد حدد المشرع أسباب انقطاع التقادم في الفصلين 381 و382 من قانون الالتزامات والعقود.

أولا: المطالبة القضائية أو غير القضائية

ينقطع التقادم، طبقا للفصل 381، بكل مطالبة قضائية أو غير قضائية يكون لها تاريخ ثابت ومن شأنها أن تجعل المدين في حالة مطل لتنفيذ التزامه، ولو رفعت المطالبة أمام قاض غير مختص، أو حكم ببطلانها بسبب عيب في الشكل.

وبناء عليه، فليس كل إنذار عاد كافيا لقطع التقادم، وإنما يجب أن تكون المطالبة غير القضائية ثابتة التاريخ، وأن يكون من شأنها إعذار المدين ومطالبته بتنفيذ التزامه.

 

ثانيا: طلب قبول الدين والإجراءات التحفظية والتنفيذية

 

ينقطع التقادم كذلك بطلب قبول الدين في مسطرة معالجة صعوبات المقاولة، وبكل إجراء تحفظي أو تنفيذي يباشر على أموال المدين، أو بكل طلب يقدم للحصول على الإذن بمباشرة هذه الإجراءات.

 

ثالثا: اعتراف المدين بالحق

 

ينقطع التقادم أيضا، طبقا للفصل 382، بكل تصرف يعترف المدين بمقتضاه بحق الدائن. ومن صور هذا الاعتراف:

إجراء حساب عن الدين؛
أداء قسط من الدين، متى كان الأداء ناتجا عن سند ثابت التاريخ؛
طلب أجل للوفاء؛
تقديم كفيل أو ضمان آخر؛
التمسك بالمقاصة عند مطالبة الدائن بالدين.

ويترتب على الانقطاع الصحيح عدم احتساب الزمن السابق في مدة التقادم، وبدء مدة جديدة من وقت انتهاء الأثر المترتب على سبب الانقطاع، وفقا للفصل 383.

ومن الأمثلة الواقعية أن يكون للدائن دين مضى على استحقاقه أربع عشرة سنة، ثم يوجه إلى المدين مطالبة غير قضائية ثابتة التاريخ تتضمن إعذاره بالوفاء. فإذا استوفت هذه المطالبة شروط الفصل 381، انقطع التقادم وبدأت مدة جديدة من تاريخ انتهاء أثر سبب الانقطاع.

 

المطلب الثاني: آثار التقادم والتنازل عنه

الفقرة الأولى: آثار اكتمال مدة التقادم

 

إذا اكتملت مدة التقادم دون أن تقع مطالبة صحيحة تقطعه، ودون وجود سبب يحول دون سريانه، ترتبت على ذلك عدة آثار.

 

أولا: سقوط الدعوى الناشئة عن الالتزام

 

يترتب على اكتمال التقادم سقوط الدعوى الناشئة عن الالتزام، وفقا للفصل 371. فلا يستطيع الدائن الحصول على حكم قضائي بإلزام المدين بالأداء إذا تمسك هذا الأخير بالتقادم وثبت اكتمال مدته.

غير أن الوفاء الاختياري بالدين بعد اكتمال التقادم يكون صحيحا ولا يجوز استرداده، وفقا للفصل 73، وهو ما يؤكد أن التقادم يسقط وسيلة المطالبة القضائية دون أن يجعل الأداء اللاحق أداء لغير المستحق.

 

ثانيا: ضرورة التمسك بالتقادم

 

لا ينتج التقادم أثره بقوة القانون، ولا يجوز للقاضي أن يثيره من تلقاء نفسه، بل يجب أن يتمسك به من له مصلحة، وفقا للفصل 372.

ويجوز التمسك به أمام محاكم الموضوع ما لم يقع التنازل عنه، مع مراعاة القواعد الإجرائية المتعلقة بتقديم الدفوع وضرورة ثبوت العناصر الواقعية التي تسمح للمحكمة بالتحقق من اكتمال مدته.

