الخطاب الملكي لعيد العرش 2025 ورهان تجاوز «مغرب السرعتين»

خطاب العرش ورهان العدالة المجالية: نحو تنمية ترابية تواكب جميع المغاربة

عالـم القانون1 سبتمبر 2026
غلاف مقال «نحو مغرب بلا سرعتين تنمويتين» حول العدالة المجالية والتنمية الترابية المندمجة في المغرب.

مقدمــــــة:

أضحى مفهوم التنمية، في الفكر الاقتصادي والقانوني المعاصر، أوسع من مجرد تحقيق معدلات مرتفعة للنمو أو إنجاز البنيات التحتية الكبرى، إذ تقاس التنمية الحقيقية بمدى توسيع اختيارات الإنسان وقدراته، وبقدرته الفعلية على الولوج إلى التعليم والصحة والشغل والسكن والماء والعيش الكريم، دون أن يتحول الانتماء الاجتماعي أو الموقع الجغرافي إلى مصدر للحرمان. ومن هذا المنظور، لا تكون العدالة المجالية مرادفا لتوزيع متماثل للموارد بين جميع المناطق، وإنما تعني توزيعا منصفا يراعي تفاوت الحاجات وكلفة الولوج إلى الخدمات وخصوصيات كل مجال، حتى تتقارب الفرص الأساسية المتاحة للمواطنين أينما وجدوا. وهذا المعنى ينسجم مع تصور التنمية البشرية القائم على توسيع اختيارات الأفراد، كما ينسجم مع التزام دستور المملكة ببناء مجتمع متضامن تسوده الكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
وقد حقق المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات اقتصادية ومجالية مهمة، تجسدت في تطوير شبكات الطرق والموانئ والسكك الحديدية، وبروز صناعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، وتعزيز انفتاح الاقتصاد الوطني. غير أن هذه الدينامية لم تنتج أثرا متكافئا في جميع المجالات، فما تزال مناطق قروية وجبلية تعاني الخصاص في التجهيزات الأساسية وبعد الخدمات الصحية والتعليمية وضعف فرص الشغل والاستثمار. وتؤكد المعطيات الرسمية هذه المفارقة: فرغم انخفاض معدل الفقر متعدد الأبعاد من 11.9% سنة 2014 إلى 6.8% سنة 2024، ظل 72% من الفقراء يقيمون في الوسط القروي، كما بلغ معدل هذا الفقر في القرى 13.1% مقابل 3% في المدن. وهكذا يتضح أن تحسن المتوسطات الوطنية لا يكفي، في حد ذاته، للحكم على عدالة التنمية أو على توزيع ثمارها.
في هذا السياق، جاء خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش، بتاريخ 30 يوليوز 2025، ليؤكد أن مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية لا يمكن أن يكون مرضيا ما لم ينعكس بصورة فعلية على تحسين ظروف عيش المواطنين بمختلف فئاتهم ومناطقهم. وقد صاغ الخطاب هذا الموقف في العبارة الدالة:

«لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين».

ولا تحيل عبارة «مغرب يسير بسرعتين» على اختلاف طبيعي بين الجهات في الموارد والخصائص فحسب، بل تصف وضعا تستفيد فيه بعض الأقطاب والفئات بسرعة من الاستثمار والفرص والخدمات، بينما تتأخر مجالات وفئات أخرى بسبب تراكم الحرمان وضعف الربط بين السياسات القطاعية وحاجات التراب. أما «مغرب السرعة الواحدة» فلا يعني إلغاء تنوع المجالات أو فرض نتائج متماثلة عليها، وإنما يعني ضمان قاعدة وطنية مشتركة من الحقوق والخدمات والفرص، مع اعتماد تمييز إيجابي لفائدة المناطق التي راكمت خصاصا تاريخيا. ويقصد بالتنمية الترابية المندمجة، تبعا لذلك، بناء تدخل عمومي ينطلق من خصائص المجال وحاجاته، ويوحد حول أهداف قابلة للقياس تدخلات الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
وتتجلى أهمية الموضوع، من الناحية القانونية، في اتصاله بمبادئ دستورية آمرة، في مقدمتها المساواة وتكافؤ الفرص والتضامن والجهوية المتقدمة وربط المسؤولية بالمحاسبة؛ ومن الناحية الاقتصادية، في ارتباطه برفع إنتاجية المجالات غير المستغلة واستحداث فرص الشغل، ومن الناحية الاجتماعية، في حماية الكرامة وتعزيز الاندماج والثقة في المؤسسات، ومن الناحية السياسية، في جعل وحدة الدولة متجسدة في تكافؤ المواطنة، لا في وحدة النصوص فقط. كما تزداد راهنية الموضوع بالنظر إلى دعوة خطاب العرش إلى الانتقال من المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية إلى جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يرتكز على التشغيل والخدمات الأساسية والتدبير المستدام للماء والتأهيل الترابي.

وعليه، تثار الإشكالية الآتية: إلى أي حد تسمح المرجعية الدستورية والتوجيهات الملكية الواردة في خطاب العرش لسنة 2025 بإعادة توجيه السياسات العمومية من تدبير قطاعي متفاوت الأثر إلى تنمية ترابية مندمجة تكفل تكافؤ الفرص والولوج المنصف إلى الحقوق والخدمات، وما الأدوار والشروط المؤسساتية اللازمة لتحويل هدف «مغرب السرعة الواحدة» إلى نتائج قابلة للقياس والمساءلة؟

تقتضي معالجة هذه الإشكالية الوقوف، في مطلب أول، عند تشخيص «مغرب السرعتين» وتأصيل ضرورة التنمية المندمجة، قبل بحث آليات التنزيل ومسؤوليات المؤسسات في بناء «مغرب السرعة الواحدة» ضمن مطلب ثان.

المطلب الأول: تشخيص «مغرب السرعتين» وتأصيل ضرورة التنمية المندمجة

إن صياغة سياسة عمومية ناجعة لتقليص التفاوتات تقتضي الانطلاق من تشخيص متعدد الأبعاد يحدد صور الخصاص وأسبابه وآثاره، ثم ضبط المرجعية التي تجعل معالجته التزاما دستوريا وسياسيا لا مجرد تدبير ظرفي. لذلك سنعرض أولا مظاهر التفاوتات المجالية والاجتماعية وتحدياتها (الفرع الأول)، ثم نبرز الأساس الدستوري والملكي للتحول نحو تنمية ترابية مندمجة (الفرع الثاني).

الفرع الأول: مظاهر التفاوتات المجالية والاجتماعية وتحدياتها

تتخذ التفاوتات في المغرب صورا متداخلة، فهي لا تقتصر على تفاوت الدخول، بل تشمل جودة التعليم والعلاج، والقرب من المرافق، وفرص الشغل والاستثمار، والربط بالماء والنقل والاتصال، والقدرة على مواجهة الجفاف والتغير المناخي. ومن ثم، سنقف عند مفارقة التقدم الاقتصادي واستمرار الخصاص الترابي (الفقرة الأولى)، قبل بيان الآثار التي تخلفها هذه الفوارق على التنمية والحقوق والثقة في المؤسسات (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مفارقة المنجزات الاقتصادية واستمرار الخصاص الترابي

يكشف المسار التنموي المغربي عن وجهين متلازمين. يتمثل الوجه الأول في تراكم منجزات هيكلية رفعت جاذبية الاقتصاد وربطت البلاد بسلاسل القيمة العالمية، فالخطاب الملكي نفسه سجل أن الصادرات الصناعية، وخاصة المرتبطة بالمهن العالمية، زادت بأكثر من الضعف منذ سنة 2014، وأن قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والسياحة أصبحت روافع للاقتصاد الناشئ، بالتوازي مع تطوير بنيات تحتية حديثة وإطلاق تمديد الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش. ولا شك أن هذه المنجزات توفر قاعدة مادية ضرورية للنمو ولتمويل السياسات الاجتماعية.
غير أن الوجه الثاني يتمثل في عدم تكافؤ الأثر الترابي لهذه الدينامية. فالاستثمار والوظائف المؤهلة والخدمات ذات الجودة تميل إلى التركّز في الأقطاب الحضرية والمحاور الساحلية، بينما ترتفع في بعض القرى والجبال والواحات كلفة الوصول إلى المدرسة والمستشفى والسوق وشبكات الماء والنقل. ولا يتعلق الأمر بانعدام التقدم، إذ انخفض عدد الأشخاص في وضعية فقر متعدد الأبعاد من قرابة أربعة ملايين إلى نحو 2.5 مليون بين 2014 و2024، وإنما يتعلق ببقاء فجوة قوية في سرعة الاستفادة: بلغ الفقر متعدد الأبعاد سنة 2024 نسبة 13.1% في الوسط القروي مقابل 3% في الوسط الحضري، كما ظل قرابة ثلاثة ملايين شخص في وضعية هشاشة، يوجد 82% منهم في القرى.
وتؤكد الفوارق الجهوية بدورها أن المتوسط الوطني قد يحجب أوضاعا محلية شديدة التباين، فقد سجلت ست جهات سنة 2024 معدلات للفقر متعدد الأبعاد أعلى من المتوسط الوطني البالغ 6.8%، وبلغت النسبة 9.8% في جهة بني ملال-خنيفرة و9% في جهة فاس-مكناس، مقابل 2.4% في العيون-الساقية الحمراء و2.5% في الداخلة-وادي الذهب. ولا تعني هذه الأرقام أن كل ساكن في جهة مرتفعة المعدل يوجد في الوضع نفسه، لكنها تكشف ضرورة التخلي عن الحلول الموحدة واعتماد استهداف أدق على المستوى الجهوي والإقليمي والجماعي.
كما أن الفقر متعدد الأبعاد، وفق منهجية المندوبية السامية للتخطيط، يدمج الحرمان في التعليم والصحة وظروف العيش، ولا يحصره في الإنفاق أو الدخل. ولذلك فإن «مغرب السرعتين» ليس مجرد فجوة مالية بين أسر غنية وأخرى فقيرة، بل هو أيضا تفاوت في الزمن والمسافة والجودة: زمن الوصول إلى العلاج، والمسافة إلى المدرسة، وانتظام الماء والنقل، وجودة التعلم، وإمكان الاندماج في سوق الشغل. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مؤشرات ترابية دقيقة تقيس النتيجة التي يلمسها المواطن، لا مجرد حجم الاعتمادات أو عدد المشاريع المعلن عنها.

الفقرة الثانية: الآثار الاجتماعية والتنموية لاستدامة الفوارق

تفضي الفوارق المجالية المستمرة، أولا، إلى إضعاف المساواة الفعلية في ممارسة الحقوق. فقد يكون الحق مقررا للجميع في النص القانوني، لكن بعد المرفق أو ضعف جودته أو كلفته قد يجعل الانتفاع به متفاوتا. وعندما يضطر طفل في منطقة جبلية إلى قطع مسافة طويلة للوصول إلى المدرسة، أو تتعذر على أسرة قروية الاستفادة المنتظمة من العلاج أو الماء، فإن الإشكال لا يعود مجرد نقص في التجهيز، بل يصبح مساسا بتكافؤ الفرص وبالاستفادة المتساوية من الحقوق التي كرسها الفصل 31 من الدستور.
وتؤدي هذه الفوارق، ثانيا، إلى إهدار جزء من الرأسمال البشري والاقتصادي. فضعف التعليم والصحة والنقل يقلص قابلية السكان للتكوين والإنتاج، كما أن غياب البيئة المحلية الحاضنة للمقاولة يدفع الشباب إلى الهجرة نحو المدن الكبرى بدل تحويل مؤهلات مناطقهم إلى قيمة مضافة. والنتيجة هي ضغط إضافي على السكن والنقل والخدمات في الحواضر، يقابله إفراغ تدريجي لبعض المجالات من كفاءاتها، بما يعمق الحلقة ذاتها التي أنتجت التفاوت.
وثالثا، قد يضعف التفاوت الترابي الثقة في السياسات والمؤسسات حين لا يلمس المواطن تناسبا بين ما يعلن من برامج وبين الأثر في حياته اليومية. لذلك لا تكفي شرعية الأهداف، بل يلزم أن تقترن بشرعية الإنجاز والنتائج. وقد نبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن نموذج الحكامة الترابية لم يجعل المجالات بعد الفضاء الأمثل للتنمية، وأرجع ذلك، من بين عوامل أخرى، إلى تداخل الاختصاصات، ومحدودية القدرات المحلية، وبطء اللاتمركز، وتعدد المتدخلين وضعف الالتقائية.
ورابعا، يزيد تغير المناخ والإجهاد المائي من حدة التفاوت، لأن المجالات القروية والجبلية والواحية أكثر ارتباطا بالموارد الطبيعية وأشد تعرضا لتقلبها. ومن ثم لا يمكن فصل العدالة المجالية عن العدالة البيئية، فتأمين الماء، وحماية الأنشطة الزراعية، وتنويع الاقتصاد المحلي، وبناء قدرة المجالات على الصمود، أصبحت شروطا لاستدامة التنمية نفسها. وهذا ما يفسر إدراج الخطاب الملكي التدبير الاستباقي والمستدام للماء ضمن الأولويات الأربع للبرامج الترابية الجديدة.

الفرع الثاني: المرجعية الدستورية والملكية للتحول نحو تنمية ترابية مندمجة

إذا كان التشخيص يثبت أن الفوارق متعددة الأبعاد، فإن مواجهتها تستند إلى منظومة معيارية متكاملة تجعل الإنسان والمجال في صلب الفعل العمومي. ولذلك سنعرض أولا الأساس الدستوري والقانوني للعدالة الاجتماعية والمجالية (الفقرة الأولى)، ثم نبين دلالة التحول الذي قرره خطاب العرش وعلاقته بالنموذج التنموي الجديد (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الأساس الدستوري والقانوني للعدالة الاجتماعية والمجالية

وضع دستور 2011 أسسا قوية لمواجهة «مغرب السرعتين». فتصديره يلتزم ببناء مجتمع متضامن يتمتع فيه الجميع بالكرامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية ومقومات العيش الكريم، ويحظر التمييز بسبب الانتماء الاجتماعي أو الجهوي. ويقرر الفصل الأول أن التنظيم الترابي للمملكة لا مركزي يقوم على الجهوية المتقدمة، وأن النظام الدستوري يرتكز على الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبذلك لم تعد العدالة المجالية مجرد هدف اقتصادي، بل غدت مكونا من مكونات دولة القانون والمواطنة المتساوية.
ويترجم الفصل 31 هذا الاختيار إلى حقوق محددة، إذ يلزم الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية بتعبئة الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنين، على قدم المساواة، من العلاج والحماية الاجتماعية والتعليم ذي الجودة والتكوين والسكن اللائق والشغل والماء والبيئة السليمة والتنمية المستدامة. كما يلزم الفصل 35 الدولة بتحقيق تنمية بشرية مستدامة تعزز العدالة الاجتماعية، وضمان تكافؤ الفرص والرعاية الخاصة للفئات الأقل حظا. ويترتب عن الجمع بين الفصلين أن السياسة الترابية لا ينبغي أن تقتصر على بناء التجهيز، بل يجب أن تضمن قابلية الولوج إليه وجودة الخدمة وأثرها على الفئات المستهدفة.
أما الفصول 136 إلى 142 فتقيم هندسة دستورية للتنمية من الأسفل، إذ تجعل التنظيم الجهوي قائما على التدبير الحر والتعاون والتضامن ومشاركة السكان، وتمنح الجماعات اختصاصات ذاتية ومشتركة ومنقولة وفق مبدأ التفريع، مع اشتراط اقتران كل اختصاص منقول بالموارد المطابقة له. كما أحدث الفصل 142 صندوقا للتأهيل الاجتماعي لسد العجز في التنمية البشرية والبنيات الأساسية والتجهيزات، وصندوقا للتضامن بين الجهات من أجل التوزيع المتكافئ للموارد وتقليص التفاوتات. ويفصل القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات قواعد هذه الاختصاصات والموارد والحكامة.
ويكتمل هذا البناء بالفصل 154 الذي ينظم المرافق العمومية على أساس المساواة في الولوج، والإنصاف في تغطية التراب، والاستمرارية والجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية. فالعدالة المجالية، وفق هذا الفصل، لا تتحقق بمجرد وجود مرفق على الخريطة، وإنما بقدرته على تقديم خدمة مستمرة ومنصفة وذات جودة. وهكذا تنتظم النصوص الدستورية في سلسلة واحدة: حقوق يجب ضمانها، وجماعات قادرة على تكييف التدخل مع حاجات المجال، وآليات تضامن مالي، ومرافق ملزمة بالإنصاف والجودة، ثم رقابة ومحاسبة على النتائج.

الفقرة الثانية: دلالة التحول الذي قرره خطاب العرش والنموذج التنموي الجديد

يشكل خطاب العرش لسنة 2025 انتقالا من الاعتراف بالفوارق إلى تحديد منهج جديد لمعالجتها. فقد دعا جلالة الملك إلى إحداث «قفزة حقيقية» في التأهيل الشامل للمجالات والاستدراك الفعلي للفوارق الاجتماعية والمجالية، وإلى تجاوز المقاربات التقليدية للتنمية الاجتماعية نحو مقاربة للتنمية الترابية المندمجة. كما وجه إلى إعداد جيل جديد من البرامج يقوم على تثمين الخصوصيات المحلية، وتوطيد الجهوية المتقدمة، والتكامل والتضامن بين الوحدات الترابية، وتجميع جهود الفاعلين حول أولويات واضحة ومشاريع ذات أثر حقيقي.
وتحمل هذه الدعوة ثلاث دلالات أساسية. أولها أن وحدة السياسة الوطنية لا تعني مركزية تصميم الحلول، بل توحيد الغايات وترك مساحة لتكييف الوسائل ترابيا. وثانيها أن التنمية الاجتماعية لا ينبغي أن تظل مجموعة برامج متفرقة للعلاج اللاحق للهشاشة، بل سياسة وقائية تدمج خلق الدخل وتحسين الخدمات وتدبير الموارد. وثالثها أن معيار النجاح ينتقل من منطق الوسائل، أي حجم الأموال والمنشآت، إلى منطق الأثر، أي مقدار التحسن في التعلم والصحة والتشغيل والدخل والولوج إلى الماء وتقليص الفجوة بين المجالات.
وينسجم هذا التحول مع النموذج التنموي الجديد الذي حدد أفق 2035 وربط التحول الاقتصادي المنتج للشغل بتقوية الرأسمال البشري والإدماج الاجتماعي والتنمية الجهوية. كما جعل المجالات الترابية فضاءات لخلق الثروة والاستدامة والصمود، لا مجرد أوعية لتطبيق برامج صممت مركزيا. فالتنمية المندمجة لا تفصل بين الاقتصاد والاجتماع: لا حماية اجتماعية مستدامة من دون اقتصاد محلي منتج، ولا استثمار فعال من دون رأسمال بشري مؤهل وخدمات أساسية جيدة، ولا استدامة من دون تدبير رشيد للماء والموارد الطبيعية.
وتكشف مؤشرات التنمية البشرية أهمية هذا الجمع بين الإنجاز والإنصاف، فقد بلغ مؤشر التنمية البشرية للمغرب 0.710 عن سنة 2023، ليدخل لأول مرة فئة التنمية البشرية المرتفعة، لكنه ينخفض إلى 0.517 بعد تعديله بأثر عدم المساواة. وتفيد المقارنة بأن الانتقال إلى فئة أعلى يمثل إنجازا وطنيا مهما، لكنه لا يلغي ضرورة تحسين توزيع المكاسب. لذلك يمثل خطاب 2025 تصحيحا لمنظور القياس: فالقيمة الحقيقية للنمو الوطني تظهر في قدرته على تقليص المسافة بين أعلى المجالات استفادة وأدناها، وعلى جعل التقدم محسوسا في حياة المواطن.

المطلب الثاني: آليات التنزيل ومسؤوليات المؤسسات في بناء «مغرب السرعة الواحدة»

إن الانتقال من المبادئ والتشخيص إلى الأثر الملموس يتطلب الجمع بين أدوات ترابية واجتماعية واقتصادية متكاملة، وبين حكامة مؤسساتية توضح المسؤوليات وتضمن التنسيق والتقييم والمساءلة. لذلك سنبحث أولا روافع السياسات العمومية الترابية والاجتماعية المندمجة (الفرع الأول)، ثم نحدد أدوار المؤسسات الدستورية وشروط الحكامة والنجاعة (الفرع الثاني).

الفرع الأول: روافع السياسات العمومية الترابية والاجتماعية المندمجة

لا يتحقق تقارب المجالات بتوزيع حسابي متماثل للاعتمادات، بل بتوجيه منصف للموارد بحسب حجم الخصاص وكلفة تقديم الخدمة والمؤهلات الاقتصادية لكل منطقة. ويقتضي ذلك تفعيل الجهوية واللاتمركز والتضامن المالي (الفقرة الأولى)، وربط التشغيل والخدمات والحماية الاجتماعية والاستدامة المائية في برامج ترابية متكاملة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز والتضامن بين المجالات

تمثل الجهوية المتقدمة الأداة المؤسساتية الأساسية لتحويل التنمية من قرار مركزي موحد إلى سياسة قريبة من المواطن. فالجهة، بحكم موقعها الوسيط، قادرة على تنسيق التخطيط بين الدولة والأقاليم والجماعات، وعلى بناء برنامج تنمية جهوي وتصميم لإعداد التراب يربطان الاستثمار بالحاجات الفعلية. غير أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بالتفعيل المتوازن لمبدأ التفريع: يمارس كل مستوى الاختصاص الذي يستطيع إنجازه بأكبر فعالية، مع تجنب التداخل أو التنصل من المسؤولية، ومع نقل الموارد البشرية والمالية والتقنية كلما نقلت الدولة اختصاصاً إلى الجماعة الترابية، عملا بالفصل 141 من الدستور.
ويتطلب ذلك تسريع اللاتمركز الإداري حتى تصبح المصالح الخارجية للوزارات قادرة على اتخاذ القرار والتعاقد والتنسيق جهويا، بدل بقاء الجهة مسؤولة سياسيا عن نتائج لا تملك جميع أدوات إنتاجها. وقد شخص المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بطء تنزيل اللاتمركز وتداخل الاختصاصات وضعف الالتقائية ومحدودية القدرات باعتبارها عوائق أمام التنمية الترابية، وأوصى بجدولة ملزمة لنقل سلطة القرار والاختصاصات، وتوضيح أدوار مختلف المتدخلين، وتقوية الوظيفة العمومية الترابية.
كما يلزم تفعيل التضامن المالي بين المجالات على أساس موضوعي وشفاف. فصندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات، المقرران في الفصل 142، ينبغي أن يعتمدا مؤشرات مركبة تشمل الفقر والهشاشة وبعد الخدمات والكثافة والتشتت السكاني والبطالة والإجهاد المائي، لا معيار عدد السكان وحده. وتسمح خريطة الفقر متعدد الأبعاد للمندوبية السامية للتخطيط بتوجيه الموارد إلى الجماعات والأقاليم الأكثر خصاصا، بما يجعل الاستهداف الترابي مبنيا على الدليل بدل التقريب أو الضغط الظرفي.
ومن الناحية العملية، يتعين ترجمة هذه المبادئ إلى تعاقد واضح بين الدولة والجهة والجماعات، يحدد المشروع والتمويل والآجال والمسؤول والمؤشرات والنتائج المتوقعة. كما يجب تشجيع التعاون بين الجماعات عندما تتجاوز الخدمة حدود جماعة واحدة، مثل النقل بين الجماعات وتدبير النفايات والماء والمناطق الصناعية والمراكز الصحية المشتركة. فبعض المجالات ضعيفة الموارد لا تستطيع، منفردة، تحمل كلفة التجهيز والخبرة، بينما يسمح تجميع الوسائل بتحسين الجودة وترشيد الإنفاق.

الفقرة الثانية: تكامل التشغيل والخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية والاستدامة المائية

حدد خطاب العرش أربعة محاور مترابطة للبرامج الترابية الجديدة: التشغيل، والخدمات الاجتماعية الأساسية، والتدبير المستدام للماء، والتأهيل الترابي المندمج. ويقتضي محور التشغيل الانتقال من برامج عامة إلى سلاسل قيمة محلية تنطلق من مؤهلات كل جهة، فقد يكون المدخل في بعض المناطق هو الفلاحة المستدامة والصناعات الغذائية، وفي أخرى السياحة البيئية أو الصناعة أو الاقتصاد الرقمي أو الحرف أو الطاقات المتجددة. ويتعين ربط التكوين المهني بحاجات هذه السلاسل، وتسهيل الولوج إلى العقار والتمويل والمواكبة والأسواق، مع إعطاء دور للمقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة والتعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
أما الخدمات الأساسية، فيجب التعامل معها كمنظومات لا كبنايات معزولة. فبناء مدرسة لا يحقق الإنصاف إذا غاب النقل المدرسي والمدرسون أو ظلت جودة التعلمات ضعيفة، كما أن بناء مركز صحي لا يكفي من دون أطر وتجهيز وأدوية ونظام إحالة ونقل ملائم. ومن ثم ينبغي اعتماد «سلة ترابية دنيا» من الخدمات، تحدد آجال الوصول ومعايير الجودة والاستمرارية، مع حلول متنقلة ورقمية للمناطق المتفرقة، من غير أن تتحول الرقمنة إلى بديل دائم عن الحضور البشري أو سبب جديد للإقصاء.
وتؤدي الحماية الاجتماعية وظيفة تصحيحية ووقائية داخل هذه المنظومة، فقد وضع القانون الإطار رقم 09.21 أساس تعميم الحماية الاجتماعية، بما يشمل توسيع التأمين الإجباري الأساسي عن المرض والتعويضات العائلية والحماية من مخاطر الشيخوخة وفقدان الشغل وفق البرمجة القانونية. غير أن التحويلات والتغطية الصحية لا تنتجان أثرهما الكامل إذا كان العرض الصحي بعيدا أو ضعيفا، لذلك يجب وصل الحماية الاجتماعية بتأهيل المستشفى والمدرسة والبنية المحلية وبسياسات الإدماج الاقتصادي. وتظل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بدورها آلية للقرب ومحاربة الهشاشة وتنمية الرأسمال البشري، على أن تتكامل مشاريعها مع البرامج الجهوية والوطنية بدل أن تشتغل في مسارات متوازية.
ويحتل الماء موقعا مركزيا في العدالة المجالية، لأن ندرة المورد تؤثر في الصحة والاستقرار والنشاط الاقتصادي، ولا سيما في القرى والواحات والمناطق الجافة. لذلك ينبغي الجمع بين تعبئة الموارد التقليدية وغير التقليدية، وتقليص ضياع الشبكات، وإعادة استعمال المياه المعالجة، وحماية الفرشات، واختيار أنشطة اقتصادية ملائمة للقدرة المائية لكل مجال. وأخيرا، يجب ربط مشاريع التأهيل المحلي بالمشاريع الوطنية الكبرى عبر الطرق والسكك والربط الرقمي والمنصات اللوجستية، حتى لا تبقى البنية الكبرى ممرا بجوار المنطقة، بل تصبح رافعة لاقتصادها وفرص سكانها.

الفرع الثاني: أدوار المؤسسات الدستورية وشروط الحكامة والنجاعة

تتوقف فعالية البرامج على قدرة المؤسسات على تحويل الاختصاصات والموارد إلى نتائج، وعلى إشراك السكان وتنسيق تدخل الدولة والجماعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني. لذلك سنحدد، أولا، توزيع الأدوار بين الفاعلين الدستوريين والمؤسساتيين (الفقرة الأولى)، ثم نعرض شروط التنفيذ الفعال القائم على الالتقائية والاستهداف والتقييم والمحاسبة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تكامل أدوار الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية ومؤسسات الحكامة والفاعلين المجتمعيين

تتحمل الحكومة المسؤولية التنفيذية الأولى عن تحويل التوجيهات الاستراتيجية إلى سياسات وقوانين وموازنات وبرامج. فالفصل 89 من الدستور يجعلها مسؤولة عن تنفيذ البرنامج الحكومي والقوانين، ويضع الإدارة تحت تصرفها ويخولها الإشراف على المؤسسات والمقاولات العمومية، كما يتداول مجلس الحكومة، وفق الفصل 92، في السياسات العمومية والقطاعية ومشروع قانون المالية. وينبغي لذلك أن تضمن الحكومة التناسق بين الوزارات، و استراتيجيات التعليم والصحة والتشغيل والماء والاستثمار، وأن تعتمد برمجة متعددة السنوات مرتبطة بأهداف كمية ومجالية واضحة.
ويؤدي البرلمان وظيفة تشريعية ومالية ورقابية وتقييمية، فالفصل 70 يخوله التصويت على القوانين ومراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية، بينما يتيح الفصل 75 مناقشة قانون المالية والاعتمادات المرتبطة بالمخططات والبرامج التنموية متعددة السنوات، ويخصص الفصل 101 جلسة سنوية لمناقشة السياسات العمومية وتقييمها. ومن ثم، يتعين أن تتجاوز الرقابة البرلمانية السؤال عن المبالغ المصروفة إلى مساءلة الفوارق في النتائج بين الجهات، وأن تربط الموافقة على البرامج بتوافر بيانات ترابية ومؤشرات أثر وتقارير تقييم.
أما الجهات والجماعات الترابية فهي فضاء التشخيص والتخطيط والتنفيذ القريب. ويخولها الدستور المشاركة في إعداد السياسات الترابية، ويلزم مجالسها بوضع آليات تشاركية للحوار والتشاور، كما يجعل الجهة في الصدارة عند إعداد وتتبع برامج التنمية الجهوية والتصاميم الجهوية لإعداد التراب، مع احترام اختصاصات باقي الجماعات. ويقتضي ذلك تقوية مواردها وكفاءاتها الهندسية والقانونية والمالية، وتطوير قدرتها على إدارة المشاريع والتعاقد وجذب الاستثمار، مع إخضاع التدبير المحلي لمبادئ الشفافية وتعارض المصالح والمساءلة.
وتتكامل هذه الأدوار مع مؤسسات الحكامة والرقابة. فالمجلس الأعلى للحسابات، وفق الفصلين 147 و148، يراقب المالية العمومية ويقيم التدبير ويدعم البرلمان والحكومة وينشر أعماله، وقد خصص تقريرا موضوعاتيا لتفعيل الجهوية المتقدمة تناول الإطار المؤسساتي والموارد والاختصاصات، بما يعزز الرقابة على انتقال الورش من النص إلى الإنجاز. كما يقدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عملا بالفصل 152، خبرة استشارية في القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتوجهات العامة للتنمية المستدامة.
ولا ينبغي اختزال التنمية في علاقة عمودية بين المركز والجهة، فالفصلان 12 و13 يكرسان مساهمة المجتمع المدني والفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات وتفعيلها وتقييمها، كما يضمن الفصل 139 المشاركة والعرائض على المستوى الترابي. ويسهم القطاع الخاص في الاستثمار وخلق الشغل ونقل المعرفة، لكن داخل تعاقد يحمي المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا يصبح «مغرب السرعة الواحدة» مسؤولية مشتركة، مع بقاء كل فاعل محاسبا عن الجزء الذي يدخل في اختصاصه.

الفقرة الثانية: شروط التنفيذ الفعال: الالتقائية والاستهداف والتقييم والشفافية والمحاسبة

أول شروط النجاح هو وضوح المسؤوليات. فحين تتداخل الاختصاصات بين وزارة ومؤسسة عمومية وجهة وجماعة، يصعب تحديد المسؤول عن التعثر. لذلك ينبغي إرفاق كل برنامج بمصفوفة مسؤوليات تبين صاحب القرار، وصاحب التمويل، والمنفذ، وآجال الإنجاز، والنتائج المنتظرة. كما يلزم احترام القاعدة الدستورية التي تربط نقل الاختصاص بنقل الموارد، وإرساء تعاقد قابل للمتابعة بين الدولة والجماعات الترابية.
وثانيها الالتقائية الترابية. فالتنمية لا تتحقق بتجاور مشاريع قطاعية منفصلة، إذ قد تنجز الطريق دون نقل عمومي، أو المدرسة دون داخلية، أو المنطقة الصناعية دون تكوين وماء وطاقة. والمطلوب هو برنامج ترابي واحد ينسق التدخلات حول حاجات السكان وسلسلة اقتصادية محلية، ويتولى جهاز قيادة محدد حل التعارضات وتتبع الآجال. وقد جعل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ضعف الالتقائية وتعدد المتدخلين من أبرز أعطاب الحكامة الترابية.
وثالثها الاستهداف المبني على البيانات. يجب اعتماد خرائط الفقر والهشاشة، وزمن الوصول إلى المرافق، وجودة الخدمات، والبطالة، والضغط المائي، لاختيار المناطق والمشاريع وترتيب الأولويات. وينبغي نشر البيانات على مستوى الجهة والإقليم والجماعة، وتحيينها دوريا، حتى تستند الميزانية إلى الحاجات الفعلية ويستطيع المواطن والبرلمان والهيئات الرقابية تتبع الفوارق. فالعدالة المجالية لا تقاس فقط بمجموع الإنفاق في كل جهة، وإنما بحصة الفرد المعدلة بحجم الخصاص وكلفة تقديم الخدمة وبمقدار التحسن المحقق.
ورابعها الانتقال إلى تدبير قائم على النتائج. لكل برنامج خط أساس وأهداف مرحلية ونهائية، مثل خفض زمن الوصول إلى العلاج، وتقليص الانقطاع المدرسي، ورفع معدل النشاط والشغل، وتحسين استمرارية الماء، وتقليص الفارق بين القرى والمدن. ويجب إجراء تقييم قبلي لاختيار المشاريع الأعلى أثرا، وتتبع مواز يسمح بالتصحيح، وتقييم بعدي مستقل يقيس الفعالية والكلفة والأثر والاستدامة. وهذا ما ينسجم مع توصية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإلزامية التقييم المسبق لآثار الاستثمار العمومي الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وخامسها الحكامة المفتوحة وربط المسؤولية بالمحاسبة، عبر شفافية معايير توزيع الاعتمادات والصفقات وحالة تقدم المشاريع، وتفعيل أجهزة التفتيش والمحاكم المالية، ونشر نتائج التقييم، والاستجابة لملاحظات المرتفقين وتظلماتهم طبقا للفصل 156 من الدستور. ولا تعني المحاسبة الاقتصار على الجزاء بعد وقوع الخلل، بل تشمل الوقاية منه، وتصحيح المسار، ومكافأة الإدارة الفعالة، وبناء ذاكرة مؤسساتية تمنع تكرار الأخطاء.
وسادسها المشاركة المواطنة وبناء القدرات. فإشراك السكان لا ينبغي أن يقتصر على استشارات شكلية بعد إعداد المشروع، بل يجب أن يبدأ من تحديد الحاجات والأولويات، ويستمر في التتبع والتقييم. كما أن أفضل الاختصاصات والموارد لا تنتج أثراً من دون كفاءات ترابية في التخطيط والصفقات والهندسة المالية والبيانات والتقييم. لذلك يعد الاستثمار في الإدارة الترابية والرقمنة القريبة والمنصفة جزءاً من الاستثمار التنموي ذاته، لا مجرد نفقة تسيير.

خاتمة

يتبين أن عبارة «لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين» ليست وصفا خطابيا لفجوة بين المدينة والقرية فحسب، بل هي قاعدة لتجديد تصور الدولة للتنمية. فالمغرب راكم منجزات اقتصادية وبنيات تحتية وحقق تقدما معتبرا في خفض الفقر وفي مؤشر التنمية البشرية، غير أن استمرار تمركز الفقر والهشاشة في الوسط القروي، وتفاوت الولوج إلى التعليم والصحة والشغل والماء، يثبت أن التحدي لم يعد فقط خلق الثروة، وإنما ضمان انتشار آثارها بين المواطنين والمجالات.
كما أن تحقيق «مغرب السرعة الواحدة» لا يعني فرض مسار متماثل على جميع الجهات، بل ضمان وحدة الحقوق والحد الأدنى من جودة الخدمات وتكافؤ الفرص، مع تنويع الحلول بحسب الخصوصيات المحلية واعتماد تمييز إيجابي لفائدة المجالات الأشد خصاصا. وقد وفر دستور 2011 الأساس المعياري لهذا التحول من خلال المساواة والعدالة الاجتماعية والجهوية المتقدمة والتضامن والتدبير الحر والإنصاف في تغطية التراب بالمرافق، ثم جاء النموذج التنموي الجديد وخطاب العرش لسنة 2025 ليؤكدا الانتقال من السياسات القطاعية المتجاورة إلى التنمية الترابية المندمجة ذات الأثر.
غير أن سلامة الرؤية لا تكفي من دون جودة التنفيذ. فالنجاح يظل رهينا بتسريع نقل الاختصاصات والموارد والكفاءات، وتفعيل اللاتمركز، وتقوية التضامن المالي بين الجهات، وربط الحماية الاجتماعية بعرض فعلي وجيد للخدمات، وإدماج التشغيل والماء والتأهيل في برامج موحدة، واعتماد ميزانيات ترابية مبنية على حجم الخصاص. كما يتطلب تكامل الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية ومؤسسات الرقابة والاستشارة، وإشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين في صنع القرار وتتبع أثره.
وبذلك، فإن المدخل الحاسم للانتقال من «مغرب بسرعتين» إلى «مغرب متضامن ومتقارب الفرص» هو تحويل العدالة المجالية من شعار أو نتيجة مأمولة إلى معيار قبلي ملزم في اختيار كل سياسة واستثمار عمومي، وإلى مؤشرات منشورة تقيس المسافة والوقت والجودة والنتيجة، وإلى مسؤولية قابلة للمساءلة. ومتى ارتبط كل درهم عمومي بهدف ترابي واضح، وكل اختصاص بموارده، وكل مشروع بأثره، أمكن جعل اختلاف المجالات مصدر غنى وتكامل، لا سببا لتفاوت المواطنة، وترسيخ نموذج تنموي يوحد سرعة التقدم ويحفظ في الوقت نفسه تنوع جهات المملكة وخصوصياتها.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules : من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...التفاصيل

موافق