 

ثالثا: حق أصحاب المصلحة في التمسك بالتقادم

 

لا يقتصر الحق في التمسك بالتقادم على المدين وحده، فقد نص الفصل 374 على أنه يجوز للدائن ولكل شخص آخر له مصلحة، كالكفيل، أن يتمسك بالتقادم، ولو كان المدين الأصلي قد تنازل عنه.

 

رابعا: سقوط الدعاوى المتعلقة بالالتزامات التبعية

 

إذا سقطت الدعوى المتعلقة بالالتزام الأصلي، سقطت معها الدعاوى المتعلقة بالالتزامات التبعية، ولو لم تكن مدة تقادم هذه الأخيرة قد اكتملت بعد، وفقاً للفصل 376.

 

الفقرة الثانية: التنازل عن التقادم والاتفاق على تعديل مدته

 

نظم الفصل 373 من قانون الالتزامات والعقود مسألة التنازل عن التقادم، ونص على أنه لا يجوز التنازل عنه مقدماً، ولكن يجوز التنازل عنه بعد حصوله.

ومعنى ذلك أن المدين لا يستطيع، عند إنشاء الالتزام وقبل اكتمال مدة التقادم، أن يتنازل عن حقه المستقبلي في التمسك به. ويرجع ذلك إلى أن مثل هذا التنازل قد يجعل الديون غير قابلة للتقادم ويؤدي إلى استمرارها إلى أجل غير محدد.

أما بعد اكتمال مدة التقادم، فيجوز للمدين التنازل عنه، لأنه يكون عندئذ قد اكتسب حقاً فعلياً في التمسك به. ويمكن أن يكون التنازل صريحاً، كما يمكن أن يستفاد ضمنياً من تصرفات واضحة لا تحتمل الشك في إرادة المدين التخلي عن التقادم.

ويجب التمييز في هذا الصدد بين التنازل عن التقادم والاتفاق على تعديل مدته. فالفصل 375 لا يمنع كل اتفاق يتعلق بمدة التقادم، وإنما يمنع المتعاقدين من تمديد أجل التقادم إلى مدة تتجاوز خمس عشرة سنة. ولذلك لا يصح القول إن الفصل المذكور يمنع بصورة مطلقة كل تقصير أو تمديد للمدة، بل يمنع تحديداً تجاوز الحد الأقصى المقرر قانوناً، مع ضرورة مراعاة النصوص الخاصة والقواعد الآمرة المتعلقة بحماية الطرف الضعيف.

ومن ثم، لا يجوز الاتفاق على جعل الدين غير قابل للتقادم أو إخضاعه لمدة تزيد على خمس عشرة سنة. كما لا يجوز الاتفاق على مدة تخالف نصاً خاصاً آمراً يحدد مدة معينة للتقادم.

 

خاتمة

 

يتبين أن التقادم مؤسسة قانونية أساسية ترمي إلى تحقيق الأمن القانوني واستقرار المعاملات، من خلال منع بقاء الدعاوى الناشئة عن الالتزامات مهددة للمراكز القانونية إلى أجل غير محدد.

وقد جعل المشرع المغربي المدة العامة للتقادم خمس عشرة سنة، مع تقرير مدد أقصر تختلف باختلاف طبيعة الدعاوى وصفة أطرافها. كما أحاط التقادم بمجموعة من الضوابط، فنظم الحالات التي لا يسري فيها، وحدد أسباب انقطاعه والآثار المترتبة على ذلك.

ويتميز التقادم بأنه لا يسقط الدعوى بقوة القانون، ولا يجوز للقاضي إثارته تلقائيا، بل يتعين أن يتمسك به من له مصلحة. كما لا يجوز التنازل عنه قبل اكتماله، في حين يجوز التنازل عنه بعد حصوله.

وتظل أكثر الإشكالات العملية المرتبطة بالتقادم متمثلة في تحديد تاريخ بداية سريانه، والتمييز بين الوقف والانقطاع، والتحقق من مدى استيفاء المطالبة القضائية أو غير القضائية لشروط قطع التقادم، فضلا عن التوفيق بين القواعد العامة الواردة في قانون الالتزامات والعقود والمدد الخاصة المنصوص عليها في التشريعات المهنية والتجارية والاجتماعية.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق